سياسة

بانياس يعبر الأطلسي: أول شحنات وقود تمرّ عبر سوريا إلى الولايات المتحدة

أحمد علي

ثلاث ناقلات حملت نحو 1.42 مليون برميل من زيت الوقود في بانياس بين حزيران وتموز 2026، ووضعت المرفأ السوري للمرة الأولى على مسار شحنات متجهة إلى ساحل الخليج الأميركي. هل يعني ذلك أن سوريا بدأت تصدير وقودها إلى الولايات المتحدة؟ المعلومات المنشورة تحدد صورة مختلفة. tالحمولة عراقية المنشأ، وصلت براً في الصهاريج، ثم جرى تخزينها وتحميلها بحراً من بانياس، بينما اقتصر الدور السوري على العبور وإعادة التصدير.

حتى 23 تموز لم تكن الشحنات الثلاث قد وصلت كاملة إلى وجهتها. كانت الناقلة «أون باشن» On Passion قد غادرت بانياس في 17 حزيران وعلى متنها نحو 716,600 برميل، وفرغت قرابة 487,600 برميل في جزر البهاما منتصف تموز، فيما كان متوقعاً أن تفرغ الكمية المتبقية، وهي نحو 229 ألف برميل، في تكساس قبل نهاية الشهر. أما «نيسوس كريستينا» Nissos Christina، التي حملت 288,500 برميل، فكان وصولها إلى الساحل الأميركي مقرراً مطلع آب، وتبعتها «غرين ووريور» Green Warrior بنحو 414,400 برميل، مع موعد متوقع في الأسبوع الثالث من آب.

دخل بانياس بذلك سلسلة الإمداد الموجهة إلى السوق الأميركية، لكن الواقعة لا تثبت وجود تصدير نفطي سوري أو عقد شراء مباشر بين واشنطن ودمشق. وتكشف أن الممر الذي بدأ حلاً طارئاً للعراق بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، اتسع خلال أشهر قليلة من أسواق المتوسط وأفريقيا إلى أميركا الشمالية.

شحنات وقود تمرّ عبر سوريا

بدأ المسار عملياً مطلع نيسان، عندما دخلت أول قافلة عراقية من معبر الوليد ـ التنف باتجاه بانياس. ضمت القافلة 299 صهريجاً، ووصف مسؤول في الشركة السورية للبترول المرحلة آنذاك بأنها تجريبية تسبق العقود الطويلة إذا نجحت العملية. وقدرت الشركة تدفق زيت الوقود العراقي بنحو 500 ألف طن متري شهرياً، بينما أظهرت وثائق شركة تسويق النفط العراقية «سومو» SOMO عقوداً بنحو 650 ألف طن شهرياً بين نيسان وحزيران.

بدأ تحميل أول ناقلة في 15 نيسان. كانت «أساهي برنسيس» ASAHI PRINCESS تحمل قرابة 85 ألف طن، في أول عملية من نوعها عبر مصب بانياس منذ 8 كانون الأول 2024 وفق تقرير محلي. وسجلت سوريا خلال تلك الفترة شحنة خام منفصلة من ميناء طرطوس في أيلول 2025، بلغت 600 ألف برميل وكانت أول صادراتها الرسمية المعروفة من النفط السوري خلال 14 عاماً. وبعد أسابيع صار مصب بانياس يحمل ناقلة كل سبعة إلى عشرة أيام، ووصلت قدرته المعلنة على تفريغ الصهاريج إلى متوسط يقترب من 900 صهريج يومياً.

تغيرت الوجهات أيضاً. خرج زيت الوقود العراقي من بانياس إلى مصر وإسبانيا قبل أن تظهر الشحنات المرتبطة بالولايات المتحدة. وكانت السوق الأميركية قد توقفت عن استيراد زيت الوقود العراقي مباشرة منذ آذار، وفق بيانات شركة «كبلر» Kpler، ثم فتحت الإمدادات المارة عبر سوريا منفذاً آخر لسد جزء من النقص الذي خلفه تعطل التدفقات من الخليج.

عائد غير معلن

تقدم الشركة السورية للبترول المسار بوصفه مورداً لرسوم الترانزيت والعملات الأجنبية. وتؤكد مصادر عراقية أن سوريا تتقاضى رسوماً من المشترين والوسطاء، لا من «سومو» مباشرة. غير أن قيمة الرسوم وطريقة تحصيلها لم تنشرا، كما لا توجد بيانات معلنة تبين حصة الخزينة أو كلفة تشغيل المرفأ وصيانة الطرق المستخدمة. لذلك لا يمكن حساب العائد الصافي على الاقتصاد السوري من أحجام الشحن وحدها.

هناك فرق اقتصادي بين تشغيل ممر عبور وبين إنتاج الوقود أو تكريره. زيت الوقود العراقي لا يدخل عمليات التكرير في مصفاة بانياس، بل تفرغه الصهاريج في منصة بحرية متصلة بخزانات تقع شمال المصفاة، ثم يضخ إلى الناقلات المنتظرة. تنشط هذه الحركة المرفأ وخدمات النقل والتخزين، لكن المصادر المنشورة لا تقدم أرقاماً عن فرص العمل السورية التي خلقتها أو قيمة العقود المحلية المرتبطة بها.

الأثر على السوق الداخلية غير واضح أيضاً. قالت الشركة السورية للبترول في نيسان إن سوريا تستطيع شراء جزء من الوقود العراقي إذا كان السعر منافساً، من دون أن تعلن لاحقاً حصول مشتريات من الكميات العابرة. مرور مئات الصهاريج يومياً لا يعني تلقائياً زيادة المعروض المحلي، ولا تثبت البيانات المتاحة أن هذا المسار خفف نقص الوقود داخل البلاد.

مسار تحت الضغط

يفسر وضع العراق سرعة التوسع. كان العراق يصدر نحو 3.6 ملايين برميل يومياً قبل أزمة الملاحة، يمر قرابة 3.4 ملايين منها عبر موانئ البصرة الجنوبية. وحين تعطلت حركة مضيق هرمز تراكم زيت الوقود في المخازن، فأصبح النقل البري الأعلى كلفة خياراً عملياً لاستمرار التصدير. أعيد فتح معبر ربيعة مع سوريا في 20 نيسان بعد إغلاق تجاوز عشر سنوات لتخفيف الضغط عن معبر الوليد وتوسيع قدرة القوافل.

تكشف المقارنة مع السنوات السابقة حجم المسار وحدوده. صدّر العراق مستوى قياسياً بلغ 18 مليون طن من زيت الوقود في 2024، أي نحو 1.5 مليون طن شهرياً، وبقيت بيانات 2025 المتاحة قريبة من مستويات أواخر 2024. تعادل عقود العبور عبر سوريا البالغة 650 ألف طن شهرياً نحو 43 في المئة من ذلك المتوسط الشهري، لكنها تمثل كميات متعاقداً عليها لا دليلاً على أن الحجم كله عبر بانياس فعلياً.

ترافق التوسع مع كلفة ظاهرة على الطريق. رصد مراسلو «رويترز» طوابير صهاريج تجاوز طولها 30 كيلومتراً قرب المرفأ، وتسبب تصادم صهريجين قرب حمص في حزيران بتسرب آلاف الليترات. كما أوقف محتجون صهاريج في شمال شرقي سوريا اعتراضاً على ارتفاع أسعار الوقود وتدهور الظروف المعيشية. هذه الوقائع تسجل توتراً محلياً حول القوافل، لكنها لا تثبت وحدها أن الترانزيت تسبب في ارتفاع الأسعار.

تخطط بغداد لتصدير النفط الخام والنافتا عبر سوريا، وقد جرى تجهيز مرافق في بانياس لهذه الغاية، إلا أن شحن المنتجين لم يبدأ حتى 23 تموز. وتبحث دمشق أيضاً في إعادة تأهيل خط الأنابيب المتضرر بين العراق وسوريا، الذي تقدر طاقته بنحو 300 ألف برميل يومياً. الانتقال إلى الأنابيب يمكن أن يخفض ضغط الصهاريج على الطرق، لكنه يحتاج إلى تمويل وأمن واتفاقات تشغيل لم تعلن تفاصيلها.

الحدث يعيد بانياس إلى خريطة تجارة الطاقة بوصفه ممراً عراقياً يصل إلى أسواق بعيدة. تقييم أثره على سوريا يحتاج إلى نشر عقود الرسوم، وحساب كلفة الطرق والسلامة، وبيان ما سيعاد استثماره من الإيرادات في المرفأ والبنية التحتية. حتى تتوافر هذه المعلومات، يمكن إثبات نجاح عملية العبور، ولا يمكن تقدير المكسب السوري بدقة.

اقرأ أيضاً: معرض سيربترو 2026: ماذا تعني مشاركة شركات من 24 دولة لقطاع الطاقة السوري؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى