الوعي الحضاري واستراتيجية العبور: في فقه البناء السوري الجديد

د. مصعب نحاس* – الوعي الحضاري واستراتيجية العبور: في فقه البناء السوري الجديد
لم تكن الحرب الطاحنة التي دارت رحاها في سوريا مجرد صراع عابر، بل كانت انفجاراً حتمياً لبركان من التدمير الممنهج الذي بدأه النظام البائد منذ لحظة وثوبه الأولى إلى سدة السلطة. فقد عمد النظام المجرم تاريخياً إلى تجريف شروط النهضة، واغتيال الإنسان، وما كانت آلة الحرب العسكرية التي أهلكت الحرث والنسل ودمرت الحواضر فوق رؤوس ساكنيها إبّان سني الحرب الضارية، إلا الصياغة المادية الأخيرة والمرحلة الأشرس لسياسة “تصفية الوطن” التي مارسها بنيوياً على مدار عقود.
واليوم، إذ تقف السلطة والدولة الجديدة في مواجهة “الصفر الحضاري” وركام هذا الإرث المزدوج -بين خراب العمران وانكسار الإنسان- فإنها لا تواجه مأزقاً اقتصادياً بالمعنى التقني الضيق، بل تخوض تحدي “الاستئناف الحضاري” وإعادة تركيب شبكة العلاقات الاجتماعية التي تخلخلت، والبنى التحتية التي دُمرت بفعل العقود المظلمة. وفي غمرة هذه المهمة الشاقة التي بدأتها السلطة عبر خطوات تأسيسية واعية، تمثلت في كسر أطواق العزلة، وتفكيك منظومة العقوبات، وترسيخ الأمن، والانفتاح الرشيد على الفضاءين الإقليمي والدولي، وصولاً إلى دفع عجلة البناء المؤسساتي بتشكيل مجلس الشعب مؤخراً؛ تبرز في الفضاء الجمعي السوري معضلة نفسية وفكرية يمكن تسميتها بـ “سيكولوجية الاستعجال”.
إن لسان حال الإنسان السوري المنهك من وهج الانتظار يتساءل بعد نحو عام ونصف من التحرر: “أين الثمر؟”. وهو تساؤل مشروع في سياقه العاطفي، لكنه قاصر في ميزان السنن الكونية الصارمة. فالنهضات لا تولد بالقفزات الفجائية، بل تنمو بالعبور التراكمي الهادئ، والوعي السوري اليوم مطالب بمغادرة عقلية “المعجزة اللحظية” إلى فلسفة “الصبر البنائي”.
ميزان الزمن بين “أثر العبور” و”الشهود الحضاري“
حين نستقرئ الميراث السُنني للدول التي سُحقت حواضرها في العصر الحديث ثم انبعثت من مدافن التاريخ، نجد أن ميزان النهوض محكوم بميقاتين مُطَّردين: “حد أدنى” يُمثّل مرحلة العبور وتخطي عنق الزجاجة حيث تتخلق بواكر الأثر والتعافي الملموس، و”حد أعلى” تتحقق فيه طفرة الريادة والشهود الحضاري الشامل. وإن إدراك هذا التمايز الزمني يقي الوعي الجمعي من الارتداد نحو وهن الإحباط، ويمنح الإرادة الوطنية أفقاً علمياً متزناً يدرك منازل البناء:
– ألمانيا واليابان: رغم خروجهما من ركام الحرب العالمية بمدن مدمّرة تماماً، لم يتطلب الأمر سوى 6 سنوات لتظهر ملامح التعافي الملموس وإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد؛ وهي فترة قصيرة عموماً قياساً بحجم الخراب، لكنها أسست لشوط ممتد استدعى قرابة 20 عاماً من التراكم المؤسسي المتواصل لبلوغ ذروة القوة الصناعية العالمية.
– كوريا الجنوبية: انبثقت من حرب أهلية طاحنة جعلتها في أدنى سلّم الفقر عالمياً، ومع ذلك، استغرقت نحو 7 سنوات لتجاوز مرحلة الإغاثة وإرساء مقومات الاستقرار؛ بيد أن هذا العبور كان فاتحة لمسار طويل وتخطيط صبور استغرق قرابة 30 عاماً من الاستثمار في الإنسان والصناعة للوصول إلى مصاف القوى التكنولوجية الرائدة.
– سنغافورة: قُذفت عنوةً إلى استقلال قسري كدولة مجهرية محدودة الموارد، لكنها خلال نحو 6 سنوات بدأت تحصد نتائج الانضباط المؤسسي عبر جذب الاستثمارات وتعزيز الاستقرار؛ أما تحولها إلى مركز مالي وتجاري عالمي فلم يكن إنجازاً سريعاً، بل حصيلة مسار طويل امتد قرابة 25 عاماً من التخطيط الصارم والرؤية بعيدة المدى.
– رواندا: واجهت أعقد عملية إعادة بناء للمجتمع والدولة في أعقاب الإبادة الجماعية، ورغم عمق الجرح، لم تستغرق مسيرة التعافي واستعادة السلم الأهلي أكثر من 7 سنوات؛ لتنطلق منها في ملحمة تنموية متدرجة صعدت بها رقمياً ومؤسسياً عبر مسار دؤوب استغرق قرابة 20 عاماً من البناء المؤسسي وتعزيز كفاءة الدولة.
إن هذا التدرج السُنني يوضح أن بضع سنوات من العمل التكاملي كفيلة بنقل المجتمع السوري إلى حالة ملموسة من التعافي والاستقرار واستعادة الفاعلية، غير أن التمام الحضاري يتطلب نفَساً استراتيجياً طويلاً لا يعترف بالقفز الفجائي فوق المراحل. ومن هذا المنطلق، يتكرر على لسان الرئيس أحمد الشرع استحضار بعض هذه التجارب، لما تنطوي عليه من تشابه بنيوي عميق يتيح مقايسة واعية، تضيء انعطافة التجربة السورية وتؤسس لإدراك أدق لشروط النهوض ومساراته الممكنة.
مفارقة الاستقطاب البشري: رافعة الطاقات الجاهزة
في سياق التأسيس لـ “الدول الوليدة”، ثمة زاوية تحليلية بالغة الأهمية نبّه إليها المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في تفكيكه الأكاديمي لبنية الكيان الصهيوني “الغاصب”؛ حيث أشار إلى أن هذا الكيان الطارئ لم يكن لينمو اقتصادياً وتكنولوجياً لولا اعتماده على معادلة بنيوية استثنائية وهي “استيراد الكفاءات الجاهزة”. فالكيان “المحتل” حصد رأس مالٍ بشري مكتمل الفعالية والإنتاجية، علّمته وأهّلته دول أخرى كبرى في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفيتي، دون أن تتكلف ميزانيته الناشئة عبء الإنفاق التأسيسي على تعليمهم أو تدريبهم؛ مما وفر عليه عقوداً من الزمن والإنفاق، ومنحه قوة دفع مبنية على جهد جاهز ومنتزع من سياقاته الدولية.
هذه المقايسة التحليلية، إذا ما تلمّسنا أبعادها في الواقع السوري الراهن من باب استنطاق دروس التاريخ فحسب، لا محاكاة نماذجه السياسية أو الأخلاقية؛ نكتشف أن المجتمع السوري يمتلك هذا الزخم الاستراتيجي بالطبيعة والسياق القدَري الذي مرّ عليه، دون حاجة لآليات استجلاب مصطنعة. إنها طاقات وطنية أصيلة أنتجها المجتمع ونضجت في مغترباتها، ويمثل التفافها اليوم حول مشروع النهوض ميزة بنيوية تضعنا جميعاً أمام مسؤولية ائتمانية وتضامنية مشتركة.
– مسؤولية الدولة (عبقرية الاستقطاب والمغناطيس الحضاري): إن سوريا الجديدة ليست بحاجة لانتظار جيل كامل لبناء الكفاءات وتأهيلها من الصفر؛ فالعنصر البشري السوري الذي فرضت عليه سنوات الهجرة التجوال في مناكب الأرض، قد نال تعليمه في جامعات مرموقة، واكتسب أسرار الصناعة والريادة في شركات عالمية، فضلاً عن تحول جزء واسع منه إلى كتل تمويلية وقوى استثمارية نافذة. وهنا يبرز الواجب الائتماني على الدولة اليوم -وفي مقدمتها مجلس الشعب المشكَّل حديثاً- في صياغة بيئة تشريعية، وأخلاقية، وحقوقية محصنة بالنزاهة والحوكمة؛ لتشكّل مغناطيساً حضارياً قادراً على استيعاب هذه الخبرات المعبأة، واختصار عقود من تكاليف الإنفاق البشري.
– مسؤولية المواطن (واجب العطاء والانعتاق من شرط الكمال): في المقابل، يقع على عاتق السوري، لا سيما المغترب، ألّا يسقط في “عطالة الانتظار المشترط” أو موقف المتفرج. إن الانتماء في فلسفة الحضارة ليس شعوراً عاطفياً، بل هو فعل وجودي، والتردد في نقل المعرفة، أو ضخ رأس المال، أو تقديم الخبرة بدعوى انتظار الدولة الكاملة هو شكل من أشكال التفريط في اللحظة التاريخية؛ إذ لا تبنى الأوطان بعد التحرر بالشرط، وإنما بالتأسيس والمبادرة.
ختاماً، إن النهوض السوري ليس معادلة حسابية تديرها السلطة بمفردها، بل هو “عقد حضاري” يتكامل فيه القرار السياسي الراشد مع الفعل المجتمعي الصابر والمبادر. إن بضع سنوات من الوعي المشترك والتلاحم، كفيلة بنقل سوريا من مرحلة “تضميد الجراح” إلى مرحلة “إبهار الإقليم”، فالإمكانات متوفرة، والسنن التاريخية واضحة، وما ينقصنا فقط هو تنحية الاستعجال، والبدء في وضع لبنات الغد بعقول لا تعرف الالتفات إلى الوراء.
*د. مصعب نحاس: أكاديمي سوري
اقرأ أيضاً: العد التنازلي بدأ تحت الأرض .. كيف وصلت أزمة المياه الجوفية في سوريا إلى هذا الحد؟








