بئران تنهيان سنوات العطش.. كيف استعادت أحياء في حماة حقها في المياه؟

بقلم: ريم ريّا
لا تقاس قيمة مشاريع المياه بعدد الآبار المحفورة أو المضخات المُستصلحة، بل بعدد المنازل التي تعود إلى حياتها الطبيعية. في حماة، مثّل إعادة تشغيل بئرين في حيّي القصور والكرامة، بعد سنوات من المعاناة من انقطاعات المياه المتكررة، والاعتماد على صهاريج المياه الخاصة، وساعات الانتظار الطويلة لوصول المياه إلى خزاناتهم، تحسّناً طال انتظاره في الخدمات. ورغم أن المشروع لا يحلّ تماماً التحديات التي تواجه قطاع المياه، إلا أنه يُمثّل خطوة عملية أعادت الأمل إلى ما يقارب 25 ألف شخص، وأثبت أن معالجة أوجه القصور الفنية يمكن أن تحدث فرقاً حقيقياً في حياة مجتمع بأكمله.
لماذا تعاني المنطقة من أزمة مياه؟
لم تكن المشكلة مجرّد نقص في موارد المياه، بل مزيجاً من عوامل فنية وخدمية تراكمت على مر السنين. أدى تعطل المضخات الغاطسة في الآبار، وقدم المعدات، والكثافة السكانية العالية، وارتفاع موقع الحيين، إلى صعوبة إيصال المياه إلى الطوابق العليا. كما ساهم تقنين الكهرباء في تفاقم الأزمة، إذ يعتمد ضخ المياه بشكل مباشر على توفر الكهرباء، مما جعل توصيل المياه غير منتظم، وأحياناً يقتصر على ساعات متأخرة من الليل.
قبل إعادة تشغيل البئرين، لم يكن أمام العديد من السكان خيار سوى شراء المياه من صهاريج خاصة، وهو ما شكل عبئاً ثقيلاً على العائلات، خاصة مع ارتفاع الأسعار والحاجة إلى توصيل المياه بشكل متكرر. لجأت بعض العائلات إلى تركيب أنظمة الطاقة الشمسية ومضخات منزلية لتلبية احتياجاتها الأساسية، بينما عانت العائلات التي تسكن في الطوابق العليا أكثر من غيرها، إذ لم تكن المياه تصل إليهم إلا في ظروف نادرة جداً.
اقرأ أيضاً: أكثر من 200 حالة تسمم في مصياف.. والمياه ليست السبب!
ما الذي تغير مع تشغيل البئرين في حماة؟
تبلغ الطاقة الإنتاجية للبئرين حوالي 60 متراً مكعباً في الساعة، مما يسمح لهما بتوفير المياه اللازمة لآلاف العائلات وتحسين ضغط المياه في الشبكة، لا سيما في المناطق المرتفعة التي عانت سابقًا من نقص المياه.
هذا يعني تقليل الاعتماد على صهاريج المياه، وتحسين انتظام إمدادات المياه، ورفع مستوى جودة الحياة اليومية، فضلًا عن تخفيف العبء المالي على السكان الذين كانوا ينفقون جزءًا من دخلهم الشهري على مياه الشرب. كما يسهم توفير المياه بشكل منتظم في تحسين الصحة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بتخزين المياه لفترات طويلة، واستقرار الحياة اليومية في المنازل والمدارس ومراكز الخدمات.
يتفق سكان المنطقتين على أن الوضع قد تحسن بشكل ملحوظ منذ إعادة فتح البئرين، ويؤكدون أن لديهم الآن كميات مياه أكبر مما كانت عليه في الأشهر السابقة.
مع ذلك، يصاحب هذا التحسن مخاوف من احتمال عودة الأزمة، لا سيما مع استمرار اعتماد الشبكة على معدات قديمة تتطلب صيانة دورية، فضلاً عن تأثير انقطاع التيار الكهربائي على عمليات الضخ.
يعتقد العديد من السكان أن النجاح الحقيقي للمشروع لن يقاس بالتحسينات المؤقتة، بل بقدرة الجهات المعنية على ضمان استمرارية الخدمة وتحديث الشبكات والمضخات تدريجياً.
مشاريع المياه… استثمار في الاستقرار الاجتماعي
تؤكد تجربة المدن السورية أن مشاريع المياه ليست مجرد خدمات فنية، بل أدوات لتحسين الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فكل ساعة إضافية تصل فيها المياه إلى المنازل تعني وقتاً أقل يُهدر في البحث عنها، وتكلفة أقل على الأسر، وفرصاً أكبر لممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي.
كما أن تحسين خدمات المياه له أثر إيجابي على الصحة العامة والتعليم والنشاط الاقتصادي، مما يمنح السكان، وخاصة في الأحياء التي عانت طويلاً من نقص الخدمات الأساسية، شعوراً أكبر بالأمان والاستقرار.
يبرز إعادة تشغيل بئرين في منطقتي القصور والكرامة أهمية التدخلات الفنية السريعة في معالجة أزمات المياه. ومع ذلك، يسلط هذا الإنجاز الضوء أيضاً على الحاجة إلى خطط طويلة الأجل لتحديث البنية التحتية للمياه، وتأمين المعدات وقطع الغيار، ورفع مستوى جاهزية فرق الصيانة.
لا تقتصر استدامة خدمة المياه على إصلاح الأعطال فحسب، بل تتطلب أيضاً استثماراً مستمراً في الشبكات والأنظمة التي تضمن وصول المياه إلى كل منزل دون انقطاع. ينبغي أن يكون هذا الإنجاز بدايةً لتحسينات أوسع نطاقاً، لا مجرد حل مؤقت لأزمة مستمرة منذ سنوات.









