المجتمع السوري

بدء تطبيق المواقف المأجورة في حمص.. فأين الخدمات التي ينص عليها العقد؟

بقلم هلا يوسف

الكثير من التغييرات طرأت على مركز مدينة حمص منذ التحرير، حيث فرغ المركز من وسائل النقل العامة، وأصبحت الحركة منتظمة نوعاً ما، بالرغم من كل الاعتراضات الشعبية حول مواقف السرافيس التي باتت بعيدة عن بعض الدوائر الحكومية، خصوصاً بالنسبة لكبار السن. واليوم بدأ تطبيق تغيير آخر أثار الجدل والاعتراض كالعادة، وهو جعل مواقف العديد من الشوارع المركزية مأجورة، فمن يريد أن يركن سيارته في الشوارع التي سيتم ذكرها عليه أن يدفع. لكن ما لم تأخذه المحافظة بالحسبان الشروط المطلوب تنفيذها قبل تطبيق قرار المواقف المأجورة، فقد ظهر القرار وكأنه يطالب المواطنين بحقوق المحافظة دون أن تقدم الأخيرة واجباتها بحسب ما ورد في عقد الاستثمار.

فقد تفاجأ أهالي مدينة حمص بتطبيق قرار المواقف المأجورة في عدد من الشوارع المركزية في المدينة، برسوم تبلغ 20 ليرة سورية للساعة، وسط حديث عن إكراميات إضافية للعاملين على تنظيم هذه المواقف.

بين تنظيم المواقف وزيادة الأعباء

قرار تحويل المواقف في عدد من شوارع وساحات وسط حمص إلى مواقف مأجورة قوبل بردود فعل مختلفة من قبل المواطنين وأصحاب السيارات والسرافيس، فبرأي المؤيدين للقرار، يحتاج مركز المدينة إلى مثل هذا القرار بسبب انتشار السيارات المصطفة بطرق عشوائية، بينما يبقى بعضها لساعات طويلة في المكان نفسه، وهذا التصرف يزيد من الازدحام، ويحرم الآخرين من الاستفادة من الموقف.

والأسباب السابقة تشرّع وجود قرار المواقف المأجورة لكونها وسيلة لتنظيم استخدام المواقف المتوفرة، لكن بشرط أن تكون جزءاً من خطة واضحة، وأن يشعر المواطن بأن الرسوم التي يدفعها تقابلها خدمة حقيقية.

من المؤكد أن الأسباب السابقة محقة، لكن ماذا عن سيارات أصحاب المحال في الشوارع المفروضة فيها الرسوم؟ في الوقت الذي يرى فيه المؤيدون للقرار خلاصاً من عشوائية السيارات المصفوفة، يرى آخرون أنه قرار يظلمهم، فأصحاب المحلات في الشوارع المطبق فيها القرار سيضطرون لركن سياراتهم بشوارع بعيدة حتى يتجنبوا الرسوم المفروضة.

ومع ظهور هذه المشكلة، بدأت سلبيات القرار تتضح أكثر. فمثلاً، لا يراعي أعمال الناس مثل أصحاب المحلات، أو من يريد التوقف لدقائق لشراء غرض بسيط، وبذلك يكون تطبيق نظام موحد من دون مراعاة طبيعة الاستخدام قد يجعل الرسوم عبئاً إضافياً بدلاً من أن تكون أداة لتنظيم المدينة.

المواطن لا يعترض على التنظيم.. لكنه يريد أن يعرف المقابل

على الرغم من الحالة الاقتصادية السيئة التي تجعل 20 ليرة سورية مبلغاً مؤثراً على معيشة المواطن، غير أنه لم يعتبرها ذات أهمية كبيرة عند مقارنتها بطريقة تطبيق القرار.

فإذا كان الهدف تنظيم المواقف، فمن الطبيعي أن تكون هناك خطوط واضحة تحدد أماكن الوقوف، ولوحات تعريفية تبين الرسوم وآلية الدفع، وتنظيم لدخول السيارات وخروجها، بحيث لا يتحول الموقف نفسه إلى مصدر جديد للازدحام.

فالكثير من سائقي سيارات الأجرة يرون أن فكرة المواقف المأجورة منطقية، لكن عندما تكون منظمة، فيمكن مثلاً استخدام أجهزة إلكترونية تسجل مدة الوقوف وتصدر إيصالاً يوضح وقت الدخول والخروج، بدلاً من الاعتماد على الأساليب الورقية التي قد تكون أقل دقة. في المقابل، يجب مراعاة سائقي وسائل النقل العامة الذين يحتاجون للتوقف المتكرر.

أما بالنسبة لأصحاب المحلات في الشوارع المشمولة بالقرار، فيمكن حل المشكلة عبر توفير اشتراك شهري. بينما ستكون البلدية مطالبة برؤية أثر هذه العوائد على الخدمات الأساسية في المدينة.

اقرأ أيضاً: صناعيون في حلب.. تحسن في بعض الخدمات لكن كلفة الإنتاج ما تزال تعرقل التعافي

ماذا يقول عقد الاستثمار عن الخدمات المطلوبة؟

كل ما ورد في السابق عبارة عن جدل بين قبول القرار وعدم قبوله. لكن ما لا يعرفه المواطنون في حمص أن القرار بدأ من نهايته، وليس من بدايته. فبحسب الشروط المشار إليها في عقد الاستثمار لهذه المواقف، يجب على الجهة المستثمرة أن تقدم مجموعة من الأعمال والخدمات المرتبطة بتأهيل المواقع المشمولة بالقرار وتنظيمها.

ومن أبرز هذه الالتزامات إجراء أعمال التأهيل اللازمة للمواقع، بما يشمل إصلاح الحفر، وترميم طبقة الإسفلت، وإصلاح الأرصفة والإنارة. ومن المفروض أن تجعل هذه الأعمال من المكان ملائماً لاستخدامه كموقف منظم، وليس مجرد مساحة يُحصّل بدل الوقوف عليها.

كما يتضمن العقد تركيب كاميرات مراقبة في الساحات بهدف حماية المواقع والمساعدة في ضبط حالات السرقة، وهو أمر يرتبط مباشرة بأمان المواطنين وسياراتهم، خصوصاً أن المواطن عندما يترك سيارته في موقف مأجور يتوقع مستوى مناسباً من التنظيم والحماية.

وتشمل الالتزامات أيضاً تنظيم مداخل المواقف ومخارجها باستخدام الدهان المروري الحراري الفوسفوري، إلى جانب العواكس الأرضية، وتحديد أبعاد أماكن الوقوف بنحو 2.5 × 5 أمتار، بما يساعد على تنظيم حركة السيارات ومنع الوقوف العشوائي والاختناقات، بالإضافة إلى صيانة جميع إشارات المرور في مدينة حمص والحفاظ على جاهزيتها الفنية طوال فترة الاستثمار.

الالتزامات السابقة للجهة المستثمرة جعلت من القرار وكأنه تحصيل أموال من المواطنين مقابل تقديم خدمة رديئة. وهذا الأمر بالذات جعل من القرار موضع جدل بالنسبة للكثيرين.

في النهاية، الهدف من مناقشة قرار المواقف المأجورة ليس إلغاءه، بل على العكس، يجب تطبيقه لأنه يخفف الازدحام وينظم حركة المرور في شوارع معروفة بازدحامها، لكن المطلوب هو الالتزام بتنفيذ النظام الجديد من قبل كل الأطراف، فطالما سيلتزم المواطنون بدفع أجرة موقف سياراتهم، لماذا لا تقوم الجهة المستثمرة بواجباتها المنصوص عليها بعقد الاستثمار؟

اقرأ أيضاً: مدرسة دمشقية ينقذها خريجوها.. المجتمع يمول ما عجزت عنه سنوات الحرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى