مقابلات

بطلة الجمهورية في الشطرنج آية حسينو: اللعبة تمثلني وبطولة العرب فرصة ضائعة!

أجرت المقابلة هلا يوسف

أحياناً تبدأ الحكايات الكبيرة من تفاصيل صغيرة لا ننتبه إلى أهميتها في لحظتها. بالنسبة لآية حسينو، بدأت الحكاية عندها من مقعد صغير إلى جانب شقيقتها، تراقب بصمت كيف تتحرك قطع الشطرنج على الرقعة، قبل أن تجد نفسها بعد سنوات أمام رقعة أكبر، ومنافسات أصعب، وهدف واضح تسعى إليه.

لم تكن تعرف يومها أن تلك المشاهدة العابرة ستقودها إلى عالم الشطرنج، وأن اللعبة التي دخلت حياتها من باب أختها ستصبح شيئاً يشبهها ويعبر عن شخصيتها. بين التدريب في النادي والمنزل، وبين الدراسة والبطولات، تعلمت أن الفوز لا يأتي دائماً من نقلة واحدة، بل من الصبر، والتركيز، والإصرار، ومن القدرة على النهوض بعد كل خسارة. حتى وصلت إلى المركز الأول في بطولة الجمهورية، لتثبت أن الموهبة حين تجد من يرعاها، والإرادة حين تجد من يدعمها، يمكن أن تصنع بداية حقيقية لحلم أكبر.

في هذا اللقاء، نقترب من تجربة آية في لعبة الشطرنج، من اللحظة التي بدأت فيها الحكاية، مروراً بالتحديات التي واجهتها، وصولاً إلى الإنجاز الذي حققته والطموحات التي ما زالت تنتظرها على رقعة الشطرنج.

1. بدايةً، كيف بدأت رحلتكِ في لعبة الشطرنج؟ ومن كان له التأثير الأكبر في اكتشاف موهبتكِ ودعمكِ حتى وصلتِ إلى المركز الأول؟

بدأت رحلتي مع لعبة الشطرنج عندما كانت أختي الكبيرة تلعبها، وكانت لديها مدربة تأتي إلى منزلنا لتدريبها. كنت أجلس معهما وأشاهد كيف كانت تتدرب وأتعرف بشكل بسيط إلى اللعبة، وبعد فترة تركت أختي لعبة الشطرنج، لكنني أنا قررت أن أكمل فيها.

بدأت بعدها التدريب في نادي سلمية الرياضي مع الأستاذ عزام زينة لمدة ثلاث سنوات، ثم تابعت تدريبي مع الأستاذ علي الخطيب لمدة أربع سنوات، وما زلت مستمرة في التدريب معه حتى الآن. كما كان للأستاذ أحمد القاسم دور مهم في دعمي، حيث كان مشرفاً علينا في بطولة الجمهورية، وقدم لنا الكثير من الدعم والتدريب خلال فترة البطولة.

ومع مرور الوقت أحببت لعبة الشطرنج كثيراً، وشعرت أنها لعبة تشبهني وتعبر عن شخصيتي، لذلك قررت الاستمرار فيها وتطوير نفسي. وكان لعائلتي أيضاً دور كبير في دعمي وتشجيعي، خاصة بعد أن عرفوا أنني أحب هذه اللعبة وأرغب في الاستمرار بها، فكانوا دائماً إلى جانبي ويشجعونني على متابعة طريقي وتحقيق أهدافي فيها.

2. كيف استطعتِ أن توازني بين حياتكِ الدراسية واهتمامكِ بالشطرنج؟

خلال فترة الدراسة، كنت أحرص على تنظيم وقتي بين المدرسة والشطرنج، فبعد أن أعود من المدرسة كنت أنهي دروسي وواجباتي، ثم أذهب إلى التدريب في النادي في الأيام التي يكون فيها لدي تدريب. أما في الأيام التي لم يكن فيها تدريب، فكنت أستغل وقتي وأتدرب بمفردي في المنزل. وفي فترة الصيف، أصبح لدي وقت أكبر للتدريب، لذلك أتدرب بشكل يومي وأخصص جزءاً من الوقت الذي كنت أخصصه سابقاً للواجبات الدراسية للتدريب على الشطرنج. وبشكل عام، كنت دائماً أحرص على إعطاء دراستي الوقت الكافي، وبعد الانتهاء منها أخصص وقتي للتدريب وتطوير مستواي في الشطرنج.

