المجتمع السوري

النفايات الإلكترونية في سوريا.. تجارة مربحة ومميتة

أصبحت النفايات الإلكترونية جزءاً من الحياة اليومية في سوريا، بسبب كثرة استخدام الهواتف النقالة، الحواسيب، والأجهزة الكهربائية بشكل عام. هذه النفايات بالرغم من أنها تحمل فوائد كبيرة، إذ يمكن استخراج المعادن الثمينة منها وإعادة تدويرها من أجل صنع أجهزة جديدة، وهذا ما بشأنه أن يدعم الاقتصاد ويقلل من استنزاف الموارد الطبيعية. لكن في الوقت ذاته تشكل خطراً على الصحة والبيئة في حال لم تعالج بشكل صحيح، وذلك لاحتوائها على مواد سامة مثل الزئبق والرصاص وغيرها. لذلك تشكل النفايات الإلكترونية في سوريا تحدياً وفرصة في آن معاً، فالتعامل معها متراوح بين تحقيق الاستفادة الاقتصادية منها والحفاظ على البيئة وصحة المواطن السوري. في مقالنا هذا سنوضح ما هي النفايات الإلكترونية، وكيف تتعامل سوريا معها، ونطرح نموذجاً متقدماً من تعامل الدول مع هذه النفايات.

 ما هي النفايات الإلكترونية في سوريا

النفايات الإلكترونية ببساطة، هي تلك الأجهزة الإلكترونية التي أصبحت غير صالحة للاستخدام إما بسبب عطل ما أو نفاذ عمرها أو لم تعد مناسبة أو تم إصدار أجهزة أحدث، فيتم رمي ذلك الإصدار القديم في القمامة لتشكل في النهاية نفايات إلكترونية.

ما بين أعوام 2019 – 2021 ازداد حجم النفايات والمخلفات الإلكترونية التي تغزو الأسواق السورية، وذلك مع تكثيف إدخال نفايات العالم إليها عبر شبكات تهريب منظمة وكأن سوريا كان ينقصها أزمة إضافية فوق أزماتها.

بدوره حذر “إبراهيم شطاحي” رئيس جمعية التخليص الجمركي في العاصمة دمشق في تلك الفترة، من تحول سوريا إلى مكب للنفايات الإلكترونية التي أنهكت بدورها كاهل الاقتصاد السوري المتهالك أصلاً. وجاءت تصريحاته، تعقيباً على ظاهرة انتشار الكمبيوترات والهواتف النقالة منتهية الصلاحية، والمعاد تصنيعها مرة أخرى بإضافة مواد تجعلها صالحة للاستخدام، ليتم بيعها بأسعار تنافسية.

لا تتوفر إحصائيات دقيقة حول حجم النفايات الإلكترونية التي تدخل الأسواق السورية، إلا أن الخبراء ما زالوا يحذرون من تنامي ركام هذه المخلفات سنوياً، وخطورة السموم الداخلة في تصنيع الأجهزة الذكية كالرصاص والزئبق والباريوم والكاديوم، التي إن تسربت إلى البيئة ستمثل تهديداً للصحة.

اقرأ أيضاً: مخلفات الحرب يعاد تدويرها.. خطر لازال يُحدق بالسوريين

تقارير أممية حول حجم النفايات الالكترونية ومدى ضررها

كشف تقرير الأمم المتحدة الرابع للرصد العالمي للنفايات الإلكترونية، الذي صدر يوم 20 آذار الماضي، عن عدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة أن توليد النفايات الإلكترونية في العالم يتزايد بمعدل 5 مرات أسرع من إعادة تدوير النفايات الإلكترونية الموثقة. حسب التقرير، فإن 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية المتولدة عام 2022 ستملأ 1.55 مليون شاحنة بوزن 40 طناً، وهو ما يكفي تقريباً لتشكيل خط من المصد إلى المصد يحيط بخط الاستواء.

ووفقاً للتقرير، ارتفعت كمية النفايات الإلكترونية بمقدار 2.6 مليون طن سنوياً، منذ عام 2019 حين كانت تقدر بنحو 53.6 مليون طن. وأشار التقرير إلى أنه في حال عدم  إعادة تدوير الإلكترونيات بشكل صحيح، فمن الممكن أن تتسرب المواد الكيميائية السامة، مثل الزئبق إلى التربة والماء والهواء، مما يؤدي إلى الإضرار بالبيئة وتهديد صحة الإنسان. كذلك إن كل معدن لا يتم جمعه من النفايات الإلكترونية المعاد تدويرها يعني مزيداً من المعادن الجديدة التي يجب استخراجها من أجل صناعة الإلكترونيات، والتي لها آثارها البيئية والاجتماعية الكارثية. والجدير بالذكر أن أكثر بلدان العالم إنتاجاً للنفايات الإلكترونية وتصديراً لها “الصين والولايات المتحدة”.

اقرأ أيضاً: مياه الأمطار المهدورة.. كيف تضيع ثروة سوريا المائية بين البحر والجبل

هل لتلك المخلفات فوائد يستفاد منها؟

تشير تقارير إلى أن النفايات الإلكترونية تحتوي على معادن بقيمة 92 مليار دولار، مثل النحاس والذهب والحديد، وهي معادن بدأ بعضها في النفاد من سطح الأرض مع زيادة الطلب عليها لاستخدامها في الصناعات المختلفة. هذه النسبة لفتت بعض الدول لإصدار تشريعات تنظم تصريف تلك المخلفات وبذات الوقت الاستفادة منها كقيمة اقتصادية.

فبدءاً من عام 2023، كان لدى 81 دولة شكل من أشكال التشريعات المتعلقة بالنفايات الإلكترونية، مقارنة بـ78 دولة عام 2019. وقد أحدث هذا فرقاً. فالدول التي تملك تشريعات لديها، في المتوسط، معدل جمع وإعادة تدوير يبلغ 25%، في حين أن غالبية الدول التي ليست لديها تشريعات تقترب من 0%، وسوريا إحدى الدول التي لا تملك تشريعات تنظم تصريف تلك المخلفات الالكترونية.

على سبيل المثال، في أمريكا لا يوجد تشريع فدرالي بشأن النفايات الإلكترونية، ولكن 25 ولاية بالإضافة إلى العاصمة لديها قوانين إعادة تدوير الإلكترونيات، و27 ولاية لديها قوانين الحق في الإصلاح. من ناحية أخرى، لدى الاتحاد الأوروبي قانون لإعادة تدوير واسترداد الإلكترونيات وتوجيهات بشأن الحق في الإصلاح.

الجدير بالذكر أنّ هناك العديد من الأجهزة الإلكترونية ليست مصممة للإصلاح أو إعادة التدوير، في تلك الحالات، لا تزال التشريعات وتكنولوجيا إعادة التدوير المحسنة غير قادرة على استعادة المعادن منها وإعادة تدويرها والاستفادة منها.

السعودية نموذجاً لتصريف المخلفات الإلكترونية

تمكنت المملكة من خلال تشريعاتها والجهود الحكومية التنظيمية من إدارة النفايات الإلكترونية بصورة مستدامة ومحققة للفائدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فقد أصدرت السعودية نظام إدارة النفايات الإلكترونية والكهربائية ولائحته التنفيذية، كما بادرت  إلى إنشاء المركز الوطني لإدارة النفايات “موان” لتنظيم ومرقبة إدارة النفايات مع أهداف واضحة تشمل استبعاد 90- 95 % من النفايات الإلكترونية والبطاريات عن المرادم بحلول عام 2035. كما تهدف لإعادة تدوير ما يقارب 90% منها.

كذلك أطلقت المملكة مبادرات تنظيمية دولية بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات من أجل تعزيز الاقتصاد الدائري الرقمي، إضافةً إلى عمل المملكة على إرسال النفايات الإلكترونية إلى الجهات المتخصصة لفصل المكونات القابلة للتدوير والتبرع بالأجهزة الصالحة للاستعمال للمدارس وللجمعيات غير الربحية.

وقد ساهمت جمعيات مثل “ارتقاء” في إعادة تأهيل الأجهزة الإلكترونية وتوزيعها على الجهات الاجتماعية والتعليمية، بما يدعم المسؤولية الاجتماعية ويحد من الهدر، إلى جانب المبادرات الوطنية مثل “دوّر جهازك” في إعادة تدوير مئات الأطنان من الأجهزة وتقليل الانبعاثات الكربونية وخفض الاحتباس الحراري، إضافة إلى تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة.

كما تأسست الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير “سرك” وشركاتها التابعة مثل “إليكتا” و”إعادة” لتفعيل الاستثمار في القطاع، وإدارة عمليات إعادة التدوير باستخدام تقنيات متقدمة لفصل المكونات، والتخلص من المواد السامة، وإتلاف البيانات بأمان وفق المعايير الدولية، مما يعزز الاقتصاد المحلي ويزيد المحتوى المحلي.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى