المجتمع السوري

امتحانات السويداء بين قرار النقل ومطالب البقاء… طلاب عالقون بين الطريق والمصير

بقلم هلا يوسف

لا تبدو الصورة في محافظة السويداء عادية كما في كل عام مع اقتراب موعد الامتحانات، إذ استمرت حالة الجدل منذ أسابيع دون حسم، بين قرار رسمي يقضي بإجراء امتحانات الشهادتين في دمشق وريفها، ومطالب محلية بإقامتها داخل المحافظة لتخفيف الأعباء عن الطلاب وضمان ظروف أكثر استقراراً لهم. ومع استمرار الخلاف وتباين المواقف، تحولت الامتحانات من حق تعليمي بحت إلى قضية يومية تمس كل بيت تقريباً في السويداء، حيث أصبحت الأسئلة المتعلقة بالأمان والتنقل والاعتراف بالشهادة لا تقل أهمية عن الأسئلة التي سترد في قاعة الامتحان نفسها.

الترتيبات الحكومية لنقل الطلاب إلى المراكز الامتحانية

مع تثبيت قرار إجراء الامتحانات خارج محافظة السويداء، أعلنت الجهات الرسمية عن مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى تسهيل وصول الطلاب إلى المراكز الامتحانية. وأوضح محافظ السويداء مصطفى البكور أن المحافظة عملت بالتنسيق مع شركات النقل وعدد من الجهات الداعمة لتأمين وسائل نقل جماعية للطلاب، إضافة إلى توفير أماكن إقامة مناسبة لهم خلال فترة الامتحانات.

وبين البكور أن الخطة لا تقتصر على تأمين الحافلات فقط، بل تشمل أيضاً توفير أماكن للمبيت والطعام والخدمات الأساسية للطلاب الذين سيقيمون في مناطق جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا طوال مدة الامتحانات. كما أطلقت المحافظة رابطاً إلكترونياً لتسجيل أسماء الطلاب الراغبين بالاستفادة من خدمات النقل والإقامة بهدف تنظيم العملية وتحديد الأعداد الفعلية للمشاركين.

وبحسب تصريحات المحافظ سجل مئات الطلاب بياناتهم عبر الرابط الإلكتروني، في حين انتقل أكثر من ألف طالب إلى دمشق بصورة فردية خلال الأيام السابقة للامتحانات واستقروا هناك استعداداً لتقديم الاختبارات.

وفي الجانب الأمني، أكد البكور أن المحافظة أجرت تنسيقاً مباشراً مع وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي لتأمين الطرق التي ستسلكها الحافلات. وأشار إلى وجود انتشار أمني على طول الطريق، بالإضافة إلى مرافقة أمنية للحافلات حتى وصول الطلاب إلى قاعات الامتحان. كما أوضح أن الجهات الرسمية رفعت جاهزيتها الأمنية بهدف طمأنة الأهالي الذين ما زالت لديهم مخاوف من التعرض لمخاطر أمنية أثناء التنقل.

وتحدث المحافظ أيضاً عن اجتماع جمع ممثلين عن وزارة الخارجية وقوى الأمن الداخلي مع وفد من الأمم المتحدة، حيث ناقش المشاركون آليات تعزيز شعور الطلاب بالأمان خلال تنقلهم إلى المراكز الامتحانية. كما طرح الوفد الأممي فكرة مرافقة الطلاب أثناء انتقالهم بهدف زيادة الثقة لدى الأهالي وتخفيف المخاوف المرتبطة بالسفر.

وفي الإطار القانوني، استندت الحكومة السورية إلى القرار رقم 1419 الصادر عن وزارة التربية في أيار 2025، والذي نص على إجراء امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بجميع فروعها الخاصة بأبناء محافظة السويداء في محافظتي دمشق وريف دمشق، مع التأكيد على التزام الوزارة بحماية حق الطلاب في التعليم وتوفير بيئة امتحانية آمنة وعادلة.

المطالب بإجراء الامتحانات داخل محافظة السويداء

على الرغم من الترتيبات الحكومية، استمرت المطالبات بإجراء الامتحانات داخل محافظة السويداء. ويعود ذلك إلى مخاوف عدد كبير من الأهالي والناشطين من الصعوبات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي قد تواجه الطلاب عند انتقالهم إلى مناطق أخرى.

وفي هذا السياق، أكد مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء قتيبة عزام، الالتزام بالقرار الرسمي الصادر عن وزارة التربية، إلا أن الجدل حول مكان إجراء الامتحانات استمر مع ازدياد الدعوات المحلية لإيجاد حلول بديلة تسمح بإجرائها داخل المحافظة.

ومن بين الأصوات المطالبة بذلك، المدرس وسام قاسم الذي أوضح أن موضوع الطلاب يمس جميع العائلات في السويداء، لأن هذه المرحلة الدراسية تعتبر نقطة مفصلية في مستقبلهم التعليمي. ويرى قاسم أن إجراء الامتحانات داخل المحافظة سيكون أكثر ملاءمة للطلاب، خاصة طلاب الصف التاسع، الذين قد يجدون صعوبة في السفر والتنقل إلى بيئة جديدة خلال فترة حساسة تتطلب التركيز والاستقرار النفسي.

وأشار قاسم إلى أن التنقل اليومي أو الإقامة خارج المحافظة قد يؤثران سلباً في التحصيل العلمي للطلاب، إذ سيضطر بعضهم إلى قضاء ساعات طويلة في الطريق، مما ينعكس على قدرتهم على التركيز والأداء الجيد أثناء الامتحانات. كما لفت إلى أن الظروف ليست متساوية بين جميع الطلاب، فبعضهم يملك أقارب في دمشق أو ريفها يمكنهم استضافتهم، بينما لا تتوفر هذه الإمكانية لآخرين.

ومن جانبها، أوضحت الناشطة الإنسانية ميساء العبد الله أن الجهود الرامية لإيجاد حل بديل ما تزال مستمرة منذ أكثر من شهر. وأشارت إلى أن أكثر من 13 ألف طالب قد يحتاجون إلى التنقل يومياً إلى المدارس في ريف دمشق، وهو رقم كبير يطرح تحديات لوجستية وأمنية معقدة.

وأضافت العبد الله أن الأهالي ما زالوا يشعرون بالقلق نتيجة الحوادث الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، ومنها حادثة خطف أربعة أشخاص مؤخراً. كما أكدت أن عدداً من العائلات يرفض إرسال أبنائه إلى خارج المحافظة خوفاً على سلامتهم، مشيرة إلى أن المدارس داخل السويداء جاهزة لاستقبال الامتحانات وأن هناك متطوعين وإمكانيات محلية تسمح بإجرائها تحت إشراف رسمي.

كما أعلن شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري رفضه نقل الامتحانات إلى دمشق وريفها. كما أكدت مديرية التربية والتعليم في السويداء أن ما يتم تداوله حول موافقته على النقل خارج المحافظة غير صحيح، مشددة على ضرورة الاعتماد على المصادر الرسمية في الحصول على المعلومات المتعلقة بالعملية الامتحانية.

انعكاسات الأزمة على الطلاب ومستقبلهم التعليمي

كان الطلاب الفئة الأكثر تأثراً بالأزمة، إذ تحولت اهتمامات كثير منهم من التركيز على الدراسة والتحضير للامتحانات إلى التفكير في ترتيبات السفر والإقامة والظروف المحيطة بالاختبارات.

وأوضح أحد طلاب السويداء أن معظمهم أصبحوا يقضون وقتهم في البحث عن معلومات تتعلق بالنقل والسكن وآليات الوصول إلى المراكز الامتحانية، بدلاً من استثمار هذا الوقت في مراجعة المواد الدراسية. كما أشار إلى تعرض بعض الطلاب لضغوط اجتماعية بسبب قراراتهم المتعلقة بالتوجه إلى دمشق أو البقاء داخل المحافظة.

وفي تقييمه للأزمة، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط أن التعليم يمثل أحد أهم مصادر القوة الاجتماعية والاقتصادية في السويداء، حيث اعتمد أبناء المحافظة تاريخياً على التحصيل العلمي لبناء مستقبلهم داخل سوريا وخارجها. وأكد أن الحفاظ على مستقبل الطلاب يجب أن يكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.

كما أشار قرقوط إلى أن تجارب سابقة شهدت إجراء امتحانات داخل السويداء دون اعتراف رسمي من وزارة التربية، الأمر الذي تسبب في مشكلات حقيقية للطلاب لاحقاً. ولذلك يرى أن أي حل يجب أن يضمن حصول الطلاب على شهادات معترف بها رسمياً، مع ضرورة إبعاد العملية التعليمية عن الخلافات السياسية والأمنية.

في النهاية، رغم اختلاف وجهات النظر بين الجهات الرسمية والمطالب المحلية، يبقى الهدف واحداً لا خلاف عليه: أن يحصل كل طالب على حقه في التعليم والامتحان في ظروف آمنة وعادلة، دون أن يكون مضطراً لحمل هموم الطريق أو الخوف أو التردد في لحظة يفترض أنها لحظة مستقبل لا لحظة قلق.

اقرأ أيضاً: قطع الإنترنت في سوريا بسبب الامتحانات… خيار سنوي مثير للجدل

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى