المجتمع السوري

الأمن القانوني في سوريا.. ملايين المواطنين بين ضياع الهوية وحقوق الملكية

فخلف مشاهد العودة إلى المدن والبلدات وبإحصائية أعلنتها الجهات الرسمية مؤخراً تجاوزت المليون سوري عاد مؤخراً إلى البلاد ومع محاولات استعادة الحياة الطبيعية، تظهر إلى الواجهة أزمة صامتة يعيشها ملايين السوريين تتمثل في فقدان الوثائق المدنية وصعوبة إثبات الملكية، وهو ما يضع شرائح واسعة من المواطنين في دائرة من انعدام الأمن القانوني في سوريا مما يهدد حاضرهم ومستقبلهم على حد سواء.

أزمة تتجاوز الأوراق الرسمية إلى الحقوق الأساسية

قد يعتقد البعض أن فقدان وثيقة شخصية أمرٌ يمكن تجاوزه بشكل إداري في الظروف الطبيعية ولكن الواقع السوري يجعل من هذه المسألة تحدياً بالغ التعقيد، فالهويات الشخصية وشهادات الميلاد والوفاة والزواج والوثائق العقارية تشكل الأساس القانوني الذي يثبت وجود الفرد وحقوقه داخل الدولة.

ووفق تقرير حديث أصدره المجلس النرويجي للاجئين تبيّن أن ملايين السوريين يواجهون اليوم تحديات تتعلق بإثبات هوياتهم الشخصية أو ملكيتهم لمنازلهم وأراضيهم، وذلك نتيجة سنوات طويلة من النزوح وتلف السجلات وفقدان الوثائق وتعقيدات الإجراءات القانونية.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الآمال بإعادة الإعمار وتحسين الظروف المعيشية تبدو أزمة انعدام الأمن القانوني في سوريا واحدة من أكثر الملفات حساسية كونها ترتبط بشكل مباشر بحقوق الأفراد وقدرتهم على الوصول إلى الخدمات واستعادة ممتلكاتهم وإعادة بناء حياتهم.

لذلك عندما يفقد المواطن هذه الوثائق أو يصبح عاجزاً عن استخراجها يصبح أمام سلسلة من المشاكل المتداخلة التي تبدأ من صعوبة تسجيل الأطفال في المدارس أو الحصول على الرعاية الصحية ولا تنتهي عند تعقيدات العمل والتنقل والوصول إلى الخدمات الحكومية، كما أن غياب هذه الوثائق الرسمية ينعكس بشكل مباشر على قدرة الأفراد في الدفاع عن حقوقهم القانونية أمام المؤسسات أو المحاكم.

وخلال سنوات الحرب تعرضت الآلاف من العائلات السورية للتهجير، حيث أجبر العديد منهم على مغادرة المنازل بشكل مفاجئ مما أدى إلى فقدان الوثائق أو ضياعها تحت الردام، كما تعرضت بعض السجلات الرسمية للتلف أو الضياع نتيجة العمليات العسكرية أو الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الحكومية مما فاقم من تعقيد الإجراءات القانونية في العديد من المناطق.

انعدام الأمن القانوني عدو صامت

على الرغم من أن النقاشات العامة حول شؤون البلاد غالباً ما تهتم بالاقتصاد أو الأمن أو إعادة الإعمار إلا أن أزمة انعدام الأمن القانوني في سوريا تعتبر إحدى أخطر التحديات التي تواجه المجتمع السوري في المرحلة الحالية، فوجود ملايين الأشخاص ممن لا يمتلكون وثائق مكتملة أو إثباتات قانونية لحقوقهم يعني عملياً وجود شريحة واسعة من السكان في حالة من الهشاشة القانونية المستمرة.

وتزداد خطورة هذه الحالة عندما يتعلق الأمر بالأسر التي تسعى إلى العودة إلى مناطقها الأصلية بعد سنوات من النزوح أو اللجوء، فالكثير ممن عادوا اصطدموا بالواقع، حيث وجدوا أمامهم عقبات قانونية تتعلق بإثبات الهوية أو تسجيل الوقائع المدنية أو استعادة الممتلكات التي تركوها خلفهم.

ووفقاً للتقرير فإن الملايين من المواطنين يعيشون في حالة من انعدام الأمن القانوني في سوريا نتيجة نقص الوثائق المدنية وإثباتات الملكية، وأشار التقرير إلى أن 62% من الأسر التي شملها التقييم تفتقر إلى وثائق الهوية القانونية الكاملة لأحد أفرادها على الأقل، فيما هناك 60% من الأسر المالكة أو المستأجرة للعقارات لا تمتلك وثائق رسمية تثبت حقوقها السكنية مما يزيد من مخاطر النزاعات القانونية والإخلاء ويعقد من فرص الوصول إلى الخدمات الأساسية واستعادة الاستقرار.

عودة النازحين واللاجئين تصطدم بالعقبات القانونية

مؤخراً، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أن عدد السوريين العائدين طوعاً عبر المنافذ الحدودية تجاوز مليوناً و260 ألف مواطن، منذ كانون الأول 2024 وحتى نهاية أيار 2026، ولك أن تتخيل آمال هؤلاء السوريين باستعادة حياتهم الطبيعية، إلا أن الكثير منهم واجهوا واقعاً مختلفاً عما توقعوه وتأملوه، فإضافةً إلى التحديات الاقتصادية والخدمية ظهرت مشكلات قانونية معقدة تتعلق بالوثائق المدنية وإثبات الملكيات والوصول إلى السجلات الرسمية.

عدد كبير من العائدين يحتاجون إلى تسوية أوضاعهم القانونية قبل التمكن من الاندماج مجدداً في المجتمع المحلي، خاصة أن استعادة المنزل أو تسجيل الأطفال في الدوائر الحكومية أو الحصول على الخدمات العامة يتطلب جميعه وجود وثائق قانونية سليمة ومحدثة وهو ما لا يتوفر لدى نسبة كبيرة من الأسر.

وبالتالي لا يمكن فصل ملف العودة إلى الوطن بملف الأمن القانوني، وذلك لأن “نجاح العودة” لا يمكن قياسه فقط بعدد الأشخاص الذين يعودون إلى مناطقهم وإنما بقدرتهم على استعادة حقهم بالعيش بشكل مستقر وآمن.

نماذج دولية في فقدان الوثائق وإعادة الحقوق القانون

شهدت العديد من الدول تجارب مشابهة لسوريا بعد الحروب والنزاعات المسلحة، ففي العراق مثلاً واجهت البلاد بعد سنوات الحرب والنزوح تحديات تتعلق بفقدان الوثائق المدنية والسجلات العقارية، مما أدى إلى صعوبة إجراءات إثبات الهوية وحقوق الملكية لآلاف العائلات خاصة في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية واسعة أو موجات نزوح جماعي، ومع عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم ظهرت الحاجة إلى إعادة إصدار الوثائق الرسمية وتثبيت الملكيات وذلك رافقه ضياع أو تلف جزء كبير من السجلات الحكومية.

وبدعم منظمات دولية أطلقت السلطات العراقية برامج خاصة لتسهيل استعادة الوثائق وتقديم المساعدة القانونية باعتبار أن استعادة الهوية القانونية للمواطنين تمثل خطوة أساسية لإعادة الاستقرار المجتمعي وضمان عودة آمنة ومستدامة للسكان.

حلول مطلوبة لإنهاء معاناة الملايين

أوصى التقرير بعدة إجراءات تنهي معاناة عدد كبير من الأسر وذكر أن معالجة أزمة الوثائق المدنية وحقوق الملكية تتطلب خطوات عملية وعاجلة لتخفيف حالة انعدام الاستقرار القانوني التي يعيشها ملايين السوريين.

فمن الضروري تبسيط إجراءات استخراج الوثائق المدنية وتوحيد المتطلبات القانونية بين المؤسسات المعنية بشكل يسهل على المواطنين الحصول على الوثائق الأساسية اللازمة لإثبات الهوية والحقوق، بالإضافة إلى ضرورة خفض الرسوم القانونية المرتبطة بإصدار الوثائق وتسجيل الوقائع المدنية.

وفي هذا السياق، تبدو استعادة الأمن القانوني واحدة من أهم الخطوات المطلوبة لتعزيز الاستقرار المجتمعي والاقتصادي في البلاد، فبدون هوية مثبتة وحقوق ملكية واضحة سيبقى الملايين من السوريين عالقين في منطقة رمادية تضعهم ما بين الوجود الفعلي وبين الاعتراف القانوني وهي معادلة تهدد بخلق أزمات متجددة تعيق أي جهود بالتعافي وإعادة الإعمار ما لم تُتخذ إجراءات جذرية لاستخراج الوثائق بوصفها أساساً لأي استقرار.

اقرأ أيضاً: من الدمار إلى المحاكم: معركة السوريين لاستعادة عقاراتهم المنهوبة باسم القانون!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى