انهيار مبانٍ في الأشرفية.. ما الحل لتجاوز الانهيارات وإنقاذ الأرواح؟

الكاتب: أحمد علي
ليس سقوط بناء سكني في مدينة مثل حلب خبراً عابراً يمكن طيه مع نهاية يوم الأخبار، لأن الحجارة هنا لا تنهار وحدها، بل تكشف طبقات ثقيلة من الإهمال والضرر المتراكم وضغط العيش الذي يدفع عائلات كثيرة إلى البقاء داخل مبانٍ تعرف أنها متعبة، لكنها لا تملك بديلاً آمناً عنها. لذلك بدا مشهد الأشرفية في السادس من آذار الجاري 2026 أكبر من حادث موضعي، وأقرب إلى إنذار جديد يذكّر بأن ملف السلامة الإنشائية في المدينة لم يعد يحتمل التأجيل، وأن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا وقع الانهيار فقط، بل كيف يمكن منع الانهيار التالي قبل أن يبتلع مزيداً من الأرواح.
انهيار مبانٍ في الأشرفية
بدأت القصة بانهيار بناء سكني مؤلف من خمسة طوابق في حي الأشرفية بحلب، فيما أعلنت المصادر الرسمية أن فرق الدفاع المدني باشرت عمليات البحث والإنقاذ مع معلومات أولية عن وجود نحو عشرة أشخاص تحت الأنقاض، بينهم عائلة من سبعة أفراد. ثم أفادت التحديثات اللاحقة بانتشال جثماني رجل وامرأة من الموقع، مع استمرار العمل تحت ظروف معقدة بسبب تضرر مبنى مجاور وإخلاء الأبنية القريبة احترازياً.
بهذا المعنى، فإن حادثة انهيار مبانٍ في الأشرفية لم تكن مجرد انهيار لكتلة إسمنتية، بل تحولت خلال ساعات إلى اختبار لقدرة الاستجابة السريعة، ولجاهزية المدينة في التعامل مع مبانٍ يُخشى أن تكون على الحافة نفسها. القراءة الأهدأ للحادث تقول إن قيمة الخبر لا تقف عند عدد الضحايا أو حجم الدمار المباشر، بل في كونه كشف مرة أخرى أن الخطر قد يكون قائماً في أكثر من عنوان سكني داخل المدينة، وأن أي تأخير في الفحص والتدعيم والإخلاء المنظم قد يجعل الكلفة الإنسانية أعلى بكثير من كلفة التدخل المبكر.
جذور الخطر الصامت
حين يُطرح سؤال السبب، لا تبدو الإجابة بسيطة أو أحادية. حلب تحمل منذ سنوات آثار القصف والاشتباكات والتصدعات القديمة، ثم جاءت هزة شباط 2023 لتضيف حملاً قاسياً على الكتلة العمرانية المتعبة أصلاً. وتظهر تقديرات البنك الدولي أن محافظة حلب كانت الأكثر تضرراً من زلزال 2023، كما أنها من بين المناطق الأشد تضرراً على مستوى سوريا في التقييم الأوسع للأضرار المتراكمة حتى نهاية 2024.
هذه الخلفية تفسر لماذا لم يعد الخلل الإنشائي مسألة تقنية معزولة، بل نتيجة مباشرة لتراكم الحرب، وتضرر البنية التحتية، وتسربات المياه والصرف، والعودة إلى أبنية لم تخضع دائماً لتقييم هندسي عميق. ويضاف إلى ذلك أن الأشرفية نفسها خرجت قبل أسابيع فقط من ظروف أمنية صعبة وأضرار طالت الشبكات والخدمات، ما يعني أن أي حديث عن السلامة الإنشائية لا يمكن فصله عن البيئة المحيطة بالمبنى، من أرضية وخدمات ومياه وكهرباء وحركة عودة السكان. لذلك فإن جذور الانهيار تبدأ من الخرسانة، لكنها لا تنتهي عندها.
بين السلامة وحق السكن
المعضلة الأكثر حساسية في حلب اليوم أن التحذير من الأبنية الخطرة لا يكفي وحده، لأن العائلات التي تسكن هذه المباني لا تتخذ قرار البقاء غالباً بدافع الاستهتار، بل تحت ضغط الحاجة وغلاء البدائل وضيق الخيارات.
وقد حذرت منظمة العفو الدولية في وقت سابق من أن بعض إجراءات السلامة بعد الزلزال اعتمدت أحياناً على تقييمات بصرية غير كافية، ومن أن قرارات الإخلاء أو الهدم قد تتحول إلى مصدر جديد للهشاشة إذا لم تُرفق ببدائل سكنية وتعويضات وآليات اعتراض واضحة.
وهذه الملاحظة مهمة لأنها تمنع المقاربة السهلة التي تختزل الحل في الهدم السريع أو في إخلاء واسع لا يراعي الواقع الاجتماعي. فالمدينة لا تحتاج فقط إلى لجنة تقول إن المبنى خطر، بل إلى منظومة كاملة تشرح للناس درجة الخطر، وتمنحهم وقتاً معقولاً، وتوفر لهم انتقالاً آمناً، ثم تضمن أن القرار الهندسي قابل للمراجعة وموثق بصورة شفافة. من دون ذلك، قد يتحول الخوف من التشرد إلى سبب مباشر لبقاء السكان داخل مبانٍ مهددة، وهو ما يجعل الكارثة مؤجلة لا أكثر.
إنقاذ الأرواح أولاً
الاستجابة العاجلة بعد حادثة الأشرفية يجب أن تبدأ من محيط الانهيار لا من ركامه فقط. أي خطة مسؤولة تحتاج إلى مسح هندسي سريع للأبنية المتجاورة، وتوسيع نطاق العزل المؤقت عند الاشتباه بوجود تصدعات ثانوية، وتأمين إيواء قريب للعائلات التي تُخرج من منازلها حتى لا تعود إليها بدافع القلق على الممتلكات أو العجز عن دفع الإيجار.
وبقدر أهمية الآليات الثقيلة وفرق البحث، تبرز أهمية وجود قاعدة بيانات محدثة للمباني المهددة، تُصنف درجات الخطر وتربطها بقرار واضح، هل يحتاج المبنى إلى تدعيم عاجل، أم إلى إخلاء فوري، أم إلى هدم منظم بعد توثيق الملكيات.
كما أن التواصل العلني مع السكان عنصر حاسم، لأن الصمت الإداري يفتح الباب للشائعات والتردد، بينما تمنح الخرائط المنشورة وخطوط البلاغات السريعة السكان فرصة للإبلاغ عن التشققات والميول وتسربات المياه قبل الوصول إلى لحظة انهيار مبانٍ في الأشرفية أو في أي حي آخر. الإنقاذ الحقيقي لا يبدأ عندما تصل الحفارات، بل عندما تصل المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب.
من الإسعاف إلى الوقاية
الحل المستدام في حلب لن يكون أمنياً فقط، ولا إنشائياً فقط، بل مساراً حضرياً متكاملاً يجمع بين الفحص والتمويل والحوكمة وحقوق السكان. تقارير ومشاريع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية تشير إلى اتجاه عملي يمكن البناء عليه، يقوم على خفض مخاطر الكوارث على مستوى الأحياء، وإشراك المجتمع المحلي، وتوثيق حقوق السكن والملكية، وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الهشة. هذه المقاربة مفيدة لأن المبنى لا يعيش منفصلاً عن شارعه وشبكته وخارطة ملكيته.
وإذا كانت بعض الجهات الرسمية قد بدأت في مطلع هذا العام بإصلاح شبكات الكهرباء وإعادة الخدمات في الأشرفية ومحيطها، فإن المرحلة التالية يجب أن تذهب أبعد من الترميم السريع إلى مسح شامل، ونشر نتائج الفحوص، ومنع أي ترميم غير مرخص، وإشراك نقابة المهندسين والجامعات والبلديات في مراجعة الأبنية الأشد خطراً.
كذلك فإن أي سياسة جادة تحتاج إلى صندوق دعم يخفف عن الأسر كلفة الإخلاء المؤقت والتدعيم والترميم، لأن تحميل الناس وحدهم عبء النجاة وصفة مضمونة لإعادة إنتاج الخطر. في المحصلة، لا يكمن الجواب عن انهيار مبانٍ في الأشرفية في قرار واحد، بل في سلسلة قرارات مترابطة تعترف بأن حماية الأرواح تبدأ من الإدارة الرشيدة بقدر ما تبدأ من الإسمنت والحديد. وحين تصبح الوقاية سياسة يومية لا استجابة موسمية، يمكن لحلب أن تتحرك من منطق النجاة بعد الكارثة إلى منطق منع الكارثة قبل وقوعها.
اقرأ أيضاً: تركيا في أحداث حلب: هدفاً أم فاعلاً في الاستهداف؟









