مقالات

بصراحة: الأكثرية «للطوابير» لا «للمذهب»!

مقال رأي – عروة درويش – بصراحة: الأكثرية «للطوابير» لا «للمذهب»!

يشهد النقاش العام في سوريا خلال المرحلة الراهنة تكراراً، أعمى في الكثير من الأحيان، لفكرة «الأغلبية» بوصفها أداة تفسير وتبرير في آن واحد، حيث يجري استدعاؤها في سياق الحديث عن شكل الدولة واتجاهاتها. لا يرتبط هذا الحضور بواقعة محددة، فهو كثير الانتشار في السوشيال ميديا وفي بعض الوقفات محدودة العدد في الشارع، وهذا بحدّ ذاته يعكس نمطاً يمكن الارتياب به من محاولات إعادة تعريف المجال العام بعد سنوات من التحولات السياسية والاجتماعية، وهو ما يضع هذه الفكرة ضمن سياق صراع على تحديد من يملك حق تمثيل «الناس» أكثر من كونها توصيفاً دقيقاً لبنية المجتمع.

ضمن هذا الإطار، يمكن تفكيك مفهوم «الأغلبية» إلى مستويين مترابطين. المستوى الأول هو «المبسّط»، حيث تُقدَّم الأغلبية بوصفها معطى عددياً يستند إلى الانتماء الديني أو الطائفي، ويُستخدم هذا المعطى لتبرير مواقف سياسية محددة، شمولية في غالب الأحيان، وبشكل يوحي بأنّها «مسلّمات لا يمكن دحضها». أما المستوى الثاني فهو «الثابت الواقعي»، الذين يتمّ العمل بجهد لتغييبه لحساب المبسّط. 

في واقع الحال، تكمن المشكلة في آلية تعريف الأغلبية نفسها، إذ يتم اختزالها في بُعد واحد وإهمال بقية المحددات التي تشكّل سلوك الأفراد ومواقفهم داخل المجال العام.

يعود سبب هذا الاختزال والتبسيط إلى سهولة تحويل الانتماء الديني إلى أداة تعبئة سياسية وشحن مجتمعي، إذ يتيح هذا المسار إنتاج «أغلبية» سريعة التعريف وقابلة للاستخدام في الخطاب العام. إلا أن هذه الآلية تعمل عبر تجاهل التباينات الفعلية داخل المجتمع، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو حتى في فهم الدين نفسه. وهو ما يفسر كيف تتحول «الأغلبية» من وصف لواقع اجتماعي إلى أداة لإعادة تشكيل هذا الواقع وفق تصور محدد.

القضايا التي تجمع الناس بشكل حقيقي

تُظهر الوقائع اليومية ضمن هذا السياق أن ما يجمع الأفراد في علاقتهم مع الدولة يتشكل على مستوى مختلف. فالقضايا المرتبطة بالخدمات الأساسية تخلق أنماطاً من التلاقي تتجاوز الانتماءات الدينية. على سبيل المثال، الذين يقفون اليوم في الطوابير للحصول على الغاز المنزلي يشكّلون «أغلبية اليوم»، لأنهم يتشاركون تجربة مباشرة مع نقص مورد أساسي، بغض النظر عن خلفياتهم. وكذلك الحال بالنسبة للذين يعانون من ارتفاع أسعار الخضروات، حيث تتشكل بينهم «أغلبية» قائمة على ضغط اقتصادي مشترك، يحدد سلوكهم وتوقعاتهم من الدولة أكثر من أي انتماء آخر.

من هنا، يمكن فهم أن «الأغلبية» في معناها البنيوي لا تتحدد عبر الانتماء، بل عبر نمط العلاقة مع الدولة. فالأفراد الذين يواجهون تحديات متشابهة في حياتهم اليومية يتصرفون ضمن منطق متقارب، وهو ما ينتج شكلاً ثابتاً وواقعياً من «الأغلبية» لا يمكن التقاطه عبر الأدوات التقليدية للتصنيف. وهو ما يفسر أيضاً تباين المواقف داخل الفئات التي يُفترض أنها متجانسة دينياً، سواء في ما يتعلق بشكل الدولة أو دور الشريعة أو حدود الحريات.

الانتماء لا ينتج أغلبية

حتّى عند الانتقال إلى القضايا المرتبطة بالشريعة والانتماء الديني والمذهبي، يظهر مستوى إضافي من التفكك داخل مفهوم «الأغلبية». فضمن الانتماء الديني الواحد، لا يوجد تصور واحد للدين أو لدوره في المجال العام. إذ يمكن ملاحظة أن قسماً واسعاً من الأفراد، الذي يحاول البعض حشرهم في خانة الانتماء الأعمى، يميلون إلى رفض تقييد الحريات الشخصية بناءً على تفسير ديني محدد، ويرون أن الدين يقع في إطار «كل واحد مسؤول قدام ربه» وفقاً للكلمة السورية الشهيرة، أي ضمن علاقة فردية لا ينبغي تحويلها إلى أداة ضبط اجتماعي عام. 

في المقابل، تتبنى مجموعات أخرى فهماً مختلفاً يربط بين الدين والتنظيم العام للسلوك. هذا التباين يوضح أن «الأغلبية» الدينية المفترضة ليست كتلة متماسكة، بل بنية داخلها اختلافات جوهرية.

في ضوء ما سبق، فإن الادعاء بوجود «أغلبية» متجانسة يستند إلى تبسيط آلية تشكّل المواقف داخل المجتمع، ويعتمد على تحويل أحد أبعاد الهوية إلى محدد وحيد للسلوك السياسي. غير أن هذا التبسيط يفقد قدرته التفسيرية عند مقارنته بالواقع المركب للعلاقات الاجتماعية والسياسية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية والخدمية والقيمية في تشكيل هذه المواقف.

الانتخابات كآلية قياس

يقودنا كلّ ما سبق إلى مسألة هامّة لا يستوي الحديث عن أغلبية وأقليّة إلّا بها: آلية القياس نفسها. إن أي محاولة لتحديد «الأغلبية» خارج إطار إجراءات مؤسساتية انتخابية واضحة تظل عرضة لإعادة التوظيف السياسي والتبسيط غير النظيف.

لذلك، تصبح الانتخابات الحرة والنزيهة هي الإطار الوحيد القادر على تحويل هذا المفهوم من أداة خطابية إلى معطى قابل للتحقق، شرط أن تتم الانتخابات ضمن بيئة لا يُقيد فيها التعبير ولا يُعاد تشكيل النتائج مسبقاً، ولا يتمّ فيها قمع أيّ نوع من الأصوات بالطرق المباشرة وغير المباشرة «القمع المسلّح وشراء الذمم كمثالين هامين».

في هذا السياق، لا تعود «الأغلبية» مفهوماً ثابتاً، بل تصبح نتيجة لعملية اجتماعية وسياسية مستمرة، تتغير بتغير القضايا المطروحة ومستوى أداء الدولة.

يفتح هذا الأمر المجال لفهم أوسع لديناميات المجتمع، حيث لا تُختزل الاختلافات في بعد واحد، ولا تُختصر وحدة الناس في تعريف ضيق، بل يجب التنبّه إلى مخاطر «التبسيط» وفهم «الأغلبية» ضمن شبكة معقدة من العلاقات التي تعيد تشكيل نفسها مع كل تحول جديد.

اقرأ أيضاً: ما جرى في السقيلبية: البداية أم النهاية أم مجرد سلسلة في مسبحة؟

—————————————————————————

يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى