أعمال واستثمار

الهروب إلى الدولار في سوريا.. سلوك دفاعي أم نتيجة خلل نقدي؟

بقلم: ريم ريّا

بات من المألوف في الأسواق السورية، مشهد المواطن السوري الذي يختار الدولار بدلاً من الليرة، فالأمر لا يتعلق برغبة عابرة، بقدر ما يتعلق بسلوك اقتصادي ناشئ عن تراكم سنوات من التضخم، القيود المصرفية، ونقص السيولة.

السوريون اليوم يعيشون مرحلة حساسة، السحوب اليومية تجعل التعامل بالليرة أكثر تعقيداً، بينما الدولار يوفر لهم سيولة فورية واستقرار نسبي للقيمة.

هذا السلوك لا يؤثر فقط على الأفراد، لا يمتد إلى أداء السوق المحلي والاقتصاد ككل، مما يثير تساؤلات مهمة عن مستقبل الليرة السورية وقدرتها على المنافسة في ظل هذه الديناميكية. في هذا المقال سنحاول فهم هذا السلوك السوري الباحث عن الدولار والهارب من الليرة.

أسباب تفضيل الدولار على الليرة في سوريا

من الأسباب الأولى لسعي السوريين وراء الدولار بدلاً من الليرة، فرض المصارف السورية سقوفاً صارمة على السحب النقدي في البلاد، حيث لا يستطيع المواطن استلام أكثر من 2 – 10ملايين ليرة يومياً حسب نوع المصرف ونوع الحساب.

أما التجار وأصحاب الأعمال والمشاريع الصغيرة فهم بحاجة مستمرة إلى مبالغ أمبر لتغطية الرواتب وشراء المواد الخام والنقل. نتيجة لذلك يجدون أنفسهم مضطرين إلى التحويل إلى الدولار، الذي يوفر لهم سيولة غير محدودة تقريباً وسهولة في التعاملات اليومية.

هذا النقص في السيولة لا يضر فقط بالمواطن، بل يخلق تأثيراً مباشراً على السوق. فكلما زاد الاعتماد على الدولار، قل تداول الليرة، وبدأت حركة الاقتصاد بالبطء، خاصةً في القطاعات التي تعتمد على النقد المتداول. فيقوم التجار برفع الأسعار لتعويض تعطل رأس المال العامل، ما يضغط على القوة الشرائية ويزيد من معدلات التضخم.

من أسباب اللجوء إلى الدولار كذلك، التجربة السورية الاقتصادية، والتي أظهرت أن الليرة عرضة لتقلبات كبيرة، حتى مع إدخال فئات جديدة وإلغاء الأصفار. إذ بات المواطن السوري يخشى أن تفقد مدخراته قيمتها بسرعة، خصوصاً بعد سنوات التضخم الحاد وارتفاع أسعار المستوردات على حساب الصناعة المحلية.

المواطن السوري بات يرى الدولار ملاذه الآمن، كذلك إن سياسات المصرف المركزي القائمة على ربط استلام العملة الجديدة بتوافر السيولة، ساهمت في تحويل جزء من السوق إلى الدولار.

أي تأخير في توفير النقد الجديد أو اختلال في التوزيع يخلق فجوة بين العرض والطلب، ويخلق سوقاً ثانوياً. فالصرافون والمستوردون يستفيدون من هذه الفجوة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ومضاعفة تكلفة المعاملات، خاصةً للتجار الذين يحتاجون إلى مبالغ كبيرة بشكل يومي لتغطية الإنتاج واللوجستيات.

اقرأ أيضاً: بين البنك والجيب مسافة اسمها “أزمة سيولة”

تبعات اللجوء إلى الدولار على الاقتصاد السوري

في الحقيقة، إن توّجه السوريين إلى الدولار لا يقتصر على خيار فردي لأجل الحماية من التضخم فحسب، بل له انعكاسات واسعة ومباشرة على الاقتصاد الوطني.

أولى هذه التبعات، تراجع القوة الشرائية لليرة السورية. فعندما يختار المواطنون الاحتفاظ بالدولار بدلاً من الليرة، يقل الطلب على العملة المحلية، ويزداد الاعتماد على العملات الأجنبية لشراء السلع والخدمات. هذا الضغط يؤدي إلى تثبيت الليرة على مستويات منخفضة نسبياً، رغم وجود احتياطي ذهب كبير يصل إلى 26 طناً، أو 42 تريليون ليرة وفقاً لتصريحات المصرف المركزي، حيث أن احتياطي الذهب وحده لا يكفي لتعزيز الثقة بالليرة إذا لم يكن النظام النقدي فعالاً.

أما ثانياً، وكما أشرنا سابقاً، تفضيل الدولار ينعكس على السيولة في السوق المحلية، فالسيولة المحدودة في المصارف تجعل التجار والموظفين والمستهلكين يلجؤون إلى الدولار لتأمين مشترياتهم اليومية، ما يجمد رأس المال. فالتاجر لا يستطيع تمويل مشترياته بسهولة والمصنع يتوقف عن الإنتاج، هذا ما يرفع أسعار السلع ويزيد من الضغوط التضخمية غير الرسمية.

كذلك هناك تأثير على الاستثمار المحلي والأجنبي. المستثمر الأجنبي، خاصةً من القطاع الخاص، يراقب قدرة الدولة على توفير بيئة نقدية مستقرة. تذبذب الأسعار وعدم وضوح مسار السيولة يجعل الاستثمار أكثر خطورة، ويحد من توسع المشاريع الإنتاجية والخدمية.

كما أن الاعتماد الكبير على الدولار، يؤدي إلى إضعاف آليات التحكم بالاقتصاد الكلي. السياسات النقدية، مثل التحكم بالعرض النقدي لليرة أو استبدال العملة القديمة، تصبح أقل فاعلية إذا ظل الناس يفضلون التعامل بالدولار.

أي محاولة لضبط التضخم أو توجيه السوق الداخلي عبر السياسة النقدية تفقد جزءاً كبيراً من تأثيرها، ويصبح الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات الخارجية، مثل تقلبات أسعار العملات الأجنبية أو أسعار الاستيراد.

أخيراً، هناك تبعات اجتماعية لا تعد ولا تحصى، المباشرة منها: ارتفاع أسعار السلع نتيجة انخفاض السيولة بالليرة ما يزيد الضغط على الأسر، تزداد البطالة وتقل القدرة الشرائية، ما يخلق فجوة أوسع بين دخل المواطن وحاجاته اليومية.

هذا النهج يخلق حلقة مفرغة من الاعتماد على الدولار، ارتفاع الطلب عليه يعني الضغط على الليرة، والضغط عليها يعزز الحاجة للاحتفاظ بالدولار، وهكذا تستمر دورة الركود والتضخم غير الرسمي.

من هنا نخلص، أن وجود احتياط الذهب كبير لا يحمي الليرة من الانهيار، وهو وحده غير كافٍ، لأنه لا يعكس الثقة الفعلية للمواطنين بالعملة، ولا يحل مشكلة نقص السيولة في السوق.

آراء الخبراء حول الإقبال على الدولار والجنوح عن الليرة

يؤكد الأكاديمي والباحث المالي الدكتور “محمود عبد الكريم”، أن السبب الجوهري وراء توجه السوريين إلى الدولار ليس قرار استبدال للعملة بحد ذاته، بقدر ما هو في هندسة وابتكار طرق في توزيع النقد الجديد. في شرح “عبد الكريم”: ” المشكلة تكمن في أن سحب النقد القديم من التداول أسرع من قدرة المنظومة على تعويضه بالنقد الجديد، مما يخلق فجوات نقدية مفاجئة تؤدي مباشرةً إلى ارتفاع الأسعار وحدوث تضخم إضافي“.

هذه الفجوات لا تؤثر فقط على أسعار السلع والخدمات، بل تضغط على حركة الأسواق اليومية، حيث يجد التاجر نفسه مضطراً لرفع الأسعار لتعويض نقص السيولة وتأخر التمويل، والمستهلك بالمقابل يخسر قدرة شراء جزء من دخله.

من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي “جورج خزام“، إلى أن السياسات النقدية المتبعة مثل، تقييد السحب وتجميد السيولة في المصارف، تمنح فرصاً المضاربين في السوق للسيطرة على سعر الدولار.

يضيف”خزام”: “عندما يتحكم الصرافون والمضاربون بالعرض النقدي، يتحول سعر الدولار إلى أداة ضغط على القوة الشرائية للمواطنين، ما يؤدي إلى انهيار القدرة الشرائية، توقف النشاط الاقتصادي، زيادة البطالة، وتجميد الأسواق بشكل عام”.

هذه الممارسات تظهر أن تفضيل السوريين الدولار ليس مجرد خوف شخصي، بل هو رد فعل منطقي على خلل النظام النقدي الذي لم يوفر لهم حماية كافية ضد فقدان قيمة الليرة.

ويشير “عبد الكريم” إلى أن حل هذه المشكلة يتطلب استراتيجية مزدوجة: تتمثل أولاً، بتوفير النقد الجديد بكميات كافية ومتزامنة مع سحب العملة القديمة لتجنب أي فجوات. فففثانياً، العمل على تطوير قنوات الدفع الإلكتروني وربطها بسقوف تتناسب مع حجم النشاط التجاري، بحيث يمكن للتاجر والموظف والمستهلك الوصول إلى السيولة دون الحاجة إلى اللجوء للدولار.

ويضيف أخيراً ، أن أي تأخير أو نقص في هذه الإجراءات يعيد إنتاج سوق عمولات ومضاربات صرفة، ويجعل الأسواق عرضة للتقلبات المفاجئة، ما يزيد من العبء على الاقتصاد المحلي.

بالمجمل، من الواضح أن إقبال المواطنين على الدولار، بالرغم من طرح عملة جديدة وحذف صفرين منها يعكس أزمة ثقة بالنظام النقدي والسياسات المالية المتبعة في البلاد، حتى مع وفرة الاحتياطي الذهبي.

ومن خلال ما أوردناه سابقاً، ترى أن السؤال الحقيقي هنا، ليس لماذا يفضّل السوريون الدولار، بل كيف يمكن استعادة الثقة بالليرة؟

من الواضح أن الحل يبدأ باستقرار السيولة، وضمان وصول النقد بسهولة إلى المواطنين، وتنفيذ سياسات استبدال العملة بشفافية وبدون تأخير.

فالعملة ليست مجرد ورق، بل عقد ثقة بين الدولة والمواطن. ومع إعادة هذه الثقة، سيعود الدولار لمكانه الطبيعي كوسيلة تبادل خارجية، لا كملاذ داخلي، ويصبح السوق أكثر استقراراً، مما ينعكس على فرص العمل والقدرة الشرائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى