انفتاح اقتصادي متسارع بين سوريا وتركيا: مصالح مشتركة في جهود إعادة الإعمار

تبذل الحكومة السورية والقطاع الخاص قصارى الجهود لدعم الاستثمار في سوريا بعد مرحلة إسقاط النظام السابق، وذلك من خلال جذب الشراكات الإقليمية والدولية التي تساعد في إعادة الإعمار، وفي هذا الإطار، شهدت حلب يوم أمس الأربعاء 25 حزيران، حدثاً اقتصادياً مهماً ولكنه ليس الأول من نوعه.
فقد استقبلت غرفة تجارة حلب وفداً رفيع المستوى من جمعية رجال الأعمال لأجل سوريا والصناعيين المستقلين الأتراك التركية (MÜSİAD)، إلى جانب مجموعة من رجال الأعمال السوريين المقيمين في تركيا، بهدف آفاق التعاون الاستثماري والاقتصادي بين سوريا وتركيا، خاصة في مجالات إعادة الإعمار ومشاريع البنية التحتية، حيث تشارك الجميع الرؤى والأفكار لبناء مستقبل أفضل.
تعدّ جمعية “موسياد” من أبرز التجمعات الاقتصادية المستقلة في تركيا، تضم آلاف الشركات من القطاعات المختلفة، ولها دور مهم في ربط المستثمرين الأتراك بفرص الأسواق الإقليمية.
وترأس يونس أكجين Yunus Akgen -رئيس فرع جمعية “موسياد” في ولاية ملاطية – الوفد الاقتصادي الذي ضمّ ممثلين عن 15 شركة ناشطة في مجالات متنوعة مثل البنية التحتية، الطاقة الكهربائية، تحويل النفايات إلى طاقة، الإعمار، ومكاتب دراسات، إضافة إلى ممثلين عن شركات تعمل في المقاولات والإكسسوارات الإنشائية.
الحضور المميز شهد كذلك أوغوز كوركماز Oğuz Korkmaz، الممثل التجاري في القنصلية التركية بحلب، نقيب الأطباء في حلب ورئيس الجمعية في سوريا محمود مصطفى، وغزوان المصري ممثل “موسياد” في سوريا.
وشهد اللقاء نقاشات غنية تمحورت حول واقع البيئة الاستثمارية في سوريا، كما تم التركيز على التشريعات الجديدة وسبل تطويرها، واتفق الجانبان على أهمية تبسيط الإجراءات القانونية وخلق مناخ جاذب وآمن للاستثمار يشجع المستثمرين على الدخول بثقة في مشاريع إعادة الإعمار.
أمين سر غرفة تجارة حلب، زين العابدين قاظان، استعرض حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في حلب، مؤكداً التزام الغرفة الكامل بتسهيل عمل المستثمرين، وتوفير كل ما يلزم من معلومات وإجابات عن استفساراتهم بشأن الفرص المتاحة.
من جانبه، شدد نائب رئيس مجلس الغرفة، حسين عيسى، على عمق العلاقات الأخوية بين الشعبين السوري والتركي، لافتاً إلى أن التعاون الاقتصادي هو أحد أهم الركائز لدعم هذه الروابط التي ستسهم بفعالية في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي نحو التعافي والنمو، وأضاف أن حلب، بتجربتها الاقتصادية الغنية، تفتح أبوابها لكل المبادرات التنموية الجادة.
واعتبر رئيس الوفد التركي، يونس أكجين، هذه الزيارة فرصة واعدة لتعزيز الشراكة بين الشركات السورية والتركية، خاصة في مشاريع إعادة الإعمار، ووجّه دعوة رسمية لوفد من رجال الأعمال السوريين لزيارة ملاطية للاطلاع على التجربة التركية في مجالات التنمية والبناء.
بدوره، أكد أوغوز كوركماز، أن الهدف من الزيارة هو فهم واقع الاستثمار على الأرض عن كثب، وكشف عن توجه القنصلية لافتتاح مكتب خاص لتسهيل منح التأشيرات لرجال الأعمال لتسهيل إجراءات التنقل بشكل أكبر.
اقرأ أيضاً: كيف سيعيد معبر البوكمال إحياء الروابط الاقتصادية بين سوريا والعراق؟
وفي سياقٍ متصل بالحراك الاستثماري المتزايد بين سوريا وتركيا، استقبلت ولاية قهرمان مرعش جنوبي تركيا، الثلاثاء الماضي، قمة اقتصادية بعنوان “قهرمان مرعش – سوريا: للتعاون الاقتصادي والاستثمار الإقليمي”، وذلك بتنظيم من غرفة التجارة والصناعة في الولاية.
وشهدت القمة مشاركة واسعة من ممثلي غرف التجارة والصناعة من عدة مدن سورية، منها دمشق وحلب وإدلب، الذين اجتمعوا لتبادل الأفكار والنقاش حول سبل تعزيز الشراكات الإقليمية، وفرص توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، مؤكدين على أهمية العمل المشترك لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز المنافع الاقتصادية المتبادلة بين البلدين.
وفي الافتتاح، وجه رئيس غرفة تجارة وصناعة قهرمان مرعش، مصطفى بولونطو Mustafa Bolonto، رسائل مهمة تعبّر عن رؤية واضحة لمستقبل مشترك، وقال في كلمته:
“نعمل بكل عزم على النهوض بمدننا اقتصادياً، وستكون ثقافة الصناعة العريقة في قهرمان مرعش، إلى جانب الإرادة القوية والعمل الدؤوب، ركيزة أساسية في بناء شراكة مثمرة مع سوريا”.
ومن الجانب السوري، أكد رئيس غرفة تجارة حلب، محمد سعيد شيخ الكار، أن الجهود تتجه نحو خلق منظومة تعتمد على بناء علاقات قوية مع دول الجوار لتعزيز التجارة والاقتصاد والصناعة في سوريا، مشدداً على أهمية جمع رجال الأعمال من قهرمان مرعش وسوريا لتعزيز التجارة بين البلدين.
وطرح شيخ الكار مبادرة طموحة لإنشاء شركات مشتركة بين حلب وقهرمان مرعش، خاصة في قطاع النسيج، معبّراً عن رغبتهم الحصول على الدعم في تنظيم برامج تدريبية متخصصة، من شأنها رفع كفاءة الكوادر العاملة في القطاع الصناعي السوري وقال:
“كدولتين شقيقتين، نسعى لرفع الاتفاقيات والشراكات التي أبرمناها في مجال التصدير والاستيراد إلى مستويات أعلى”.
وبعد كلمات الافتتاح، انطلقت جلسات حرة جمعت رجال الأعمال الأتراك والسوريين لعقد لقاءات جرى فيها تبادل الأفكار وبحث فرص الاستثمار.
اقرأ أيضاً: مشروع المنطقة الحرة في إدلب.. طموح اقتصادي جديد بعد عقود من التهميش
العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، شهدت العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا تحولات جذرية مهّدت لظهور طريق جديد لإعادة بناء الروابط الاقتصادية بين البلدين بعد سنوات من القطيعة والعزلة الدولية التي أغلقت أبواب التعاون المشترك.
وخلال الأشهر الأخيرة، تزايد النقاش حول فرص واعدة لتعزيز الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، من خلال خطة شاملة تضع في أولوياتها دعم جهود إعادة الإعمار وتنشيط حركة التبادل التجاري.
وتؤكد التطورات التي حدثت مؤخراً، مثل الحوارات الاقتصادية المكثفة، جدّية واضحة من الطرفين في دفع العلاقات التجارية بين سوريا وتركيا نحو مرحلة جديدة، وقد تجسّد هذا التوجّه في إعلان وزير التجارة التركي، عمر بولات Ömer Polat، عن خارطة طريق جديدة لتطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين.
إذ تم الاتفاق على خطوة أولية تتمثل في البدء بنقل الترانزيت عبر المعابر الجمركية إلى المحافظات الحدودية تمهيداً لإنهاء هذه الإجراءات لاحقاً، في إطار خطة لتيسير الحركة التجارية وتعزيز الربط اللوجستي.
وبحسب صحيفة تركية، فقد تم الاتفاق أيضاً على إطلاق مفاوضات بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، التي تهدف إلى بناء تكامل اقتصادي طويل الأمد يتجاوز مفهوم التجارة العابرة.
إلى جانب ذلك، تسير الخطط الاقتصادية التي وضعتها أنقرة بخطى واضحة تهدف إلى رفع حجم الصادرات إلى سوريا بشكل مستدام، مع توقعات بزيادة كبيرة في إجمالي حجم التجارة الثنائية، كلما تعمّقت الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وفي ذات السياق، كان مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي “DEIK” قد أعلن أن تركيا تخطط لرفع حجم التبادل التجاري مع سوريا.
وقال إبراهيم فؤاد أوزكوركجي İbrahim Fuad Özkürkçü، رئيس مجلس الأعمال التركي-السوري في “دييك”، في تصريح بداية العام الحالي، إن هدف تركيا على المدى القصير والمتوسط هو الوصول إلى 10 مليارات دولار من حجم المعاملات التجارية الثنائية، لافتاً إلى أن الخطة بدأت بالفعل، إذ ارتفع حجم التجارة من نحو 250-300 مليون دولار قبل عام 2011 إلى 2.5 مليار دولار في عام 2024.
وأفاد أوزكوركجي بأن تركيا تعدّ شريكاً طبيعياً لسوريا بحكم القرب الجغرافي والروابط الاقتصادية المتداخلة، مشيراً إلى أن الصادرات التركية إلى سوريا تتركز في الحديد والصلب والبلاستيك والأدوات المنزلية ووالمنتجات الغذائية مواد البناء، بينما تصدّر سوريا إلى تركيا القطن، وزيوت الزيتون وعباد الشمس.
كما أكد أوزكوركجي أن تركيا ستؤدي دوراً مهماً في جهود إعادة إعمار سوريا، لأن الموقع الجغرافي الإستراتيجي لمدن جنوب شرق تركيا يمنحها الأفضلية اللوجستية، ويجعل منها بوابة طبيعية لدخول الشركات والخبرات التركية إلى الداخل السوري.
جدير بالذكر أن العلاقات التجارية بين تركيا وسوريا شهدت مؤشرات انتعاش ملحوظة في عام 2025، إذ سجّلت الصادرات التركية إلى سوريا ارتفاعاً بنسبة 47% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، مقارنة بذات الفترة من 2024، متجاوزة حاجز المليار دولار، -وفقاً لتصريحات وزير التجارة التركي عمر بولات-.
ولكن رغم الأفق المفتوح أمام التعاون التركي – السوري إلا أن الطريق لا يخلو من التحديات، فالمشهد في سوريا لا يزال يواجه صعوبات أمنية وبنيوية عميقة خلفتها سنوات طويلة من الحرب، ما يتطلب مقاربات واقعية وحلولاً تدريجية للنهوض بالاقتصاد من جديد.
اقرأ أيضاً: الموانئ الجافة: نقطة انطلاق قوية لتعزيز الاقتصاد السوري









