المجتمع السوري

انقطاعات متكررة للإنترنت تثير تساؤلات حول واقع الاتصالات

بقلم هلا يوسف

عاد الحديث بقوة خلال الفترة الأخيرة عن جودة الاتصالات في عدد من المحافظات السورية بعد تراجع الخدمة وظهور انقطاعات متكررة، مما فتح الباب أمام تساؤلات كثيرة: ما الذي يحدث فعلاً داخل الشبكة؟ وهل المشكلة طارئة أم أن جذورها أعمق من ذلك؟

فقد شهدت محافظات حمص وحماة وحلب وطرطوس خلال الفترة الماضية تراجعاً ملحوظاً في جودة خدمات الاتصالات والإنترنت، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بين المشتركين حول أسباب هذه المشكلات المتكررة.

وفي توضيح رسمي أعلنت شركة سيريتل أن السبب الرئيسي يعود إلى تعرض الكابلات الضوئية التابعة للشركة السورية للاتصالات لعمليات تخريب واعتداء خارجي على محور دمشق حمص فجر يوم 29 أيار. وأدى هذا الحادث إلى انقطاع عدد من مسارات الربط الأساسية والسعات المؤجرة التي تعتمد عليها الشركة في تشغيل خدماتها.

وبحسب الشركة، فإن الانقطاع أثر بشكل مباشر على خدمات الاتصالات في المحافظات الأربع، وكانت المنطقة الوسطى الأكثر تضرراً نتيجة اعتمادها بشكل أكبر على المسارات المتأثرة. أما في المناطق الشمالية والساحلية، فقد ساعدت مسارات الحماية البديلة في تخفيف آثار الانقطاع ومنع توقف الخدمات بشكل كامل.

وسارعت الفرق الفنية التابعة للشركة السورية للاتصالات إلى إصلاح الكابلات المتضررة، بالتوازي مع أعمال الصيانة التي نفذتها كوادر سيريتل، مما سمح بإعادة الخدمة تدريجياً اعتباراً من مساء 30 أيار.

هذه الحادثة لم تكن مجرد عطل فني عابر، بل كشفت حجم التحديات التي تواجهها شبكة الاتصالات السورية، ومدى تأثر الخدمات بأي ضرر يصيب البنية التحتية الأساسية، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى شبكات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأعطال والطوارئ.

وقد أصدرت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات توجيهات واضحة للشركات المشغلة بضرورة إعلام المشتركين فور حدوث أي انقطاع أو مشكلة فنية، سواء من خلال البيانات الإعلامية أو الرسائل النصية القصيرة، مع توضيح أسباب الانقطاع والمدة الزمنية المتوقعة لإعادة الخدمة. كما قدم وزير الاتصالات عبد السلام هيكل اعتذاراً للمشتركين المتضررين، مؤكداً أن الوزارة تعمل على معالجة أوجه القصور وتحسين آليات الاستجابة للأعطال.

ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الإنترنت

إلى جانب الأعطال الفنية، تواجه شبكة الاتصالات تحدياً آخر يتمثل في الارتفاع المستمر في حجم استخدام الإنترنت. فبحسب وزير الاتصالات عبد السلام هيكل، ارتفع استخدام الإنترنت في سوريا بنسبة 35% خلال الربع الأخير فقط، بينما ازدادت السعة الكلية للشبكة بأكثر من 200%.

ورغم أن هذه الزيادة تعكس توسع استخدام الخدمات الرقمية بين المواطنين، فإنها في الوقت نفسه تفرض ضغوطاً كبيرة على البنية التحتية الحالية التي تعتمد في أجزاء واسعة منها على شبكات نحاسية قديمة لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات العصر الرقمي.

ويؤكد خبراء الاتصالات أن الشبكات النحاسية كانت مناسبة في فترات سابقة عندما كان استخدام الإنترنت محدوداً ويقتصر على تصفح المواقع والبريد الإلكتروني، أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الاستخدام بشكل جذري مع انتشار التعليم الإلكتروني والعمل عن بعد ومنصات الفيديو والخدمات السحابية والتطبيقات الذكية، الأمر الذي يتطلب شبكات حديثة تعتمد على الألياف الضوئية وتقنيات نقل البيانات المتطورة.

وأشار هيكل إلى أن الإنترنت لم يعد خدمة ترفيهية أو رفاهية إضافية، بل أصبح جزءاً أساسياً من حياة الأفراد والمؤسسات، ويرتبط بشكل مباشر بالتعليم والاقتصاد والخدمات الحكومية والتحول الرقمي، وهو ما يجعل تحسينه أولوية وطنية خلال المرحلة المقبلة.

مشاريع استراتيجية لإعادة بناء قطاع الاتصالات

انطلاقاً من هذه التحديات، أعلنت وزارة الاتصالات عن مجموعة من المشاريع التي تهدف إلى إعادة بناء القطاع من جذوره وليس الاكتفاء بالحلول المؤقتة.

ومن أبرز هذه المشاريع مشروع شبكة العمود الفقري للاتصالات (Backbone)، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء شبكة وطنية حديثة لنقل البيانات بين مختلف المدن والمحافظات بسرعات عالية وكفاءة أكبر. وتعد شبكات العمود الفقري بمثابة الشريان الرئيسي الذي تعتمد عليه خدمات الإنترنت والاتصالات، ولذلك فإن تطويرها يشكل خطوة أساسية لتحسين جودة الخدمة بشكل عام.

كما كشف الوزير عن مشروع “سيلك لينك”، الذي من المتوقع توقيع عقده النهائي خلال فترة قصيرة. ويهدف هذا المشروع إلى تعزيز موقع سوريا كممر إقليمي لحركة الاتصالات الدولية من خلال ربط مسارات الكابلات القادمة من البحر المتوسط مع دول الجوار مثل الأردن والسعودية، الأمر الذي يمكن أن يمنح سوريا دوراً مهماً في حركة تبادل البيانات الإقليمية.

أما على مستوى المستخدمين، فتعمل الوزارة على تنفيذ مشروع “برق”، الذي يستهدف إيصال الألياف الضوئية إلى المنازل والمكاتب. وتُعد تقنية الألياف الضوئية من أحدث التقنيات المستخدمة عالمياً في نقل البيانات، إذ توفر سرعات أعلى واستقراراً أكبر مقارنة بخدمات ADSL المعتمدة على الكابلات النحاسية.

وترى الوزارة أن نجاح هذا المشروع سيساهم في تحسين تجربة المستخدم بشكل كبير، كما سيدعم انتشار الخدمات الرقمية الحديثة والتطبيقات التي تحتاج إلى سرعات اتصال مرتفعة.

تعزيز المنافسة والانفتاح على التقنيات الحديثة

ضمن خطة تطوير السوق، أعلن وزير الاتصالات أن الأشهر المقبلة ستشهد دخول شركة تشغيل جديدة إلى السوق السورية بعد إزالة العقبات القانونية والتنظيمية التي كانت تعيق ذلك.

ويؤكد خبراء القطاع أن زيادة عدد المشغلين تؤدي عادة إلى رفع مستوى المنافسة بين الشركات، ما يدفعها إلى تحسين جودة خدماتها وتوسيع التغطية وتقديم عروض وأسعار أكثر تنافسية للمشتركين.

كما تعمل الوزارة على تطوير دور الهيئة الناظمة للاتصالات وتعزيز الرقابة على السوق، إضافة إلى دراسة إنشاء مجلس استشاري يضم ممثلين عن المواطنين للمشاركة في تقييم جودة الخدمات والأسعار والباقات المقدمة.

وفي إطار مواكبة التطورات العالمية، أكد الوزير أن تقنية الجيل الخامس (5G) أصبحت جزءاً من خطط التطوير المستقبلية، وأن المشغل الجديد سيكون ملزماً بالاستثمار في هذه التقنية. ومن المتوقع أن تسهم شبكات الجيل الخامس في تحسين سرعات الإنترنت ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والخدمات الرقمية المتقدمة.

التحول الرقمي والأمن السيبراني

لا تقتصر خطط الوزارة على تطوير الشبكات فقط، بل تشمل أيضاً دعم عملية التحول الرقمي وتعزيز الأمن السيبراني. فقد أشار الوزير إلى وجود مشروع وطني يهدف إلى حماية المعلومات والأنظمة الرقمية في ظل تزايد التهديدات والهجمات الإلكترونية التي تستهدف المؤسسات والشبكات حول العالم.

كما أعلنت الوزارة عن العمل لإعادة إتاحة عدد من تطبيقات وخدمات التواصل العالمية بشكل تدريجي ضمن مبادرة “Unblock Syria”، بهدف إزالة العوائق التي تحد من وصول المستخدمين إلى الخدمات الرقمية الدولية.

وفي سياق متصل، يجري العمل على إعادة هيكلة مؤسسة البريد السورية التي تمتلك نحو 400 فرع في مختلف المناطق، بهدف تحويلها إلى منصة لوجستية متكاملة تدعم التجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية، بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

في النهاية، يبقى الأهم بالنسبة للمواطن هو أن يشعر بتحسن حقيقي في الخدمة، لا أن يسمع فقط عن خطط ومشاريع. فالاتصال السريع والمستقر لم يعد رفاهية، بل حاجة يومية لا يمكن الاستغناء عنها في العمل والدراسة والحياة.

اقرأ أيضاً: سرقة كابلات الإنترنت في ريف دمشق تحرم آلاف السكان من الخدمة

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى