بطولة الجمهورية الصيفية لألعاب القوى: فرصة لاكتشاف المواهب

بقلم هلا يوسف
“بطولة الجمهورية” فعالية يتنافس فيها أفضل اللاعبين للحصول على اللقب من كافة المحافظات السورية، وفرصة لاكتشاف مواهب شابة قادرة على التأهل للمنافسات الخارجية عندما تتيح الفرصة لذلك. ومن هنا جاءت أهمية بطولة الجمهورية لألعاب القوى التي كانت النتيجة لصالح شاب من محافظة اللاذقية، بالرغم من البنية التحتية المتواضعة.
وقد استقبل مضمار وميدان ملعب مدينة الياسمين في دمشق، بطولة الجمهورية الصيفية لألعاب القوى، لتكون أكثر من مجرد بطولة تم فيها توزيع ميدليات. فقد كشفت المنافسات أن ألعاب القوى السورية لديها الكثير من المواهب القادرة على تحقيق إنجازات كبيرة.
بطولة كشفت عن مواهب من مختلف المحافظات
وفي تفاصيل البطولة، انتهت المنافسات بعد مشاركة 204 لاعبين ولاعبات من 12 محافظة سورية، تنافسوا فيها ضمن فئات الناشئين والناشئات والرجال والسيدات.
ومن خلال الأداء، كانت المنافسات شديدة، والمستويات عالية، إذ ظهرت نتائج لافتة في عدد كبير من السباقات والمسابقات، كما بدت الفوارق متقاربة بين اللاعبين في أكثر من لعبة، مما جعل الحسم يتأخر أحياناً حتى الأمتار الأخيرة.
لكن أهمية البطولة لم تكن في معرفة من فاز بالمركز الأول فقط. فمثل هذه البطولات تعطي القائمين على اللعبة فرصة لاكتشاف مواهب ومستويات اللاعبين، ومتابعة تطورهم، واكتشاف أسماء جديدة يمكن أن تكون تأسيس للمنتخبات الوطنية في السنوات المقبلة.
كما أظهرت المنافسات أن ألعاب القوى ليست محصورة في محافظة واحدة، فالميداليات توزعت على عدد من المحافظات، والمواهب ظهرت في أكثر من مكان. وهذا أمر مهم، لأن وجود قاعدة واسعة من اللاعبين يعني أن هناك فرصة لبناء جيل جديد قادر على المنافسة، بشرط أن يحصل هؤلاء اللاعبون على الرعاية اللازمة والاستمرار في التدريب والتطوير.
وكان أبرز ما شهدته البطولة هو الإنجاز الذي حققه اللاعب الناشئ هادي عباس، الذي نجح في تسجيل 10.40 ثوانٍ في سباق 100 متر، محطماً بذلك الرقم القياسي السوري، حيث بقي الرقم السابق ثابتاً لمدة 46 عاماً.
وكان الرقم السابق المسجل يدوياً باسم زياد قات ونبيل نهري، بزمن قدره 10.50 ثوانٍ في البطولات المحلية، بينما بقي الرقم الإلكتروني باسم نبيل نهري بزمن 10.67 ثوانٍ، سجله خلال إحدى المشاركات الخارجية. لذلك، فإن ما فعله هادي عباس لم يكن مجرد فوز في سباق أو الحصول على ميدالية، بل كان لحظة تاريخية أعادت كتابة رقم بقي طويلاً في سجلات ألعاب القوى السورية.
اللاذقية في الصدارة… والمنتخب ينتظر مواهب جديدة
وبالنظر إلى الترتيبات، استطاعت محافظة اللاذقية من تحصيل التتويج بلقب البطولة، بينما جاءت دمشق في المركز الثاني، وحلت درعا ثالثة، ثم ريف دمشق في المركز الرابع. أما الميداليات، فلم تذهب إلى محافظة واحدة، بل توزعت على معظم المحافظات المشاركة، من الحسكة إلى درعا، وهو ما يعكس حجم المنافسة بين المواهب.
وبالنسبة لرئيس اتحاد ألعاب القوى محمد الضامن، فإن هذه النتائج تعني أن البطولة أدت دوراً أكبر من مجرد المنافسة على المراكز الأولى. فقد اعتبرها محطة مهمة لتقييم اللاعبين ومعرفة العناصر التي يمكن الاعتماد عليها في المنتخبات الوطنية خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح الضامن أن المشاركة في البطولة تمت من خلال دعوات اسمية للاعبين الذين حققوا الأرقام الفنية المطلوبة في بطولات المحافظات، وذلك بهدف ضمان مشاركة أفضل العناصر ورفع المستوى الفني للمنافسات.
وأشار إلى أن البطولة شهدت مستويات قوية وظهور عدد من المواهب الشابة التي أثبتت امتلاكها إمكانات جيدة، مؤكداً أن نتائجها ستكون أساساً في اختيار منتخب الناشئين الذي سيمثل سوريا في البطولة العربية المقررة في مصر خلال الفترة من 5 إلى 9 أيلول المقبل.
ومن المنتظر أن يدخل اللاعبون الذين سيتم اختيارهم معسكراً تدريبياً استعداداً للمشاركة، مما يعني أن البطولة لم تكن نهاية المشوار بالنسبة للمتفوقين، بل قد تكون بداية طريق جديد نحو تمثيل سوريا في المنافسات الخارجية.
مضامير تحتاج إلى التأهيل… وإنجازات تتحقق رغم نقص الإمكانات
يؤكد الضامن أن الاتحاد اليوم لا يواجه حالياً مشكلات تنظيمية كبيرة، غير أن التحدي الكبير يبقى في واقع المنشآت الرياضية، مشدداً على أن إعادة تأهيل المضامير وتجهيزها وفق المواصفات الدولية أصبحت حاجة أساسية إذا كانت ألعاب القوى السورية تريد تحقيق تطور حقيقي.
ولعل أفضل مثال على ذلك هو الرقم الذي حطمه هادي عباس. فعندما يتمكن لاعب من تحطيم رقم ظل صامداً 46 عاماً، رغم أنه يتدرب في منشآت تحتاج إلى التأهيل، فإن هذا الأمر يفتح الباب أمام سؤال بسيط لكنه مهم: ماذا كان يمكن أن يحقق لو توفرت له مضامير حديثة وتجهيزات أفضل؟
يرى الضامن أن تطوير البنية التحتية يمكن أن ينعكس مباشرة على مستوى اللاعبين وأرقامهم، وأن وجود منشآت مناسبة سيجعل المنافسة على المستوى العربي والقاري أكثر واقعية.
لكن المشكلة، بحسب ما أوضحه، لا تتعلق بالمضامير وحدها. فقد أجرى الاتحاد العام الماضي جولة ميدانية على المحافظات لتقييم واقع المنشآت، ورفع تقريراً إلى وزارة الرياضة والشباب أشار فيه إلى غياب المنشآت المناسبة وتهالك مضامير ألعاب القوى في سوريا.
كما تحدث عن نقص في بعض التجهيزات الأساسية، ومن بينها جهاز “الفوتوفينيش” المستخدم في البطولات لتحديد النتائج بدقة، بالإضافة إلى نقص واضح في الأدوات الرياضية، حيث لا يوجد سوى مرتبة واحدة للوثب العالي في جميع أنحاء البلاد.
كما أشار الضامن إلى أنه رفع كتاباً لإعادة تأهيل مضمار تشرين، إلا أنه لم يتلقَّ رداً حتى الآن، رغم أن وزير الرياضة والشباب محمد سامح الحامض قام بتحويل الكتاب إلى مديرية المنشآت لإجراء الدراسة، من دون أن تظهر خطوات عملية على أرض الواقع حتى الآن.
كما أوضح أن مناقصة طرحت لإعادة تأهيل مضمار دير الزور، لكن المشروع لم يشهد أي تنفيذ فعلي حتى الآن، ولا تزال الخطوات المقبلة مرتبطة بما ستقرره الجهات المعنية في الوزارة.
ويأمل اتحاد ألعاب القوى في أن يكون هناك تواصل أكبر ومباشر مع الاتحاد، حتى يتم تحديد احتياجات اللعبة بشكل واضح ومعرفة الأولويات التي تحتاج إلى تدخل سريع.
اللاعب يحتاج إلى مضمار… والمدرب يحتاج إلى خبرة
لا تكتمل المنظومة الرياضية لألعاب القوى بتحديث المضامير فقط، بل تحتاج إلى كوادر تدريبية قادرة على وضع الخطط والتكنيكات المميزة للاعبين. لذلك أكد الضامن على أهمية الاستعانة بمدربين أجانب للاستفادة من خبراتهم ونقل أساليب التدريب الحديثة إلى المدربين السوريين.
ويؤكد الضامن أن المدربين السوريين واصلوا عملهم بإخلاص رغم الظروف الصعبة، إلا إن الحرب أوقفت عملية تطوير الكوادر، خصوصاً بعد توقف العديد من الدورات التدريبية والتأهيلية، والانقطاع عن المدارس التدريبية العالمية.
وبسبب استمرار هذه الحالة لسنوات، أدى ذلك إلى وجود فجوة في بعض الجوانب الفنية والإدارية، ولذلك فإن الاحتكاك بالخبرات الدولية يمكن أن يساعد على تطوير المدربين واللاعبين في الوقت نفسه.
فلا يكفي أن نكتشف اللاعب الموهوب، بل يجب أن نعرف كيف نحافظ عليه ونطوره. ولا يكفي أن نطلب من اللاعب تحقيق أرقام جديدة، بل يجب أن نوفر له مدرباً يمتلك الأدوات والمعرفة اللازمة للوصول إليه.
في النهاية، بطولة الجمهورية الصيفية لألعاب القوى تثبت لنا أن لدينا مواهب كبيرة تنتظر من يستثمرها. وهذا الاستثمار لا يمكن إلا في ظل جهود أشخاص مؤمنين بهذه المواهب، وراغبين في إيصال الرياضة السورية لأعلى المستويات.
اقرأ أيضاً: الشطرنج في سوريا.. لعبة تصنع جيلاً يفكر قبل أن يتحرك









