سياسة

برنامج الإفصاح الطوعي لمكافحة الفساد… ماذا يعني وكيف نستفيد منه؟

الكاتب: أحمد علي

تُواجه دمشق سؤالاً عملياً لا شعاراتياً: كيف تستعيد أموالاً تشكلت عبر عقود من المحسوبيات والنهب والحرب، من دون أن تفتح الباب لصفقات جديدة باسم الإصلاح؟ إطلاق «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» برنامجاً يتيح لمن تحيط أمواله بشبهات كسب غير مشروع أن يصرّح عنها ويسوي وضعه يضع المجتمع أمام مفترق واضح: إما أداة لاسترداد المال العام وإعادة إدماج رأس المال في الاقتصاد النظامي، أو «مخرج قانوني» لإعادة تدوير نفوذ قديم بواجهة جديدة.

برنامج الإفصاح الطوعي ومعناه العملي

برنامج الإفصاح الطوعي، وفق ما أعلنته اللجنة ورئيسها باسل السويدان، هو مسار قانوني مؤقت مدته ستة أشهر لتسوية أوضاع مالية مرتبطة بشبهات «الكسب غير المشروع» بما يساهم في تسريع استعادة الأموال. وتربط سانا البرنامج بدور اللجنة بوصفها هيئة وطنية مستقلة أُحدثت بقرار رئاسي رقم 13 لعام 2025.

في القراءة القانونية، لا تُقاس قيمة برنامج الإفصاح الطوعي بحجم ما قد يدخل للخزينة فقط، بل بوضوح الإطار الناظم وحدود التسوية: ما الذي يُسقطه الإفصاح، وما الذي يبقى قابلاً للملاحقة، وكيف تُمنع أي جهة من تحويل الإفصاح إلى ابتزاز لاحق أو حصانة غير معلنة، وكيف يُضمن تطبيقه على الجميع بلا انتقائية.

موقع إلكتروني وآلية التسوية

البرنامج جاء عملياً مع منصة إلكترونية لاستقبال الطلبات من دون وسطاء، وتحدثت الصحف المحلية عن «آلية دخول سرّية وآمنة» لتقديم الإفصاح تمهيداً للسير بإجراءات التسوية ضمن الأطر القانونية. وفي بلد اعتاد فيه الناس أن “المعاملة” تمر عبر سماسرة قبل أن تصل إلى القانون، يُفترض أن تخفف المنصة مساحة المساومة وتعدد الأبواب.

لكن السرية وحدها ليست وصفة ثقة؛ الثقة تُبنى عندما تُنشر القواعد بصياغة مفهومة: ما البيانات المطلوبة، وكيف تُقدَّر الموجودات، وما أثر الإفصاح على الوضع الضريبي، وما الضمانات الإجرائية لسلامة البيانات، وما حق صاحب الإفصاح في الاعتراض والتظلم إذا شعر أن العملية انحرفت عن معاييرها.

بين رد المال والمساءلة

أول اختبار اجتماعي وسياسي لبرنامج الإفصاح الطوعي ظهر مع إعلان تسوية رجل الأعمال محمد حمشو. فالتسوية أثارت غضباً ورفضاً شعبياً، ووثقت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي الاعتصام أمام مقر اللجنة في دمشق رفضاً لفكرة “التسوية بلا محاسبة”.

في المقابل، نقلت صحف محلية عن بيانات اللجنة أن التسوية جاءت بعد تحقيقات وفحص للأصول والإقرارات المالية، وأن البرنامج يستهدف “شفافية الأصول” و“العدالة الاقتصادية”، مع التأكيد على أن تقديم معلومات مضللة يعرّض صاحبها للمساءلة.

وبين السرديتين يبرز سؤال جوهري: هل يُعامل برنامج الإفصاح الطوعي بوصفه إجراءً لاستعادة المال فقط، أم بوصفه جزءاً من مشهد أوسع يحتاج إلى تبرير علني ومعايير معلنة كي لا يتحول كل ملف إلى “صفقة” جديدة بلغة مختلفة؟

اختبار السلم الأهلي فعلاً

ضمن هذا السياق، لا بدّ من القول إن السلم الأهلي لا يُنتَج بالتهدئة المؤقتة، بل بإحساس الناس بالمساواة أمام القانون وبأن حقوقهم لا تُختزل في رقم مالي. لذلك يصعب فصل برنامج الإفصاح الطوعي عن العدالة الانتقالية، حتى لو كانت التسوية ذات طابع مالي.

وثّقت وسائل إعلام سجالاً دفع جهات معنية بالعدالة الانتقالية للتأكيد أن الجرائم الجسيمة وانتهاكات حقوق الإنسان لا عفو عنها ولا تقادم، وأن الإجراءات الاقتصادية ليست بديلاً عن القضاء. في هذا السياق، أي حديث متداول عن تقدم شخصيات من “عهد الأسد” لتسويات بمبالغ ضخمة يصبح شديد الحساسية: ليس لأن استعادة المال غير مهمة، بل لأن الغموض حول المعايير ومن يُسمح له بالتسوية وكيف تُربط التسوية بالمساءلة، يمكن أن يحول “استعادة الأموال” إلى وقود للانقسام بدل أن يكون خطوة نحو الاستقرار.

شروط النجاح ومخاطر الفشل

بالتأكيد، نجاح برنامج الإفصاح الطوعي لا يحتاج خطابات أكثر، بل يحتاج نتائج قابلة للقياس ومرئية للناس من دون فضح خصوصيات الأفراد: أرقام إجمالية عن الأموال المستردة، قواعد موحدة، رقابة قضائية حقيقية، وتدقيق مستقل. فالحساسية تتضاعف عندما تصل الأسئلة إلى ملفات المحروقات والنقل.

وبينما تتحدث بعض المصادر عن تسوية مرتبطة بالشركة الذهبية التابعة لـ «قاطرجي»، تُظهر المعطيات أن المجموعة واجهت عقوبات أميركية وأن المصرف المركزي أصدر سابقاً تعميماً لتجميد حسابات مرتبطة بها.

وجود هذا النوع من الخلفية يجعل أي تسوية محتملة تحت المجهر، لأن الجمهور سيسأل تلقائياً: هل تُستخدم التسوية لإغلاق ملف مالي فقط، أم تُستخدم لتلميع أسماء وحماية شبكات؟ وهنا يصبح معيار العدالة هو الشفافية والاتساق: نفس القواعد على الجميع، ونفس المعيار في تقييم الثروة، ونفس الخط الأحمر فيما لا يُسوّى بالمال.

العدالة معيار الاستقرار

إلى هنا يمكن القول إنه إذا قُدّم برنامج الإفصاح الطوعي كطريق مختصر من نوع “ادفع وامضِ”، فقد ينجح مالياً ويفشل أخلاقياً وسياسياً. أما إذا قُدّم كمسار يوازن بين استعادة المال العام وبناء الثقة عبر معايير معلنة ورقابة قابلة للمساءلة، فسيقترب من روح اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تعتبر استرداد الموجودات مبدأ أساسياً وتعرض أدواته من التتبع إلى التجميد والمصادرة وإعادة الأموال.

لكن وعلى مستوى أوسع من سجال “تسوية حمشو” تحديداً، فإن اختبار مكافحة «الكسب غير المشروع» ليس قانونياً فقط بل هو اختبار لطبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي يُبنى الآن، فإمّا أن تكون التسويات مدخلاً لعدالة انتقالية تشمل العدالة الاقتصادية واسترداد ما تراكم من نهب تاريخي انعكس فقراً وتوتراً وقمعاً، وإمّا أن تتحول إلى آلية تبييضٍ سياسي واقتصادي تعيد إنتاج منطق توزيع الثروة نفسه الذي حكم البلاد لعقود، ولو بواجهات مختلفة.

ومن دون تغيير جذري في النموذج القائم باتجاه اقتصاد إنتاجي حقيقي وإعادة توزيع للثروة لصالح الأغلبية، فإن كل “إصلاح” سيبدو كأنه إعادة تدوير للماضي لا قطيعة معه، بما يضع السلم الأهلي نفسه على حافة التآكل بدل أن يُرسَّخ.

اقرأ أيضاً: تسوية محمد حمشو .. إدارة ذكية أم إعادة تدوير؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى