سياسة

باريس على خط مفاوضات قسد ودمشق: ما سرّ الدور المفاجئ؟!

الكاتب: أحمد علي

في أحد قصور باريس العتيقة، تتهادى أعلام فرنسا وسوريا جنباً إلى جنب على وقع مفاوضات غير مسبوقة؛ مفاوضات تجمع بين حكومة دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد أعوام من القطيعة والعداء. سقطت سلطة بشار الأسد، وتبدّلت موازين القوى في دمشق مع تولّي أحمد الشرع زمام الرئاسة. وفي خضم التحولات الدراماتيكية، برزت باريس كلاعب دبلوماسي مفاجئ، تسلط أضواءها على المشهد السوري المضطرب. لم يكن دخول فرنسا على خط الأزمة تقليدياً أو متوقعاً؛ إذ لطالما ارتبط الدور الفرنسي تاريخياً بسوريا عبر إرث الانتداب ومواقف سياسية متباينة من الصراع. لكن ما إن وضعت الحرب أوزارها الأولى بسقوط النظام السابق، حتى ظهرت فرنسا كوسيط طموح يسعى لرأب الصدع بين دمشق والأكراد، واضعة خبرتها الدبلوماسية وثقلها الدولي في كفة ميزان التسوية السورية الجديدة. فكيف أصبحت باريس راعية لـمفاوضات قسد ودمشق؟ ولماذا اختارت الدخول على هذا الخط الملتهب الآن؟

مفاوضات قسد ودمشق برعاية فرنسية: تحول مفاجئ بعد سقوط الأسد

مع بداية حقبة ما بعد الأسد، وجد اللاعبون الإقليميون والدوليون أنفسهم أمام واقع سياسي جديد في دمشق. أحمد الشرع، الذي صعد إلى سدة الرئاسة في ظل ظروف استثنائية، فتح الباب لترتيبات داخلية تسعى إلى توحيد البلاد بعد حرب أهلية طويلة. في العاشر من آذار 2025، وقّع الشرع وقائد قوات قسد الجنرال مظلوم عبدي اتفاقاً تاريخياً بعدة بنود أصبح يعرفها الجميع، ورسم ملامح المرحلة الانتقالية.

كانت تلك البنود بمثابة خريطة طريق لسوريا الجديدة، لكنها بقيت حبراً على ورق بانتظار التفعيل على الأرض. ورغم الرمزية العالية لاتفاق الشرع–عبدي، سرعان ما برزت عقبات وعراقيل أمام تنفيذ ما اتُفق عليه. هنا جاءت المبادرة الفرنسية كنسمة هواء سياسي جديدة؛ إذ قررت باريس استثمار هذا الاتفاق والدفع باتجاه تحويله إلى واقع ملموس. ولعل المفارقة أن مفاوضات قسد ودمشق برعاية فرنسية شكّلت مفاجأة للمراقبين، إذ لم تكن فرنسا تقليدياً أبرز الفاعلين في الملف السوري مقارنة بروسيا أو تركيا أو حتى الولايات المتحدة. فما الذي دفع فرنسا إلى الواجهة الآن؟

من دمشق إلى باريس: محطات تفاوض برعاية فرنسية

في الأسابيع التي تلت سقوط الأسد، بدأت خطوات خجولة على طريق الحوار بين دمشق وقسد بوساطات دولية. كانت الجولة الأولى في دمشق بتاريخ 9 تموز 2025، حيث حضر وفد عن الإدارة الذاتية الكردية إلى العاصمة للقاء مسؤولين من الحكومة الانتقالية. شارك في ذلك الاجتماع التأسيسي وزراء الخارجية والدفاع والداخلية ورئيس المخابرات العامة من جانب دمشق، وقادة بارزون من جانب قسد والإدارة الذاتية. والأهم أن ممثلين دوليين كانوا في الغرفة: مبعوث الولايات المتحدة نيكولاس غرينجر ومبعوث فرنسا فرانسوا غيوم. برعاية هؤلاء وبدفع منهم، اتفق الطرفان مبدئياً على إجراءات لبناء الثقة، منها الإعداد لاجتماع عسكري عالي المستوى بين وزارة الدفاع السورية وقيادة قسد لبحث آليات دمج القوات، وكذلك الشروع في إدارة مشتركة للمعابر الحدودية وعودة مؤسسات الدولة للخدمة في مناطق الإدارة الذاتية، وتأمين عودة المهجّرين إلى مناطقهم ولا سيما أبناء عفرين ورأس العين وتل أبيض.

غير أن الجولة الأولى، رغم ما حملته من وعود، تعثّرت في تفاصيل تنفيذية وبسبب إرث عقود من انعدام الثقة. أدرك الوسطاء الغربيون – وفي مقدمتهم فرنسا – ضرورة تصحيح مسار التفاوض قبل فوات الأوان. لذا عُقد اجتماع ثانٍ بعد أيام قليلة في العاصمة الأردنية عمّان يوم 19 تموز 2025. هناك اجتمع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الجنرال مظلوم عبدي في لقاء غير معلن على مستوى عال. أضفى هذا الاجتماع زخماً إيجابياً على العملية السياسية، ووُصف بأنه نجح في “تصويب المسار التفاوضي بعد تعثر الجولة الأولى”. خلال لقاء عمّان تم التوافق على خطوات عملية، كان أبرزها: عقد اجتماع عسكري مشترك بين قيادة قسد ووزارة الدفاع السورية، وإعادة تفعيل الخدمات الحكومية في مناطق الإدارة الذاتية، والإشراف المشترك على المعابر، فضلاً عن إعطاء أولوية لإعادة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية.

توجت هذه التحضيرات بالدعوة إلى اجتماع ثالث رفيع المستوى في باريس. العاصمة الفرنسية احتضنت يوم الجمعة 25 تموز 2025 لقاءً كان مخططاً له أن يكون الأبرز والأرفع ضمن هذه السلسلة. ترأّس وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وفد دمشق، فيما مثّل الإدارة الذاتية وفد يضم مظلوم عبدي (القائد العام لقسد) وإلهام أحمد (رئيسة هيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية) وفوزة يوسف (رئيسة وفد التفاوض وعضوة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية). وحضر اللقاء مبعوث واشنطن توم باراك إلى جانب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، ما عكس جدية دولية في رعاية الحوار السوري – الكردي. ووصفت مصادر كردية مطلعة هذه الخطوة الدبلوماسية بأنها محاولة “جادة” لدفع تنفيذ اتفاق 10 آذار الموقع بين الشرع وعبدي، والرامي إلى تنظيم العلاقة بين الدولة السورية ومناطق الإدارة الذاتية شمال شرق البلاد ضمن إطار وطني واحد.

بيد أن الرياح لم تجر تماماً كما اشتهت سفينة باريس؛ إذ تزامن موعد الاجتماع مع توترات ميدانية مفاجئة جنوب البلاد، خصوصاً في محافظة السويداء. اندلعت هناك اضطرابات أمنية خطيرة هزّت البلاد وكشفت هشاشة الوضع الأمني فيها. التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن – والذي يتابع عن كثب مسار دمج قسد – أوصل رسالة عاجلة مفادها أن “التسرع في عقد الاجتماع قد لا يخدم مسار التفاوض” في تلك اللحظة. وبحسب مصادر كردية شاركت في التحضير، جاء طلب تأجيل اجتماع باريس من جهة غربية إثر تدهور الوضع في السويداء وعجز الحكومة السورية عن ضبط الأوضاع.

هكذا تأجلت الجولة المنتظرة في باريس لبضعة أيام، ما أثار لغطاً وشائعات حول احتمال إلغائها كلياً. إلا أن مصدراً دبلوماسياً في الخارجية الفرنسية سارع إلى النفي مؤكداً أنه “لا إلغاء ولا تأجيل جديد” للمفاوضات المرتقبة في باريس، وأن باريس ماضية في ترتيباتها للجلسة الأولى بحضور مسؤولين بارزين من كلا الطرفين. وأوضح المصدر الفرنسي أن الرئاسة الفرنسية بنفسها معنية بالإشراف على هذه المفاوضات جنباً إلى جنب مع الخارجية السورية، حتى أن الإليزيه أبدى الاستعداد لاستضافة وفد قسد رفيع المستوى بقيادة مظلوم عبدي إذا تطلّب الأمر. وبالفعل، قبيل اجتماع باريس بأيام، أجرى عبدي مباحثات مباشرة مع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لترتيب التفاصيل. كل ذلك دلّ على جدية باريس وتصميمها غير المسبوق على لعب دور عرّاب الاتفاق بين دمشق والإدارة الذاتية.

مؤتمر “للأكراد” ولمّ شمل الصف الداخلي

لم يقتصر الدور الفرنسي على جمع وفد دمشق ووفد قسد على طاولة تفاوض واحدة، بل سعت باريس أيضاً إلى تنسيق المواقف داخل الصف الكردي نفسه. فكما هو معلوم، المشهد السياسي الكردي في سوريا متنوع ويعاني انقسامات بين تيارات موالية لأطراف مختلفة. برزت الحاجة إلى توحيد كلمة الأكراد وضمان تمثيل صوتهم بوفد مشترك ورؤية موحدة خلال الحوار مع دمشق. على هذه الخلفية، دعمت فرنسا عقد لقاءات تحضيرية على المستوى الكردي–الكردي، يمكن وصفها مجازاً بـ “مؤتمر داخلي” للتباحث بشأن المطالب والأولويات. استخدمت باريس رصيد علاقاتها التاريخية مع قيادات الإدارة الذاتية، مستفيدة من دعمها السابق لقوات قسد في معاركها ضد تنظيم داعش، لحث مختلف المكونات الكردية – السياسية والعسكرية – على رص الصفوف. وبالفعل، نجحت المساعي الفرنسية في جمع أطراف كردية متباعدة إلى طاولة واحدة قبل التوجه إلى المفاوضات الرسمية، الأمر الذي أسهم في الخروج برؤية تفاوضية أكثر واقعية وتقدماً تراعي هواجس دمشق وطمأنة أنقرة في آن معاً.

هذا التنسيق المسبق أعطى انطباعاً إيجابياً لدى الجانب الحكومي السوري بأن وفد قسد لديه تفويض وتمثيل حقيقي لمناطق شمال شرق سوريا، وليس مجرد فصيل واحد يتفاوض بمعزل عن بقية القوى الكردية. كما أظهر للدول المعنية – كتركيا والولايات المتحدة – أن الحوار يحظى بقاعدة دعم شعبية واسعة لدى كامل قوات قسد، ما يسهل قبول مخرجاته مستقبلاً.

لماذا دخلت فرنسا على خط مفاوضات قسد ودمشق وما مصلحتها؟

أثار الحضور الفرنسي المفاجئ في تفاصيل مفاوضات قسد ودمشق تساؤلات عديدة حول الدوافع والخلفيات. فمن الواضح أن باريس لم تتحرك من فراغ أو بدافع إنساني صرف، بل هناك مصالح إستراتيجية تحركها لرعاية التفاهم بين دمشق والإدارة الذاتية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا.

أول ما يجدر ذكره هو العلاقة الوطيدة التي نسجتها فرنسا مع المكوّن الكردي السوري خلال سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش». كانت باريس ضمن التحالف الدولي الداعم لقسد، وقدمت لها الدعم السياسي واللوجستي في معارك تحرير الرقة ودير الزور. هذا التعاون جعل جميع التيارات في قسد ينظرون بثقة إلى الدور الفرنسي، ويرون فيه شريكاً دولياً أكثر تعاطفاً مع تطلعاتهم مقارنة بواشنطن المتقلبة أو موسكو التي كانت تدعم النظام في وقتها.

من جهة فرنسا، شكّلت قسد قوة حليفة على الأرض ساهمت في دحر الإرهاب، وبالتالي ترى باريس من واجبها الأخلاقي والسياسي ضمان عدم تهميشهم في سوريا الجديدة. لقد سبق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن استقبل شخصيات من الإدارة الذاتية في الإليزيه إبّان الحرب، وأعرب مراراً عن تفهمه لهواجسهم الأمنية والثقافية. وعندما سنحت الفرصة أخيراً لدمج قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، حرصت فرنسا أن تكون في مقدمة الداعمين، كي لا يُترك حلفاؤها السابقون يواجهون مصيراً غامضاً.

إلى جانب ذلك، لدى فرنسا رؤية خاصة لمستقبل سوريا تختلف في بعض جوانبها عن الرؤية الأمريكية. فباريس -وفق المعلن- تُولي أهمية لوحدة الأراضي السورية ومنع تقسيمها بحكم الأمر الواقع، لكنها في الوقت نفسه تؤمن بضرورة الحكم اللامركزي الذي يضمن حقوق مختلف المكوّنات. والدور الفرنسي في المفاوضات يهدف إلى إيجاد صيغة توفيقية تحفظ سيادة الدولة السورية وفي الوقت عينه تعترف بخصوصية الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة. لهذا السبب تضغط فرنسا باتجاه اتفاق يدمج قسد سياسياً وعسكرياً في هيكل الدولة ولكن مع الاحتفاظ بهامش من الخصوصية خلال المرحلة الانتقالية. هذا التوجه ينسجم مع قيم الجمهورية الفرنسية الداعمة لحقوق الأقليات وضمان تمثيلهم العادل – وهي قيم تجسّدت في المادة الأولى من اتفاق 10 آذار التي تنادي بمشاركة الجميع في حكم البلاد دون إقصاء.

ولا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي لمصلحة فرنسا في هذا المسار. فباريس تجد في دخولها على خط التسوية السورية فرصة لاستعادة نفوذها التقليدي في المشرق العربي. فبعد سنوات من تهميش الدور الأوروبي في الملف السوري لصالح روسيا وإيران وتركيا، جاءت اللحظة المواتية لباريس كي تعود لاعباً رئيسياً. عبر بوابة الوساطة بين دمشق والأكراد، تستطيع فرنسا تعزيز حضورها شرق المتوسط وإعادة وصل ما انقطع من خيوط العلاقات مع سوريا، البلد الذي كان يوماً تحت انتدابها. وما تأكيد ماكرون المتكرر على سيادة سوريا ووحدة أراضيها إلا رسالة بأن فرنسا مستعدة للمساهمة في إعادة بناء الدولة السورية ضمن منظومة دولية شرعية، مقابل تقليص نفوذ خصومها (خاصة تركيا وإيران).

كما أن باريس من خلال هذا الدور تبعث برسالة لحلفائها الأمريكيين بأنها شريك يمكن الاعتماد عليه في الملفات المعقدة، وأن الأوروبيين قادرون على المبادرة لا مجرد التبعية للقرار الأمريكي. وقد تمثّل ذلك في البيان الثلاثي المشترك الذي صدر عن باريس وواشنطن ودمشق دعماً لإطلاق المفاوضات، مما يعكس تنسيقاً فرنسياً–أمريكياً غير معتاد في الشأن السوري.

أما على صعيد محاربة الإرهاب، فلدى فرنسا دوافع أمنية مباشرة. فاستقرار سوريا وسحب فتيل التوتر بين جيشها وقسد يصبّ في مصلحة تكريس الجهود لمحاربة التنظيمات الإرهابية. وقد أشاد ماكرون خلال اتصاله الأخير بالرئيس أحمد الشرع بالتزام الأخير دعم مسار مكافحة الإرهاب، معرباً عن استعداد باريس لمواصلة التعاون الأمني مع دمشق.

الثقل الأكبر: فرنسا مقابل تركيا

وأخيراً، لا بد من التطرق إلى علاقة فرنسا بتركيا فيما يخص الشأن الكردي. فلطالما شهدت الساحة السورية تنافساً خفياً بين باريس وأنقرة؛ الأولى تتعاطف تاريخياً مع طموحات الأكراد، والثانية تعتبر قسد امتداداً لخصمها حزب العمال الكردستاني.

تدخل فرنسا كلاعب رئيس في ترتيب التسوية السورية يمنحها ورقة للتفاوض والتوازن مع النفوذ التركي. ومن الملاحظ أن تركيا بدورها تراقب عن كثب ما يجري: فقد أرسلت أنقرة وفداً حكومياً رفيعاً لحضور اجتماع باريس – وإن بشكل غير مباشر من خلف الزجاج – لمتابعة مجريات التفاوض دون المشاركة مباشرة.

هذا الحضور التركي من وراء الكواليس يؤكد أن جميع الأطراف الإقليمية معنيّة بمخرجات الحوار برعاية باريس. ولعل الفرنسيين أرادوا طمأنة تركيا بأن دمج قسد في الجيش السوري سيزيل ذريعة وجود كيان مسلح خارج الدولة على حدودها. لكن بالمقابل، لا تخفي باريس رغبتها في قصقصة أظافر أنقرة فيما تعتبره الأخيرة مجالاً حيوياً لها. إنها لعبة توازن دقيقة: فرنسا تساعد في إعادة السلطة المركزية إلى شمال سوريا – وهو مطلب تركي – وفي الوقت ذاته تحجز مقعداً لنفسها في رسم مستقبل تلك المنطقة بما يصون مصالح الأكراد.

باختصار، تدخلت فرنسا لأنها المستفيد الخفي من رعاية مفاوضات قسد ودمشق: فهي تعزز نفوذها الدولي بالتقدم للواجهة مع الرغبة الأمريكية المعلنة بالانسحاب، وتحمي حلفاءها الأكراد، وتدعم استقراراً في سوريا يضمن أمن أوروبا، وتنافس تركيا وروسيا على قيادة دفة الحل، وتظهر بمظهر صانع السلام القادر على جمع الأضداد. إنها مصالح سياسية وأمنية واقتصادية تلاقت جميعها عند هذه اللحظة التاريخية.

تحديات أمام الوساطة الفرنسية وآفاق المستقبل

على الرغم من الزخم الإيجابي الذي وفرته الوساطة الفرنسية، فإن طريق مفاوضات قسد ودمشق لا يخلو من العقبات. صحيح أن التصريحات العلنية من كلا الطرفين باتت أكثر مرونة ولطفاً (باستثناء مستجدات مؤتمر وحدة الموقف الذي انعقد يوم أمس)، لكن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة تحت السطح.

فقوات سوريا الديمقراطية وإن أبدت استعدادها للاندماج في الجيش السوري، إلا أنها ترفض بشكل قاطع تسليم سلاحها دفعة واحدة للدولة أو التفكير بحل نفسها قبل ضمان الاتفاق النهائي. وقد أكد المتحدث باسم قسد، أبجر داود، أن مسألة نزع سلاح مقاتلي قسد في الوقت الراهن “مستحيلة”، نافياً صحة ما تردد عن تلقي قسد مهلة زمنية محددة للاندماج. هذا الموقف من قسد مفهوم في سياق تاريخي شهد الكثير من النكث بالعهود، لكنه في الوقت نفسه يُعد مصدر قلق لحكومة دمشق وحلفائها. فأنقرة مثلاً سارعت إلى اتهام قسد بعدم الالتزام بالاتفاق المبدئي مع الحكومة حول الانضمام لمؤسسات الدولة، في تلميح إلى أن أصحاب الثقل في قسد ربما يناورون لكسب الوقت دون نية حقيقية للتخلي عن قوتهم العسكرية. كذلك هناك أصوات داخل المؤسسة العسكرية السورية تتحفظ على دمج قوة كبيرة مدربة ومؤدلجة خارج عقيدة الجيش التقليدية، خشية أن تتحول مستقبلاً لـ “جيش داخل الجيش” إذا لم تُحسن إدارة الأمر.

في المقابل، لدى الإدارة الذاتية مخاوفها الوجودية أيضاً. فهي تطالب بضمانات دستورية صلبة قبل أن تخطو أي خطوة نهائية. يريد الأكراد التأكد من أن وعود منحهم حقوق المواطنة الكاملة والاعتراف بخصوصية هويتهم ستكون جزءاً من دستور سوريا الجديد، وليست مجرد مراسيم مؤقتة قابلة للإلغاء. كما يصرون على الإبقاء على شيء من اللامركزية الإدارية التي تمتعوا بها طيلة سنوات الفراغ السياسي، كتطمين لمجتمعهم بأن تضحيات الحرب ضد داعش ستترجم إلى مكاسب سياسية حقيقية. هذه النقاط الشائكة وغيرها تستلزم مفاوضات طويلة وربما تنازلات متبادلة مؤلمة قبل الوصول إلى خط النهاية. وربما هذا ما قصده رئيس بعثة مجلس سوريا الديمقراطية في واشنطن، بسام إسحاق، حين قال إن عملية الاندماج “لا يمكن أن تتم بشكل متسرّع أو عبر إجراءات شكلية”، بل تتطلب مساراً طويلاً يقوم على بناء الثقة تدريجياً وردم الفجوات السياسية والعسكرية. إنه تذكير واقعي بأن ما يجري الآن هو مجرد بداية طريق قد يطول، وأن رعاية باريس وواشنطن للعملية لا تعني ضمان نجاحها بين ليلة وضحاها.

مع ذلك، هناك العديد من المؤشرات الإيجابية التي تبعث على التفاؤل الحذر. فقد أكد ماكرون في اتصاله مع الشرع على ضرورة إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الجارية بين الحكومة وقسد، معتبراً أن الاستقرار في سوريا يتطلب “حواراً هادئاً وتعاوناً بنّاءً بين جميع الأطراف”. وثمّن الرئيس الفرنسي الخطوات الأولية التي تحققت في باريس – حيث يقال إنه تم التوصل إلى تفاهمات مبدئية خلال محادثات غير معلنة هناك – داعياً إلى البناء عليها عبر إطلاق حوار وطني شامل يوحّد السوريين بمختلف مكوناتهم. كما أشاد بوقف إطلاق النار الذي تحقق مؤخراً في السويداء معتبراً إياه مؤشراً إيجابياً، مما يوحي بأن تهدئة الجنوب كانت شرطاً ضرورياً للمضي قدماً في مصالحة الشمال الشرقي.

من جانبها، دمشق تدرك أن استعادة سيادتها الكاملة على الأرض السورية لن تتم إلا عبر استيعاب مناطق الإدارة الذاتية سلمياً وليس بالحل العسكري المستحيل. لذلك نرى الخطاب الرسمي للحكومة الانتقالية – وإن تضمن بعض الانتقادات لقسد – يتجنب التصعيد المباشر ما قبل مؤتمر وحدة الصف الذي ربما سيشكل منعطفاً خطيراً في الحوار بين الجانبين. فمدير إدارة الشؤون الأمريكية في الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، اعترف بعدم إحراز تقدم حتى الآن في تنفيذ اتفاق 10 آذار، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الدولة السورية ما زالت تتمسك بتحكيم العقل للوصول إلى حل وتطبيق الاتفاق. كما وصف اللقاء المرتقب في باريس بأنه استكمال لجولة مفاوضات تهدف لتحقيق اندماج كامل لقسد ضمن الدولة، مؤكّداً أن الولايات المتحدة وفرنسا تؤمنان بضرورة المضي في الإجراءات الكفيلة بحفظ وحدة سوريا. هذه اللغة الإيجابية من مسؤول سوري تعكس إلى حد كبير اقتناع دمشق بجدوى المسار الدبلوماسي الذي ترعاه باريس وواشنطن، على عكس نهج العناد والتعطيل الذي اتبعه النظام السابق لسنوات. لكن يجب الإشارة هنا إلى أن دمشق أعلنت اليوم السبت 9 آب 2025 عدم مشاركتها في أي اجتماعات مقررة في باريس كرد فعل منها على مؤتمر «وحدة الموقف» الذي تم برعاية قسد.

في المحصلة، التفاؤل بوصول الطرفين السوريين إلى حل في المنظور القريب أصبح حذراً الآن مع التطورات الجديدة، إن كان الوسيط فرنسيّاً أو غير ذلك، فهل ستعود عقارب الساعة إلى الوراء، ويفتح الباب مجدداً لصراعات قادمة قد لا تبقي ولا تذر بعد أن حدث تقدم جزئي، ووقعت اتفاقات أولية كانت بمثابة إعلان نوايا؟!

الأيام والتطورات القادمة ستحسم، على أمل أن يكون الوسيط الباريسي وبغض النظر عن الموقف منه هو كلمة السر التي طال انتظارها لوصل ما انقطع بين السوريين.

اقرأ أيضاً: بين التهدئة والتصعيد: اتفاق 10 آذار بين الحكومة السوري وقسد على المحك

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى