النمو في شركات المحاماة: إشكالية الهيكل التنظيمي في شركات المحاماة

د. بشر ياقتي – النمو في شركات المحاماة: إشكالية الهيكل التنظيمي في شركات المحاماة
من المراحل التي تمر بها كثير من شركات المحاماة دون أن تنتبه إليها تلك اللحظة التي يتوسع فيها العمل لكن لا تتوسع معه طريقة الإدارة، فيكبر عدد المحامين والعملاء والقضايا بينما يبقى الكيان يُدار بنفس العقلية الأولى التي نشأ بها، فتبدأ علامات الارتباك بالظهور رغم أن المؤشرات الظاهرية تبدو جيدة؛ أعمال أكثر وفريق أكبر وحضور أوسع، لكن داخلياً يبدأ كل شيء بالاعتماد على أشخاص محددين أكثر من اعتماده على البناء نفسه.
وفي البدايات قد لا يكون هذا مشكلة، فالشركة الصغيرة تستطيع أن تعتمد على التواصل المباشر والاجتهاد الشخصي وسرعة الوصول للقرار، بل إن بعض الفوضى تكون محتملة ومفهومة، لكن الإشكال يبدأ عندما يكبر الكيان ويظل يعمل بالمنطق نفسه، فيتحول النجاح السابق تدريجياً إلى عبء إداري جديد.
ومن أكثر المؤشرات التي تكشف هذه المرحلة أنك تبدأ بسؤال بسيط: لو غاب أحد الشركاء أو المديرين أسبوعاً واحداً فهل يستمر العمل بنفس المستوى أم تبدأ الأسئلة بالتراكم والقرارات بالتوقف؟ فإذا كانت معظم الملفات تنتظر شخصاً بعينه فهذا لا يعني أن هذا الشخص ممتاز فقط، بل قد يعني أن الهيكل لم يُبن بعد بالشكل الصحيح.
وفي البيئة القانونية تظهر هذه المشكلة بصورة مختلفة عن القطاعات الأخرى لأن العمل القانوني بطبيعته قائم على الثقة والخبرة والتقدير المهني، فيصبح من السهل أن تتجمع القرارات تدريجياً عند شخص واحد دون إعلان رسمي، فتجد أن الجميع يراجع معه التسعير ويعود إليه في توزيع القضايا وينتظر رأيه في التوظيف ويؤجل الحسم لحين حضوره، حتى يتحول مع الوقت إلى ما يمكن تسميته «مركز الجاذبية الإداري»، وهو منصب لم يُكتب في الهيكل لكنه موجود فعلياً في الواقع.
واللافت أن هذا النموذج ينجح لفترة ويعطي شعوراً بالقوة والسيطرة، لكنه يبدأ لاحقاً بإبطاء الكيان كله، لأن القرارات لم تعد تتحرك وفق النظام بل وفق قدرة شخص معين على الاستيعاب والمتابعة، وكل توسع جديد يصبح ضغطاً إضافياً على الشركة.
ومن المشاهد المتكررة أن شركة محاماة تفتح فرعاً جديداً معتقدة أن نقل اسمها أو بعض أفرادها يكفي لإعادة إنتاج النجاح، ثم تتفاجأ بعد أشهر أن الأداء ليس كما كان متوقعاً، ليس لأن الفريق ضعيف، بل لأن الفرع الأول كان يعتمد على وجود أشخاص أكثر من اعتماده على وجود نموذج تشغيل يمكن نقله وتكراره.
كما أن بعض الشركات تقع في خطأ معاكس فتبدأ في إنشاء أقسام ومسميات بشكل متسارع ظناً أن الهيكل يعني زيادة الطبقات الإدارية، فتظهر إدارات متعددة لكن دون وضوح حقيقي في المسؤوليات، فيصبح الموظف الواحد يتلقى توجيهات من أكثر من جهة، أو تبدأ المهام بالتداخل حتى لا يعود واضحاً من يملك القرار ومن يتحمل النتيجة.
وهنا تظهر إحدى أكثر المشكلات هدوءاً وتأثيراً داخل شركات المحاماة وهي الخلط بين السلطة والمسؤولية؛ فقد يُمنح أحد المديرين مسؤولية النتائج دون أن يُمنح صلاحية اتخاذ القرار، أو يُعطى شخص صلاحيات واسعة دون تحميله نتائج واضحة، فتبدأ القرارات بالارتباك ويظهر الميل لإلقاء المسؤوليات أفقياً داخل الكيان.
ومن الأمثلة التي تتكرر أن يتولى مدير إدارة القضايا متابعة الفريق لكنه لا يملك صلاحية إعادة توزيع الملفات أو تعديل الأولويات، أو يُطلب من مدير الموارد البشرية تحسين الأداء دون أن يشارك في قرارات التوظيف أصلاً، وهنا لا تكون المشكلة في الأشخاص بل في تصميم العلاقة بين الأدوار نفسها.
ومن الزوايا التي لا يُلتفت إليها كثيراً أن الهيكل الجيد لا يُبنى لإظهار السلطة بل لتقليل الحاجة إليها، فكلما كان البناء واضحاً قلت الحاجة للرجوع المستمر إلى القمة، وأصبح القرار يتحرك بشكل طبيعي داخل حدوده دون تعطيل أو تصعيد غير ضروري.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه ليس: كم موظفاً لدي؟ بل: كم قراراً يمكن أن يُتخذ دون أن يمر علي؟ لأن الفرق الحقيقي بين الكيان الذي يعمل والكيان الذي يُدار لا يظهر في عدد الأسماء داخل الهيكل بل في قدرة هذا الهيكل على إنتاج نتائج مستقرة حتى عندما لا يكون الجميع حاضرين في كل لحظة.
وبناءً على ما سبق فإن بناء الهيكل التنظيمي في شركات المحاماة لا يعني رسم خطوط ومسميات بقدر ما يعني توزيعاً واعياً للسلطة والمسؤولية والمعرفة بطريقة تجعل الشركة تعمل كنظام لا كمجموعة أشخاص يعتمد بعضهم على بعض بشكل كامل، لأن الكيان الحقيقي لا يُقاس بقدرته على العمل أثناء حضور قادته فقط بل بقدرته على الاستمرار حتى عند غيابهم.
للملاحظات والمقترحات
bisher.sa@gmail.com
د. بشر: دكتوراه في القانون والأنظمة… يهدف الدكتور بشر من خلال هذه المساهمات إلى تقديم قراءات تحليلية معمقة في الشأن القانوني والاستشاري، بما يخدم شريحة المحامين والمستشارين والمهتمين.
اقرأ أيضاً: إدارة الموارد البشرية في شركة محاماة