3. ما أبرز الصعوبات التي واجهتكِ خلال تعلّمكِ للشطرنج، وكذلك أثناء مشاركتكِ في البطولة؟ وكيف استطعتِ التغلب عليها؟

كان أكثر شيء صعب بالنسبة لي هو الخوف، فقد كنت أخاف من الخسارة، وأشعر بالقلق من أن يكون المنافس الذي أمامي أقوى مني، وكنت أفكر كثيراً في احتمال أن أخسر المباراة. لكن مع الوقت استطعت أن أتغلب على هذا الخوف من خلال زيادة التدريب والاستعداد بشكل أفضل للمباريات، بالإضافة إلى محاولة أن أكون أكثر هدوءاً وتركيزاً أثناء اللعب. وكان لعائلتي دور كبير في مساعدتي على التغلب على هذا الخوف، فقد كانوا دائماً يقولون لي: «سواء فزتِ أو خسرتِ، لن يحدث شيء، فهي في النهاية مجرد لعبة، العبي وأنتِ مرتاحة». وكانت كلماتهم تجعلني أشعر بالراحة وتخفف عني الضغط والخوف من الخسارة.

4. كيف كانت أجواء المنافسة في البطولة؟ وما الموقف أو الشيء الذي لفت انتباهكِ أو ترك أثراً خاصاً لديكِ خلال البطولة؟

في البداية، شاركت في بطولة على مستوى المحافظات، وبعدها تأهلنا للمشاركة في بطولة الجمهورية التي أقيمت في دمشق واستمرت لمدة خمسة أيام. كان لدينا جولتان في اليوم، واحدة في الصباح وأخرى في المساء. وبالنسبة لي، كانت مبارياتي تستغرق وقتاً طويلاً، حيث كانت الجولة الواحدة تمتد لحوالي أربع ساعات تقريباً، لذلك كان الوقت بين الجولتين قصيراً بالنسبة لي، وكنت بالكاد أجد وقتاً لأرتاح قليلاً وأستعد للجولة الثانية.

ومن أكثر الأمور التي لفتت انتباهي خلال البطولة وجود لاعبين معروفين إلى جانب لاعبين جدد، وكانت هذه من أكثر البطولات التي شعرت بأنها منظمة بشكل كبير. كان هناك تشديد واضح على الالتزام بالنظام، كما كان الحكام متعاونين جداً معنا، فعندما يحدث أي ضجيج أو إزعاج أثناء المباريات، كانوا يستجيبون بسرعة ويتدخلون مباشرة لإعادة الهدوء، وهذا ساعد على توفير أجواء مناسبة للعب والتركيز.

5. كيف تستعدين قبل المباريات؟ وهل لديكِ طقوس أو عادات معينة تساعدكِ على التركيز والاستعداد النفسي والذهني؟

كنت دائماً أحاول أن أهدئ نفسي وألا أتوتر أثناء المباريات، وكان لدي إصرار كبير بيني وبين نفسي على تحقيق الفوز. كما كنت أحرص على التدريب بشكل مستمر، سواء في النادي أو في المنزل، حتى أتمكن من معالجة نقاط الضعف والثغرات الموجودة لدي، وأطور من مستواي وأصبح أكثر استعداداً للمنافسات.

6. ما المهارة التي تشعرين أنكِ طورتِها بشكل أكبر خلال الفترة الماضية، وتعتقدين أنها كانت من أهم أسباب تحقيقكِ لهذا الإنجاز؟

من أكثر المهارات التي تطورت لدي بسبب لعبة الشطرنج هي مهارة اتخاذ القرارات، فالخبرة التي اكتسبتها وراكمتها خلال سنوات من اللعب ساعدتني على اتخاذ القرار المناسب أثناء المباراة، خاصة أن اللاعب قد يجد نفسه أمام أكثر من نقلة محتملة ويحتاج إلى التفكير جيداً واختيار الأفضل منها. بالإضافة إلى ذلك، ساعدتني لعبة الشطرنج على تطوير هدوء الأعصاب والتحلي بالصبر، وهما مهارتان استفدت منهما ليس فقط أثناء اللعب، وإنما في حياتي اليومية بشكل عام.

7. بعد وصولكِ إلى المركز الأول، ما الجانب الذي تشعرين أنكِ بحاجة إلى تطويره أكثر حتى تنتقلي إلى مستوى أعلى في المنافسات؟

بعد حصولي على بطولة الجمهورية، أرى أن أهم شيء يساعدني على الاستمرار في التطور هو أن أراجع مبارياتي وأتعرف إلى نقاط الضعف والثغرات الموجودة لدي، وأعرف أين أخطأت أو أين كنت على وشك أن أخطئ، حتى أتمكن من معالجة هذه الأخطاء وعدم تكرارها في المباريات القادمة. كما أعتقد أنه من المهم أن تتوفر في الأندية التي تقدم تدريبات الشطرنج ساعات شطرنج مخصصة للتدريب، لأن معظم الأندية لا تتوفر فيها هذه الساعات، وهي من الأدوات التي يمكن أن تساعد اللاعبين على تطوير مستواهم والتدرب بشكل أفضل.

8. لو أتيحت لكِ الفرصة لخوض مباراة مع بطل أو بطلة عالمية في الشطرنج، من تتمنين أن تكون؟ ولماذا اخترتِها تحديداً؟

أختار ماغنوس كارلسن، لأنني أرى أنه يتمتع بقدر كبير من الصبر، بالإضافة إلى الخبرة الواسعة التي اكتسبها وراكمها خلال سنوات طويلة من اللعب والمنافسة. وأعتقد أنني أستطيع الاستفادة كثيراً من هذه الخبرة حتى لو لعبت ضده، لأن اللعب مع لاعب بمستواه سيمنحني فرصة للتعلم واكتساب خبرة جديدة. كما أنه بطل العالم في لعبة الشطرنج، ولذلك بالتأكيد لديه أسلوب وخطة وطريقة خاصة في اللعب يمكنني أن أتعلم منها وأستفيد منها في تطوير مستواي.

9. في ختام اللقاء، ما طموحكِ القادم؟ وما الهدف الذي تتمنين تحقيقه في مسيرتكِ في لعبة الشطرنج؟

كنت أتمنى أن أشارك في بطولة العرب التي ستقام في مصر في 28 من شهر تموز الحالي، لكن يبدو أننا لن نتمكن من المشاركة لأسباب يُقال أنها متعلقة بالتأخر في الحصول على تأشيرة الدخول، وعدم قبول مصر لدخول السوريين، وأعتقد أن هذه كانت فرصة مهمة وضاعت منا.

وأحب أن أذكر أيضاً أنني شاركت في بطولة العرب قبل أربع سنوات، عندما أقيمت في دمشق، وكان عمري وقتها تسع سنوات. ورغم أنني كنت أصغر من الفئة العمرية التي شاركت فيها، فقد لعبت مع لاعبات بعمر 12 سنة، وتمكنت من تحقيق المركز الرابع في البطولة، وكانت تجربة مهمة جداً بالنسبة لي وأكسبتني خبرة كبيرة.

باختصار، في الشطرنج لا تكفي معرفة الحركة الصحيحة، فكل نقلة تفتح الطريق أمام نقلة أخرى، وكل مباراة تحمل درساً جديداً. وربما هذا ما تعلمته بطلة الجمهورية آية حسينو خلال رحلتها القصيرة حتى الآن، فالفوز ليس نهاية الطريق، والخسارة ليست سوى فرصة للعودة بشكل أقوى. واليوم، تنظر إلى مسيرتها المتواضعة بفخر كبير، وتنظر للمستقبل بتحدي أكبر، ورغم كل ما وصلت إليه، ما زالت ترى رقعة الشطرنج بنفس الطريقة التي رأتها بها أول مرة: بشغف، وفضول، ورغبة حقيقية في أن تعرف إلى أين يمكن أن تأخذها النقلة التالية.

اقرأ أيضاً: بطولة الجمهورية للجمباز الإيقاعي: فرصة لاكتشاف المواهب والمشاركات الخارجية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى