الواقع الصناعي في المدن الصناعية في حلب.. تحديات رغم الدعم الحكومي

بقلم: هلا يوسف
تعيش الصناعة في حلب، وبخاصة في منطقتي الشيخ نجار والعرقوب، حالة من التفاوت بين محاولات التعافي من آثار الحرب الطويلة وبين تحديات اقتصادية وتشغيلية مستمرة.
فعلى الرغم من عودة مئات المعامل إلى العمل، وبدء الحكومة باتخاذ خطوات لتشجيع الاستثمار ودعم الإنتاج، ما تزال الصعوبات تعرقل طريق النمو الصناعي في المدينة. وفي هذا المقال نستعرض أبرز ملامح المشهد الصناعي في حلب، وأهم التحديات التي تواجه الصناعيين، إلى جانب الإجراءات الحكومية الأخيرة الهادفة إلى دعم الاستثمار وإعادة إحياء القطاع الصناعي.
الصناعة في الشيخ نجار والعرقوب بين التعافي والتحديات
يشير واقع العمل في المدينة الصناعية بالشيخ نجار إلى تفاوت في إمكانيات المعامل العائدة للعمل، فبحسب إحدى المصادر الإعلامية التي نقلت معلومات من إدارة المدينة، أن هناك نحو 550 معمل يعمل بكامل طاقته الإنتاجية، بينما يعمل حوالي 200 معمل بطاقة جزئية نتيجة مشكلات مستمرة في البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيلية. وتتنوع القطاعات الصناعية في الشيخ نجار بين الكيماوية والتحويلية والغذائية والهندسية والنسيجية.
وفي حديثها عن أبرز التحديات التشغيلية لديهم، أوضحت إدارة المدينة أن المشكلة تتمثل ارتفاع أسعار الكهرباء وتأثيرها المباشر على تكلفة الإنتاج، بالإضافة إلى غزو المنتجات الأجنبية للسوق المحلية ومنافسته للمنتجات الوطنية. كما شددت الإدارة على أهمية دعم الصادرات عبر تقديم مزايا وإعفاءات وتفعيل نظام الإدخال المؤقت لتسهيل استيراد المواد الخام وإعادة تصدير المنتجات المصنعة، إضافة إلى إعادة دراسة التشريعات الضريبية للوصول إلى صيغة عادلة تشجع الإنتاج المحلي بدلاً من إرهاقه بالرسوم الإضافية.
أما في منطقة العرقوب الصناعية، فقد أوضح رئيس اللجنة الصناعية تيسير دركلت أن المنطقة تضم حالياً نحو 1400 منشأة بين معامل وورشات حرفية صغيرة. وأشار إلى أن ما يقارب 10% من القوة الصناعية التي كانت موجودة قبل الحرب عادت إلى العمل بعد فترة التحرير، أي ما يعادل 100 إلى 150 منشأة جديدة عادت للعمل بالتزامن مع عودة أصحابها ومستثمريها من الخارج.
يرى دركلت أن واقع الصناعة في مدينة العرقوب تواجه تحديات كثيرة بالرغم من عودة النشاط الاقتصادي جزئياً، وتتمثل هذه التحديات بالجوانب القانونية مثل صدور بعض القوانين والتشريعات المهمة كالقانون المالي الجديد الذي ما زال قيد التشاور حتى الآن، ومع هذا التأخير في التسهيلات من جهة والقوانين الناظمة من جهة أخرى يعزف الكثير من الصناعيين عن العودة أو الاستثمار في سوريا.
وعن تأثير هذا التأخير في القرارات، أشار دركلت أنها تجعل التخطيط للإنتاج طويل الأمد محفوف بالمخاطر، وأضاف أن عدد كبير من المنشآت في العرقوب يعمل اليوم بـ”طاقة مقنعة”، أي أن المصانع تفتح أبوابها ثم تتوقف أو تعمل بحدود 10% فقط من طاقتها الإنتاجية، في حين اضطرت منشآت أخرى إلى تسريح جزء من العمالة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة.
انتقاد لمبدأ السوق المفتوح..والحاجة لبيئة قانونية
لم تلبِ سياسة السوق المفتوح التي تبنتها الحكومة مطالب الصناعيين في مدينة العرقوب الصناعية بحلب، فقد أشار دركلت أنها رغم كونها فكرة إيجابية من حيث المبدأ، إلا أنها لا تتناسب مع الظروف الحالية التي تمر بها الصناعة المحلية. كما أكد أن الصناعيين ليسوا ضد المنافسة، لكنهم بحاجة إلى شروط عادلة ومتساوية مع نظرائهم في الدول المجاورة، ففي حال توافرت هذه الظروف، سيتمكن الصناعي المحلي من المنافسة بجودة جيدة كما كان الحال في السنوات السابقة بحسب دركلت.
وتتوافق آراء دركلت مع إدارة المدينة الصناعية بالشيخ نجار، التي أكدت أن أبرز لأزمات التي تواجه الصناعيين اليوم هي قدم خطوط الإنتاج، وارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات، إضافة إلى الترهل الإداري وتأخر القوانين الاقتصادية التي من المفترض أن تنظم العمل الصناعي وتمنح الصناعيين الأدوات اللازمة للمنافسة. كما اعتبر أن التهريب يمثل إحدى المشكلات الكبرى، إذ تدخل بضائع أجنبية بأسعار منخفضة إلى السوق دون أن تخضع للإجراءات الجمركية النظامية، مما يضع المنتج المحلي بموقع ضعيف ضمن سباق المنافسة في الأسواق المحلية.
من جانبه، قال رئيس لجنة الكلاسة الصناعية في حلب، محمد قزموز: إن المنطقة تفتقر حالياً إلى بيانات دقيقة حول عدد المنشآت العاملة فيها، مبيناً أن الصناعات النسيجية تشكل نحو 55% من إجمالي النشاط الصناعي، تليها الصناعات الهندسية بنسبة 30%، ثم الصناعات الغذائية والكيماوية بنسب أصغر لا تتجاوز 10%. وأضاف أن المنطقة تضم مزيجاً واسعاً من الحرفيين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، إلى جانب ورشات تقليدية تعتمد على مهارات يدوية متوارثة.
ولعل أوضح مثال على التحديات التي تواجه الصناعيين في حلب، هو ما حصل مع مصنّعي الأحذية في آب الماضي، عندما تصاعدت الاحتجاجات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين المواد الأولية، إلى جانب تأثر المنتج المحلي بدخول أحذية منخفضة الجودة تُباع بأسعار لا تتجاوز الدولار الواحد مما ضرب السوق المحلية للأحذية.
وعندها وصف رئيس لجنة الأحذية والجلديات دحّام الحسين واقع هذه الصناعة بأنه “خرج من قسم الإنعاش وهو الآن في طريقه إلى المقبرة”، في إشارة إلى حجم الصعوبات التي تعاني منها. وبيّن أن أكثر من 1,800 ورشة في حلب توقفت عن العمل، في حين كانت المدينة في السابق تُصدّر نحو 60 مليون زوج من الأحذية إلى العراق، مما يعكس حجم الخسائر التي طالت قطاع الأحذية والجلديات السورية.
أكثر من عشرة آلاف منشأة صناعية مسجلة في حلب
أوضح تقرير مجلس إدارة غرفة صناعة حلب، المقدم خلال اجتماع الهيئة العامة السنوي لعام 2024 الذي عُقد في مطلع آب الماضي، أن عدد المنشآت الصناعية المسجلة في الغرفة بلغ 10,501 منشأة صناعية حتى نهاية عام 2024.
ويصنف التقرير هذه المنشآت إلى خمس درجات حسب الأداء والتصنيف الداخلي على النحو الآتي:
- الدرجة الممتازة: 51 منشأة.
- الدرجة الأولى: 285 منشأة.
- الدرجة الثانية: 387 منشأة.
- الدرجة الثالثة: 2,482 منشأة.
- الدرجة الرابعة: 4,313 منشأة.
- الدرجة الخامسة: 1,700 منشأة.
كما أشار التقرير إلى وجود 13 مكتب شحن و54 مشروع صغيرضمن نطاق عمل الغرفة.
أما من حيث التوزيع القطاعي، فتُقسم المنشآت إلى أربعة قطاعات رئيسية: النسيجية، الكيماوية، الهندسية، والغذائية.
وجاء التوزيع كما يلي:
- الصناعات النسيجية: 4,670 منشأة (بنسبة 45%).
- الصناعات الكيماوية: 2,203 منشآت (بنسبة 21%).
- الصناعات الهندسية: 2,121 منشأة (بنسبة 20%).
- الصناعات الغذائية: 1,507 منشآت (بنسبة 14%).
إجراءات حكومية لدعم الصناعة في حلب
جاء الواقع الصناعي السابق للمدن الصناعية في حلب وتحدياته بالرغم من تقديم المدينة الصناعية (الشيخ نجار) مجموعة من القرارات والتسهيلات الجديدة الموجهة لدعم الصناعيين والمستثمرين في 1 تموز من هذا العام، بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والصناعة.
وبحسب القرارات، تم تحديد سعر المتر المربع بـ35 دولار أمريكي بنظام التقسيط لمدة خمس سنوات، مع خصم 5% من قيمة المقسم في حال الدفع نقداً.
كما كانت قد أعلنت المديرية سابقاً عن طرح مساحة إضافية للاكتتاب ضمن المرحلة الثانية تُقدّر بنحو مليوني متر مربع، مما وفر حوالي ألف مقسم جديد مخصصة لمختلف أنواع الصناعات والمساحات.
نظام استثمار جديد في المدن الصناعية بسوريا
كانت قد أقرت وزارة الاقتصاد والصناعة في 18 حزيران الماضي نظام استثمار جديد خاص بالمدن الصناعية في سوريا، بهدف تعزيز بيئة الاستثمار الصناعي وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية، إضافة إلى نقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية داخل البلاد.
وبحسب النظام الجديد يتم رفع القيمة المضافة المحلية من خلال دعم الصناعات التجميعية والثقيلة والتحويلية والإلكترونية، ما يسهم في تطوير القاعدة الصناعية السورية.
ويتضمن النظام مجموعة من التسهيلات للمستثمرين، من أبرزها:
- إعفاءات ضريبية وتسهيلات جمركية وفقاً لقانون الاستثمار النافذ.
- ضمان استقرار القوانين المؤثرة على المشروع طوال فترة العقد.
- رقمنة الإجراءات الإدارية لتسهيل المعاملات.
- في حال حدوث أي نزاع بين المستثمر والجهات الحكومية أو المحلية، يتم حلّه عبر التحكيم بين الطرفين.
ويكفل النظام للمستثمر حق استخدام الأرض المخصصة وفق شروط العقد، والحصول على تراخيص البناء والتشغيل، مع ضمان عدم نزع الملكية أو التأميم. كما يلتزم بتوفير بنية تحتية متكاملة تلبي احتياجات المشاريع الصناعية.
ويسمح النظام الجديد للمستثمر بدمج عدة مقاسم متجاورة بشرط أن تكون ملكاً واحداً ولصناعة أساسية واحدة، وذلك لتوسيع النشاط الصناعي عند الحاجة، مع الالتزام بنظام ضابطة البناء المعمول به وبشروط الدمج المحددة من الجهة الإدارية. كما يشترط عدم وجود حقوق أو إشارات قانونية على المقاسم المطلوب دمجها، ويتحمل المستثمر جميع نفقات الدمج.
ويمكن أيضاً إضافة صناعة مكملة للصناعة الأساسية المرخصة، بشرط مراعاة الشروط البيئية والصحية والحصول على موافقة الوزارة، على أن يُمنح السجل الصناعي للصناعة الأساسية فقط.
ويضم النظام عدداً من البنود التي توضّح آلية استثمار المقاسم والمشاريع الصناعية، وطريقة استثمار المقاسم المخصصة للاستعمالات الخاصة، وحقوق وواجبات المستثمرين، إضافة إلى تحديد مخالفات الاستثمار وآلية استثمار البنى التحتية والأراضي غير المخدمة داخل المدن الصناعية.
كما نص القرار على إلغاء جميع أنظمة الاستثمار السابقة المعمول بها في المدن الصناعية، والعمل بالنظام الجديد اعتباراً من تاريخ نفاذه.
باختصار، يبدو أن مستقبل الصناعة في الشيخ نجار والعرقوب سيتوقف على مدى قدرة الجهات الحكومية على تطبيق القوانين الجديدة بفعالية، وتهيئة بيئة اقتصادية عادلة تحمي المنتج المحلي وتمنحه القدرة على المنافسة.
اقرأ أيضاً: إعفاء مستهلكي الكهرباء المنزلية والتجارية والصناعية من الرسوم









