أعمال واستثمار

بعد الإعلان عن استبدال العملة.. كيف ستؤثر على الاقتصاد؟

بقلم هلا يوسف

اتجهت الحكومة الجديدة إلى تغيير العملة السورية بعد مستويات التضخم الكبيرة التي وصلت إليها خلال فترة النظام السابق. وبين خياري زيادة الأصفار أو حذفها، شهدت الأوساط الاقتصادية نقاشات واسعة وتحليلات متعددة حول نتائج كل إجراء وتأثيره المحتمل على الاقتصاد. وفي نهاية المطاف حسم مصرف سوريا المركزي قراره باعتماد خيار حذف الأصفار. ويطرح هذا القرار تساؤلات أساسية حول الآليات التي اعتمدها المصرف في عملية استبدال العملة، ومدى انعكاس هذه الخطوة على واقع السوق السوري الذي يعاني من أزمات عميقة. في هذا المقال، نحاول توضيح هذه الإجراءات وشرح تأثيراتها المحتملة بشكل مبسط.

تشمل الإجراءات التنفيذية لتغيير العملة السورية إصدار عملة جديدة ضمن خطة اقتصادية وطنية تهدف إلى تحقيق الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالاقتصاد ودعم التعافي الاقتصادي.

تقوم عملية التغيير على حذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة الحالية، بحيث تعادل كل 100 ليرة سورية قديمة ليرة سورية واحدة جديدة، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في القيمة الحقيقية للأموال، إذ يعد هذا الإجراء تقنياً يهدف إلى تسهيل التعاملات المالية والمحاسبية. وستبدأ عملية استبدال العملة في الأول من كانون الثاني 2026، وتستمر لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، وستنفذ مجاناً دون فرض أي رسوم أو ضرائب على المواطنين.

مع بداية العام الجديد، ستتم جميع معاملات مصرف سوريا المركزي بالعملة الجديدة، بينما ستبقى العملة القديمة والجديدة متداولة معاً خلال فترة الاستبدال، وسيكون التجار ملزمين بقبول التعامل بالعملتين في الوقت نفسه، مع التأكيد على عدم التخلي عن العملة القديمة خلال هذه المرحلة الانتقالية. وقد جرى إعداد خطة مسبقة لعملية الاستبدال تتضمن آليات واضحة ومراكز مخصصة لتوزيع العملة الجديدة في مختلف المناطق.

تؤكد التعليمات أن عملية الاستبدال تتم من دون زيادة أو نقصان في حجم الكتلة النقدية، ما يمنع حدوث تضخم، مع الالتزام بالحفاظ على استقرار سعر الصرف. كما ستتابع عملية التنفيذ بشكل يومي من خلال تقارير تقييم لضمان نجاحها.

يقتصر تنفيذ عملية الاستبدال على الأراضي السورية فقط، وتحمل العملة الجديدة ميزات أمنية عالية تمنع تزويرها، بالتوازي مع العمل على تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتقديم حلول مؤقتة للمصارف في هذا المجال، إضافة إلى التنسيق مع القطاع المصرفي لتحويل الحسابات المصرفية تلقائياً إلى العملة الجديدة مع بداية العام.

تعليق حاكم مصرف سوريا المركزي حول تغيير العملة

اعتبر حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية أن إصدار العملة الجديدة يمثل ثمرة عمل مؤسسي دقيق ومحطة مفصلية لترسيخ الثقة بالاستراتيجية الاقتصادية السورية، مؤكداً أن هذه الخطوة تشكل بداية جديدة لمستقبل الاقتصاد الوطني وفق معايير مهنية ومسؤولة، مع التشديد على استقلالية المصرف المركزي لحماية الاقتصاد.

أوضح حصرية أن إطلاق العملة الجديدة يعد لبنة إضافية في مسار تعافي الاقتصاد السوري، وأن الحفاظ على قيمة العملة لا يتحقق من خلال طباعة النقد، بل عبر سياسات اقتصادية صحيحة وانضباط مالي وضبط الأسواق بالتعاون مع وزارة المالية.

كما شدد على أن المصرف سيحافظ على حجم الكتلة النقدية دون زيادة أو نقصان، وأن السياسة النقدية الحالية تعتمد على الانضباط المالي لمنع التضخم، مع توقع أن تسهم عملية الاستبدال تدريجياً في التخفيف من أزمة السيولة. وأكد أن أزمة السيولة هي بالأساس أزمة ثقة وليست أزمة نقص نقدي، وأن استعادة الثقة بالمصرف المركزي تشكل عاملاً أساسياً في معالجتها، مشيراً إلى التعاون مع شركات عالمية كبرى لطباعة العملة الجديدة لمنع التزوير، والعمل على توفير الليرة السورية عند زيادة الطلب عليها مقابل العملات الأجنبية.

وبين حصرية أن أسباب إصدار العملة الجديدة ترتبط بالتحولات السياسية والاقتصادية العميقة التي تشهدها البلاد، والابتعاد عن السياسات السابقة التي أدت إلى تضخم وأزمات سيولة، مع اعتماد سياسة جديدة تقوم على استبدال كتلة نقدية بكتلة أخرى وفق المعايير العالمية للمصارف المركزية.

كما كشف أن حجم النقد المتداول حالياً يبلغ نحو 42 تريليون ليرة سورية، أي ما يقارب 13 مليار قطعة نقدية، وأن المصرف بدأ فعلياً باستبدال هذه الكتلة النقدية الضخمة تمهيداً لحصرها بالكامل بعد انتهاء عملية الاستبدال.

ما السيناريوهات المتوقعة لتأثير استبدال العملة؟

يرى خبراء اقتصاديون أن حذف الأصفار من العملة بحد ذاته لا يجعل الليرة أقوى تلقائياً، بل إن النتيجة تعتمد على ما إذا كانت هذه الخطوة سترافقها إصلاحات اقتصادية حقيقية أم لا.

بحسب آرائهم قد تنجح عملية التبديل إذا جاءت خطوة حذف الأصفار ضمن خطة إصلاح شاملة، تشمل تقليل طباعة النقود، وضبط الإنفاق الحكومي، وتشجيع الإنتاج المحلي، وزيادة التصدير، وتحقيق استقرار أمني. في هذه الحالة، قد تستقر الليرة تدريجياً، وقد يتحسن سعر صرفها بشكل محدود. لكن هذا الاحتمال ضعيف حالياً، بسبب صعوبة تطبيق هذه الإصلاحات في الظروف الراهنة.

وقد تفشل العملية في حال حذف الأصفار دون إصلاحات فعلية، ومع استمرار ضعف الثقة بالسياسات المالية، فإن الناس سيفضلون الاحتفاظ بالدولار أو الذهب بدلاً من الليرة. ومع الوقت، قد تفقد الليرة قيمتها ووظيفتها في الشراء والبيع، وقد تتراجع بشكل مستمر حتى تخرج من التداول اليومي، وهو ما يعد أخطر الاحتمالات.

وقد تكون هذه العملية مجرد إجراء شكلي هدفه تسهيل الحسابات والأسعار، دون أن ينعكس تحسناً حقيقياً على مستوى المعيشة أو سعر الصرف. وبحسب المعلومات هذا ما يهدف إليه مصرف سوريا المركزي.

وعلى المدى القريب، يتوقع خبراء الاقتصاد أن يواجه الناس صعوبة في التعود على الأسعار الجديدة، مع احتمال ارتفاع بعضها بسبب تقريب الأرقام إلى الأعلى، ما قد يؤدي إلى ارتباك مؤقت وتراجع في القدرة على الشراء.

أما على المدى المتوسط، فيشير الخبراء إلى أنه إذا جرى الترويج للعملة الجديدة بشكل جيد، مع ضبط طباعة النقود، فقد تتحسن الثقة نسبياً، لكن في حال استمرار أسباب التضخم نفسها، فإن القوة الشرائية ستواصل التراجع ولو بوتيرة أبطأ.

ويستشهد الخبراء بتجارب دول أخرى، مثل تركيا التي نجحت بعد حذف الأصفار لأنها نفذت إصلاحات اقتصادية حقيقية، وزيمبابوي التي فشلت بسبب الاستمرار بطباعة النقود بلا ضوابط، وإيران التي حققت نتائج محدودة بسبب العقوبات والتضخم. ويؤكدون أن النجاح لا يرتبط بحذف الأصفار بحد ذاته، بل بجدية السياسات الاقتصادية المرافقة.

باختصار، إن استبدال العملة مهما كان الإجراء المتبع، لن يحدث فرقاً حقيقياً في الوضع الاقتصادي ما لم يرافقه تنفيذ إصلاحات فعلية وجدية. أما في حال غياب هذه الإصلاحات، فسيبقى تغيير العملة خطوة شكلية ذات تأثير محدود. ويبقى تحرك عجلة الاقتصاد ونموها هو العامل الأساسي الذي يحدد نجاح هذه الخطوة أو فشلها.

اقرأ أيضاً: اقتصاد السوق الحرة في سوريا: بين التفاؤل والواقع!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى