سياسة

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك.. ما لها وما عليها!

الكاتب: أحمد علي

تُفتح اليوم صفحة جديدة في النقاش حول طبيعة الدولة السورية بعد أكثر من عقد من الحرب، مع ظهور لاعب مؤسسي جديد يمسك بأكثر الملفات حساسية، الحدود، الجمارك، وحركة الاستيراد والتصدير. فالمراسيم الثلاثة التي أسست «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» ومنحتها استقلالاً مالياً وإدارياً وربطتها مباشرة برئاسة الجمهورية، لم تمر مروراً عابراً في النقاش العام، بل أثارت أسئلة عميقة حول شكل الاقتصاد القادم، وحول ما إذا كنا أمام محاولة لتنظيم الفوضى أم لإعادة تدوير اقتصاد الحرب بأدوات رسمية جديدة.

تزداد أهمية هذا النقاش عندما تتقاطع القرارات الاقتصادية مع أسماء وشبكات راكمت نفوذها خلال سنوات الصراع من خلال المعابر والجبايات والاقتصاد غير الرسمي، وتوصف هذه التطورات بأنها تأسيس لـ«سلطة فوق دستورية» تتجاوز الوزارات والبرلمان وآليات الرقابة التقليدية. وبين هذه القراءة النقدية وبين المبررات الرسمية المعلنة أو الضمنية، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط ومباشر: ماذا تعني «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» لحياته اليومية ولمستقبل الاقتصاد؟

الهيئة العامة للمنافذ والجمارك

بحسب نصوص المراسيم، تتولى «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» إدارة كل ما يتعلق بالمنافذ البرية والبحرية والجوية، وتنظيم الحركة الجمركية، والإشراف على تنفيذ سياسات الاستيراد والتصدير عبر لجنة وطنية يُسند رئاستها إلى رئيس الهيئة. يمنحها هذا التصميم المؤسسي موقعاً مركزياً يجعلها بوابة إلزامية لكل ما يدخل البلاد ويخرج منها، ويضعها عملياً فوق الوزارات القطاعية التقليدية مثل المالية والاقتصاد والزراعة والنقل، التي تبدو أدوارها – وفق قراءة واسعة الانتشار – أقرب إلى أدوار تنفيذية أو استشارية محدودة.

من زاوية رسمية، يمكن النظر إلى إنشاء الهيئة العامة للمنافذ والجمارك كخطوة نحو توحيد المرجعية، وتقليل تضارب الصلاحيات بين الجهات المختلفة، ومكافحة التهريب، وزيادة الإيرادات في مرحلة تحتاج فيها الخزينة العامة إلى موارد إضافية. غير أن رأياً آخر يرى أن ربط هذه الهيئة مباشرة برئاسة الجمهورية، ومنحها استقلالاً واسعاً، وتحويلها إلى مركز قرار وحيد في ملف الحدود والتجارة، يجعل منها عملياً «سلطة فوق دستورية»، لا تخضع لرقابة برلمانية فعّالة ولا لشفافية مالية كافية، بما يفتح الباب أمام تضارب المصالح وتركيز القوة في يد دائرة ضيقة.

شبكة عائلية في الواجهة

جزء كبير من الجدل لا يتعلق فقط بهندسة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» بل بالأشخاص الذين يقفون في مقدمة المشهد. إذ يشير البعض إلى أن اختيار قتيبة أحمد بدوي لرئاسة الهيئة يربط بين مؤسسة الدولة الناشئة وبين تاريخ معقد في اقتصاد المعابر خلال فترة سيطرة “هيئة تحرير الشام”. الرجل المعروف بأسماء حركية سابقة مثل «المغيرة» و«أبو حمزة بنش» لم يكن جزءاً من النخبة التكنوقراطية التقليدية، بل من شبكة لعبت دوراً محورياً في إدارة بوابات العبور والرسوم والجبايات في اقتصاد الحرب.

وتتحدث روايات متداولة – من بينها تسجيل صوتي غير موثق رسمياً – عن ذهنية ترى في العنف أداة مشروعة وفي التلاعب الإعلامي وسيلة ممكنة لتحقيق الأهداف. ورغم أن هذه الروايات تحتاج إلى توثيق مستقل، فإن حضورها في النقاش العام يساهم في تشكيل صورة مثيرة للجدل حول من يقود اليوم «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك».

ولا يقتصر الأمر على شخص واحد؛ فشقيقه حذيفة بدوي، المعروف بـ«أبو حفص بنش»، صعد هو الآخر خلال سنوات الحرب من عمل محدود الدخل إلى موقع نفوذ أمني واقتصادي، بينما برز شقيق ثالث، الدكتور معد بدوي، كشريك في مولات ووكالات تجارية كبيرة.

هذه المعطيات تُستخدم من قبل منتقدين للدلالة على أن الهيئة الجديدة قد تحولت إلى واجهة مؤسسية لشبكة عائلية تمتلك امتداداً في المال المدني والمال العسكري، ما يعني – برأيهم – أن «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» ليست مجرد جهاز تنظيمي، بل جزء من طبقة اقتصادية صاعدة تشكل ملامح أوليغارشية جديدة.

في المقابل، يرى مدافعون عن هذه التعيينات أن الخبرة الميدانية في إدارة المعابر لا يمكن تجاهلها في مرحلة تحتاج إلى ضبط الحدود ومنع تهريب السلع والعملة.

اقتصاد الحرب إلى الدولة

الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الدولة المفترض أن يكون أحد عناوين المرحلة المقبلة، لكن قراءة مختلفة تذهب إلى أن المراسيم الثلاثة لم تُنهِ اقتصاد الحرب بل نقلته إلى داخل الدولة عبر شرعنة الشبكات التي عملت سابقاً خارج الأطر الرسمية.

ويتعزز هذا الانطباع عندما نرى أسماء من خلفية “هيئة تحرير الشام” تشغل مواقع حساسة مثل معاوني وزيري الاقتصاد والمالية أعضاء في اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير التي تترأسها قيادة «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك».

في هذا السياق برز مثال الخلاف بين رئيس الهيئة ووزير الاقتصاد حول قرار منع استيراد بعض الخضروات دعماً للإنتاج المحلي، حين دخلت شحنات عبر المنافذ رغم قرار المنع، وتسبب ذلك في خسائر كبيرة لمزارعي درعا. بالنسبة للمنتقدين، فإن ترقية الشخص الذي كُسِر القرار على يده إلى مرتبة وزير ورئيس لهيئة مفصلية يؤكد رسالة مفادها أن منطق القوة الاقتصادية والشبكات هو الذي يحكم.

غير أن قراءة أخرى ممكنة ترى أن نقل إدارة هذا الملف إلى هيئة واحدة قد يكون محاولة لتجنب ازدواجية القرارات بين الجهات المختلفة، حتى لو جاءت هذه الخطوة في توقيت وطريقة تثيران أسئلة مشروعة.

تحديات الشفافية والرقابة الوطنية

سواء اعتُبرت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» خطوة ضرورية لإعادة تنظيم الحدود، أم تجسيداً لـ«سلطة فوق دستورية»، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهها هو بناء ثقة عامة تقوم على الشفافية والرقابة الوطنية. فوجود جهاز بهذه القوة يحتاج إلى آليات واضحة لنشر البيانات المالية، وتوضيح أسس منح إجازات الاستيراد والتصدير، والإفصاح عن أسماء كبار المستفيدين، وفتح باب المساءلة أمام البرلمان والهيئات الرقابية المستقلة.

من دون هذه الشفافية، سيظل حضور الشبكات العائلية والاقتصادية المرتبطة باقتصاد الحرب ظلاً ثقيلاً على صورة الهيئة، حتى لو حققت نتائج إيجابية في مكافحة التهريب وزيادة الإيرادات. ولهذا تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف العلاقة بين «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» والوزارات المعنية، بحيث لا تتحول الوزارات إلى ديكور إداري، بل إلى شركاء حقيقيين في صنع السياسة الاقتصادية ومراقبة تنفيذها.

خيارات المستقبل الاقتصادية الممكنة

المشهد ما زال مفتوحاً على أكثر من سيناريو، قد تثبت التجربة أن «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» خطوة انتقالية نحو جهاز محترف وشفاف يعيد تنظيم حركة التجارة ويحمي الإنتاج المحلي ويضبط المعابر، إذا توفرت له إرادة سياسية واضحة لإخضاعه للرقابة، وإبعاد تضارب المصالح، وتدوير كوادره على أساس الكفاءة لا الولاء.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول الهيئة إلى أداة مفيدة في تعافي الاقتصاد، شريطة أن تُستكمَل بإصلاحات ضريبية ومالية وقضائية أوسع.

وقد تسير الأمور في اتجاه مغاير، فتتحول الهيئة إلى قناة لتركيز الثروة في يد شبكة ضيقة تمسك بالمنافذ والجمارك والقرار التجاري، بينما يتحمل المجتمع كلفة ارتفاع الأسعار وتقلص المنافسة وتراجع فرص المنتجين المحليين، مثلما حدث في قصة مزارعي درعا الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات القرار. وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه البعض: هل نحن أمام مشروع تعافٍ اقتصادي أم أمام ولادة طبقة أوليغارشية تستند إلى شرعية المراسيم وتاريخ اقتصاد الحرب؟

في الحالتين، يبقى معيار الحكم الحقيقي على «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك» هو الأثر الملموس على حياة الناس: أسعار السلع الأساسية، فرص العمل، حماية الإنتاج المحلي، وعدالة توزيع الأعباء والفرص. وبين «ما لها» من إمكانية تنظيم وضبط وموارد، و«ما عليها» من مخاطر تركّز السلطة وضعف الرقابة، سيستمر النقاش العام طويلاً، ما لم تُحسَم هذه الأسئلة بسياسات واضحة ومعلنة وقابلة للمساءلة.

اقرأ أيضاً: أين تقف الهيئة الناظمة للاتصالات في سوريا بعد عام على سقوط السلطة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى