«بروفة يوم الحساب»: المسرح السوري يدخل نقاش العدالة الانتقالية والناجيات

الكاتب: أحمد علي
لا يحتاج الجرح السوري دائماً إلى خطاب كبير كي يظهر ويطفو على السطح، أحياناً تكفي خشبة مسرح، قبو خياطة قديم، فستان معلّق، وذاكرة لا تعرف أين تضع نفسها.. وهناك يبدأ السؤال الصعب: ماذا تفعل الضحية حين تتأخر العدالة، وحين يصبح الماضي حاضراً أكثر من الحاضر نفسه؟!
عرضت مسرحية «بروفة يوم الحساب» على مسرح الحمراء في دمشق بين 26 و30 حزيران 2026، في عمل من تأليف فارس الذهبي وإخراج ماهر صليبي، وبطولة يارا صبري وروبين عيسى وجابر جوخدار. ووصفت وكالة سانا العرض بأنه عمل نفسي يسلّط الضوء على ملف العدالة الانتقالية ومعاناة الناجيات من الحرب. هذه ليست تفصيلة ثقافية عادية. المسرح هنا يقترب من ملف ما زال السوريون ينتظرون له لغة قانونية وسياسية واضحة.
بروفة يوم الحساب والسؤال المؤجل
الحكاية، كما قدّمتها مواد تعريفية وتقارير ثقافية عن العرض، تدور في قبو خياطة قديم في دمشق بعد الحرب. امرأتان تعملان على ترميم فساتين قديمة، كما لو أنهما تحاولان ترميم حياة مكسورة. يدخل رجل إلى المكان، فيتبدل كل شيء. لا يعود القبو مكاناً ضيقاً فقط، بل يتحول إلى مساحة مواجهة، بين الذاكرة والحقيقة، بين النجاة والذنب، بين العدالة والانتقام.
هذه الصيغة الدرامية مهمة لأنها لا تقدم العدالة الانتقالية بوصفها مصطلحاً بارداً. تضعها في حياة الناس. في جسد امرأة ناجية، في ذاكرة مرتبكة، في خوف من المجتمع، وفي سؤال لا يجد جواباً سريعاً. هل تكفي الذاكرة وحدها كي تكون دليلاً؟ ماذا يحدث حين لا يبقى من الجريمة إلا الصوت والندبة والكوابيس؟ وهل يملك المجتمع استعداداً لسماع الناجيات، لا لاستخدامهن في مناسبة عاطفية عابرة؟
المسرحية لا تستطيع أن تحل هذه الأسئلة، وهذا جيد. وظيفة المسرح ليست إصدار الأحكام، بل دفع المجتمع إلى النظر في وجه ما يتهرب منه. فالخشبة ليست محكمة، لكنها قد تصبح مكاناً أولياً للاعتراف بأن الصمت نفسه جزء من المشكلة.
تأتي أهمية العرض أيضاً من عودة أسماء مسرحية وفنية إلى خشبة دمشق بعد سنوات من الغياب. ماهر صليبي تحدث في مقابلة مع تلفزيون سوريا عن العودة إلى مسرح الحمراء، وعن ذاكرة المكان منذ عرض سابق له عام 1999. ويارا صبري تعود إلى المسرح الدمشقي ضمن عمل يضع النساء في قلب الحكاية. هذه العودة لا تحمل معنى فنياً فقط. إنها تفتح سؤالاً عن قدرة الحياة الثقافية السورية على الاشتباك مع الملفات الثقيلة من داخل البلد، لا من خارجه فقط.
الناجيات لسن مادة رمزية
دخلت العدالة الانتقالية في سوريا المجال الرسمي بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، ثم عبر الإعلان الدستوري في 13 آذار 2025، ولاحقاً مع إنشاء لجنتين بمرسوم رئاسي في 17 أيار 2025، إحداهما للعدالة الانتقالية والأخرى للمفقودين. وهذا تطور مهم. لكنه ليس كافياً بذاته.
تقرير “هيومن رايتس ووتش” رأى أن الإعلان الدستوري وعد بآليات تشاورية ومتمحورة حول الضحايا لتحديد المساءلة والحقيقة والإنصاف، لكنه أشار أيضاً إلى أن مرسوم اللجنة حصر تركيزها بالجرائم المنسوبة إلى حكومة الأسد، بما قد يستبعد ضحايا انتهاكات ارتكبتها أطراف أخرى. وفي أيار 2026، كتبت Justice Info أن سوريا لا تملك بعد قانوناً شاملاً للعدالة الانتقالية، وأن الإطار القانوني ما يزال غير واضح، وكذلك العلاقة بين العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية.
هذه النقطة هي قلب المسألة، فالحديث عن الناجيات لا يجوز أن يبقى في مستوى التضامن العام. الناجية لا تحتاج فقط إلى تصفيق، ولا إلى دمعة عابرة في نهاية العرض. تحتاج إلى حماية، وحق في الكلام أو الصمت، ومسار إنصاف، ودعم نفسي واجتماعي، وضمان ألا تتحول شهادتها إلى خطر جديد عليها. لذلك تشدد نقاشات دولية حديثة حول سوريا على أن إشراك الناجين وعائلات الضحايا لا يكون جدياً إلا إذا بُنيت الحماية في كل خطوة، من الاستماع إلى التوثيق، ومن الظهور العام إلى التعويض.
هنا يصبح المسرح حساساً. يمكنه أن يفتح باب الكلام، لكنه قد يجرح إذا تعامل مع الناجيات كرمز جاهز. الفرق كبير بين فن ينصت، وفن يستعير الألم كي يرفع حرارة العرض. والتحدي أمام أي عمل من هذا النوع أن يحافظ على كرامة التجربة، وألا يختصر الضحية في صفتها كضحية فقط. الناجيات بشر كاملون. لهن خوف وغضب وارتباك وقوة ورغبة في العيش.
حين لا تكفي الخشبة
تزامن «بروفة يوم الحساب» مع لحظة سورية شديدة التعقيد. فقد بدأت في دمشق، بحسب لوموند، أولى محاكمات مسؤول أمني سابق من النظام السابق، وهو عاطف نجيب، في 26 نيسان 2026، بوصفها محاكمة رمزية ومهمة لعائلات الضحايا. لكن التقرير نفسه أشار إلى مشكلة قانونية أساسية، وهي أن القانون الجزائي السوري لا يعرّف جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، ما يجعل المحاكمات مهددة بالانحصار في جرائم عادية لا تلتقط الطبيعة المنهجية للعنف.
هذا لا يلغي أهمية بدء المحاسبة، لكنه يحدد حدودها. فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة شخص واحد، ولا افتتاح لجنة، ولا عرضاً مسرحياً ناجحاً. هي مسار طويل يتطلب كشف الحقيقة، تحديد المسؤوليات، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، حماية الذاكرة، ومنع تكرار الانتهاكات. وإذا غاب جزء من هذه السلسلة، عاد الخلل من باب آخر.
يستطيع المسرح أن يقول ما يعجز البيان عن قوله. يستطيع أن يجعل الجمهور يرى امرأة لا مجرد ملف، ويرى الخوف لا مجرد مصطلح، ويرى العدالة المؤجلة كغرفة خانقة لا كعنوان في مؤتمر. لكنه لا يملك وحده أدوات الإنصاف، لا يملك سلطة التحقيق، ولا حق التعويض، ولا القدرة على إصلاح جهاز قضاء أو مؤسسة أمنية. لهذا لا يجب تحميله ما لا يحتمل.
قيمة «بروفة يوم الحساب» تكمن في أنها نقلت نقاش العدالة الانتقالية من لغة المؤسسات إلى لغة الإنسان، وهذا مكسب إذا بقي في مكانه الصحيح. فالفن عموماً يفتح السؤال، والسياسة تضع الإطار، والقانون يحمي الحق. أما إذا بقي السؤال على الخشبة وحدها، فسنكون أمام اعتراف ناقص، جميل في شكله، عاجز في أثره.
الخلاصة بسيطة وصعبة معاً. سوريا لا تحتاج إلى ذاكرة تبكي فقط، بل إلى ذاكرة تُنصف. والناجيات لا يحتجن إلى أن يُذكرن في موسم ثقافي ثم يُتركن في العتمة نفسها. إذا كانت «بروفة يوم الحساب» قد وضعت الألم على الخشبة، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار. هناك، في القانون، وفي الحماية، وفي القدرة على تحويل الاعتراف إلى حق.
اقرأ أيضاً: المسرح بين الغياب ومحاولات استعادة الصوت









