سياسة

اليورانيوم والمفاعل النووي السوري..حقيقة نفتها دمشق على مدار عقود

ما زالت سوريا تدفع ثمن موقعها الجغرافي الذي حكم وجودها بجوار احتلال غاشم يخاف من ظله، فقد عاد ملف “النووي السوري” لإثارة الجدل بكل ما يحمله من نفي وتأكيد واتهامات منذ عام 2002 حتى هذه اللحظة، وقد لعبت إسرائيل الدور الأساسي في تحريكه كل فترة، فعلى مدار هذه السنوات كان الاحتلال الإسرائيلي يكشف عن أجزاء من الحقيقة التي يزعمها، إلا أن وكالة الطاقة الذرية ألقت خبرها أمس لينفجر في الأوساط الإعلامية حول وجود عينات اليورانيوم في سوريا، ما حقيقة هذا الخبر؟ وما قصة سوريا مع اليورانيوم؟ وما هي الوثائق التي كشفتها إسرائيل سابقاً حول هذا الموضوع؟ بالإضافة إلى تعليقات الخبراء الأمريكيين حول إمكانية سوريا امتلاك سلاح نووي في ذاك الوقت؟ سنجيب عن هذه التساؤلات في مقالنا.

في تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التابعة للأمم المتحدة، والذي تم توجيهه إلى الدول الأعضاء يوم الاثنين، قالت الوكالة إنها اكتشفت آثاراً لليورانيوم في سوريا أثناء تحقيقها بمبنى دمرته إسرائيل عام 2007، والذي رجّحت الوكالة منذ فترة أنه قد يكون مفاعلًا نووياً غير معلن عنه.

وبحسب التقرير السري للوكالة والذي اطلعت عليه رويترز، أشارت إلى أنّ العمل على هذا الموضوع بدأ منذ العام الماضي وذلك للتوصل إلى نتائج حاسمة، وخلال عملها استطاعت الوكالة جمع عينات بيئية من ثلاثة مواقع لم تكشف عن أسماؤها، ويُعتقد أنها مرتبطة وظيفياً بموقع دير الزور.

وأظهرت العينات المأخوذة من أحد هذه المواقع عن وجود عدد كبير من جسيمات اليورانيوم الطبيعي، وأوضح التحليل أن هذا اليورانيوم من أصل بشري، أي ناتج عن عملية معالجة كيميائية، مع التأكيد على أنه غير مخصب، ورغم ذلك، لم يقدّم التقرير استنتاجاً نهائياً بشأن دلالات هذه الآثار أو ما قد تعنيه.

تسهيلات حكومية

لم تعرف الحكومة السورية الحالية عن سبب وجود جزيئات اليورانيوم بحسب تقرير الوكالة، لكنها في المقابل سمحت لها بزيارة الموقع مرة أخرى في حزيران لأخذ عينات جديدة.

واستكمالاً لأعمالها، قالت وكالة الطاقة الذرية في تقريرها أنها ما زالت تخطط لزيارة دير الزور، وستقوم بدراسة نتائج هذه العينات، وبعد الانتهاء من التحاليل، قد يتم توضيح القضايا العالقة المتعلقة بالأنشطة النووية السابقة في سوريا وحلها.

وأفاد التقرير أنه جرى اجتماع في حزيران الماضي بين رئيس الوكالة رافائيل غروسي والرئيس السوري أحمد الشرع، حينها وافقت سوريا على التعاون الكامل مع الوكالة لمعالجة هذه القضايا، بينما طلب غروسي من سوريا المساعدة في العودة إلى دير الزور قريباً، لإجراء مزيد من الفحوصات، والحصول على الوثائق اللازمة، والتحدث مع من شاركوا في الأنشطة النووية السابقة.

سوريا وتخصيب اليورانيوم

بدأ الحديث عن إمكانية وجود مفاعل نووي سري في سوريا عام 2007 إلا أن الحديث عنه بشكل علني بدأ عام 2011، ففي تقرير لصحيفة التلغراف البريطانية قالت أن محققي الأمم المتحدة كشفوا عن وجود مجمع لإنتاج الأسلحة النووية في أقصى شمال شرقي سوريا آنذاك، إلا أنه لم يكن معروفاً من قبل، أما بالنسبة للعالِم الذي ساعد سوريا في ذلك فهو العالِم الباكستاني عبد القدير خان، صاحب الدور البارز في البرنامج النووي الباكستاني، لتأسيس هذا المشروع السري.

وأكملت الصحيفة تقريرها بالقول أن مسؤولين في الأمم المتحدة أكدوا على التشابه بين تصميم هذا المجمع الواقع في مدينة الحسكة مع التصميم الذي وضعه خان في ليبيا خلال تسعينيات القرن الماضي وذلك عندما حاول الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي تطوير برنامج نووي بمساعدة خان.

وفي نفس العام الذي أصدرت فيه الصحيفة تقريرها، كان المحققون يدرسون العلاقة بين سوريا وعبد القدير خان، وبشكل خاص بعد أن حصلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على رسائل متبادلة بين خان ومسؤول سوري حول التعاون النووي، ورجحت الصحيفة في تقريرها امتلاك سوريا لمفاعلين، الأول لإنتاج اليورانيوم في الحسكة، وآخر لإنتاج البلوتونيوم في دير الزور شرقي البلاد.

اقرأ أيضاً: الملف الكيميائي السوري: بين المساءلة الدولية وبوادر الحل!

هل كان باستطاعة سوريا صنع أسلحة نووية؟

بالرغم من نفي دمشق للادعاءات الأمريكية والإسرائيلية، قال الخبير الأمريكي مارك هيبز خبير الانتشار النووي بمعهد كارنيغي للأبحاث أن “من غير المنطقي وجود منشأة نووية دون أي وقود”، لكن ما بدد مخاوف الغرب هو أن تلك المواد لا يمكن استخدامها بصورتها الحالية في صنع أسلحة نووية، وهذا ما ينفي إمكانية امتلاك سوريا للسلاح النووي آنذاك.

ووفقاً لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية نشرت تقرير لها في تلك السنة قالت فيه أنه ربما تملك سوريا ما يصل إلى 50 طن من اليورانيوم الطبيعي، وهذه المادة يمكن استخدامها لتشغيل محطات الطاقة النووية، ولكن لا يمكن استخدامها في صنع قنابل نووية إلا إذا خصبت لدرجة عالية.

إسرائيل تكشف تفاصيل عملية القصف

عام 2022 كشف جيش الاحتلال الإسرائيلي، في فيلم وثائقي قصير نشره على قناته في يوتيوب، تفاصيل العملية العسكرية السرية التي أسماها “خارج الصندوق” والتي استهدف من خلالها ما وصفه بمفاعل نووي كانت سوريا تبنيه سراً.

إلا أن البداية بحسب جهاز المخابرات للاحتلال كانت عام 2002، أي قبل قرابة 25 عاماً، عندما علمت أن سوريا تعمل على إنشاء مفاعل نووي، وأضاف أن وثيقة سرية عُثر عليها حينها كانت السبب في قرار مهاجمة ما سماه بالمفاعل النووي السوري في منطقة دير الزور بعد خمس سنوات.

وأشار إلى أن طائراته المقاتلة قصفت الموقع بتاريخ 6 أيلول 2007 ودمرته بالكامل، وكانت قد كشفت في الذكرى الـ15 للعملية لأول مرة عن تلك الوثيقة الاستخباراتية التي تعود لعام 2002.

وبحسب ما ورد في الوثيقة فقد أشارت التقديرات إلى أن سوريا كانت تسعى لدفع مشروع استراتيجي غير واضح المعالم، لكنه يثير الشكوك حول نوايا تتعلق بإنتاج تهديد نووي من الجبهة الشمالية، كما جاء فيها: “تبين في إطار هيئة الطاقة الذرية السورية وجود مشاريع سرية غير معروفة، والمعلومات لا تؤكد وجود خطة نووية جاهزة، لكنها تكشف عن اهتمام عملي قد يقود لتطوير مشروع كهذا، وهو ما يثير مخاوف بشأن البدء بخطوات فعلية في هذا الاتجاه”.

ويبدو أن شعور الخوف والتهديد لدى الاحتلال الإسرائيلي يترافق لديها في كل زمان ومكان، فقد توالت تعليقات المسؤولين في جيش الاحتلال الإسرائيلي عقب الكشف عن هذه الوثائق الخاصة بهذه العملية، فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت أفيغدور ليبرمان: “إن على الجميع في الشرق الأوسط استيعاب الدرس من الضربة الإسرائيلية للمفاعل السوري”، بينما قال رئيس هيئة الأركان العامة الذي كان في جيش الاحتلال الإسرائيلي غادي إيزنكوت إن “الرسالة من الهجوم على المفاعل النووي في 2007 هي أن دولة إسرائيل لن تسمح ببناء قدرات تهدد وجودها”.

والجدير بالذكر أن سلاح الجو للاحتلال كان قد دمر في 1981 مفاعل تموز النووي في العراق على الرغم من معارضة واشنطن تلك الخطوة في حينه.

اقرأ أيضاً: مفاعل ديمونا هل هناك خطر على السوريين في حال انفجاره؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى