سياسة

النظام الضريبي في سوريا: رعاية أم جباية؟

الكاتب: أحمد علي

الضريبة في أصلها ليست عقوبة، بل ثمن خدمات عامة وعدالة في توزيع الأعباء، غير أن سنوات الحرب والانكماش جعلت الحدود بين التمويل المشروع والجباية المُرهِقة أقل وضوحاً، ودفعت سؤال “رعاية أم جباية؟” إلى واجهة النقاش في سوريا.

النظام الضريبي في سوريا اليوم

تستند ضريبة الدخل الحديثة في سوريا إلى القانون رقم 24 لعام 2003، وهو إطار يقسّم مصادر الدخل إلى أبواب تشمل أرباح المهن والحِرف والأعمال، والرواتب والأجور، وريع رؤوس الأموال المتداولة وغيرها، ويحدد فئات الخاضعين للضريبة من أشخاص ومنشآت.

حاول هذا القانون تنظيم العلاقة بين المكلف والإدارة، لكنه ترك مساحة واسعة للتقدير، وعبئاً وثائقياً لا يتناسب دائماً مع اقتصاد يغلب عليه النشاط الصغير والمتوسط، خصوصاً حين تكون الدفاتر ضعيفة والبيانات متناقضة.

إلى جانب ضريبة الدخل، تحتل الضرائب غير المباشرة مكاناً مهماً، وأبرزها “رسم الإنفاق الاستهلاكي” المفروض بموجب المرسوم التشريعي رقم 11 لعام 2015 على سلع وخدمات محددة عبر جداول ونِسب متنوعة، وتُدرج إيراداته ضمن الموازنة العامة. ومع تبدّل السوق واتساع الحاجة للإيراد، جاءت تعديلات لاحقة، منها القانون رقم 15 لعام 2024 وتعليماته التنفيذية التي أشير إلى بدء العمل بها في 1 حزيران/يونيو 2024.

من التشريع إلى التطبيق

الانطباع الشعبي عن النظام الضريبي في سوريا لا تصنعه المواد القانونية وحدها، بل طريقة التحصيل وتعدد الجهات. عندما تتداخل الضرائب مع رسوم وطوابع وأجور خدمات، وعندما تصبح الفاتورة استثناءً لا قاعدة، يتحول الامتثال إلى مساومة مع الواقع. وهنا يتوسع الاقتصاد غير الرسمي، وتظهر مفارقة مألوفة: من يلتزم أكثر يدفع أكثر، لا لأنه الأكثر ربحاً دائماً، بل لأنه الأكثر ظهوراً للمحاسبة، بينما ينجو جزء من النشاط غير المعلن من الرصد.

تتحدث المعطيات عن ضعف فعالية التحصيل بسبب اتساع الاقتصاد غير الرسمي والتهرب، مع عوامل مثل ضعف القدرة الإدارية وتعدد الإعفاءات وبيئة تضخم وانكماش. وفي ظل هذه الحلقة، تتآكل الثقة: المواطن لا يرى عائداً ملموساً، فينخفض استعداده للدفع، والدولة تشدد التحصيل والغرامات لتعويض الفاقد، فتزداد مقاومة الامتثال. المشكلة هنا ليست “أخلاق المكلف” وحدها، بل تصميم نظام يجعل الالتزام مكلفاً ومربكاً، ويجعل عدم الالتزام خياراً أقل مخاطرة لمن يملك قنواته.

جباية تحت ضغط الاقتصاد

لفهم ميل الكفة نحو الجباية، يجب النظر إلى حجم الضغوط المالية. الاقتصاد السوري انكمش بشدة منذ 2010، واتسع الفقر، وتراجعت قيمة العملة، ما جعل الدولة تبحث عن مصادر سيولة وتمويل نفقاتها الأساسية. في مثل هذه الظروف، تبدو الرسوم غير المباشرة أسهل لأن تحصيلها يتم عند نقطة بيع أو خدمة. لكنها غالباً أشد وطأة على ذوي الدخل المحدود، لأنها ترتبط بالاستهلاك اليومي أكثر من ارتباطها بالقدرة على الدفع.

ومع ذلك، الضرائب غير المباشرة ليست شراً بحد ذاتها؛ هي أداة شائعة عندما تُصمم بحس اجتماعي: إعفاء الضروريات أو تخفيضها، ورفع العبء على الكماليات، وربط جزء من الإيرادات ببرامج حماية واضحة. لهذا ظهرت في نقاشات الإصلاح فكرة الانتقال من رسوم مجزأة إلى ضريبة مبيعات أكثر اتساقاً، بنسبة عامة منخفضة وإعفاءات للغذاء والمواد الأساسية، مع تهيئة لاحقة لضريبة قيمة مضافة.

عدالة ضريبية تحتاج ثقة

في 2025 نُشر كثير عن مسودات “نظام ضريبي جديد” يُفترض أن يبدأ تطبيقه مطلع 2026، يقوم على ضريبة موحدة لا تُجزّئ المكلفين بحسب النشاط، ويرفع حد الإعفاء للدخل السنوي إلى ما يعادل 12 ألف دولار، مع إلغاء لجان التصنيف المرتبطة بضريبة الدخل المقطوع، وفرض ضريبة شركات متفاوتة حسب القطاع مثل 10% لقطاعات بينها الصناعة والتعليم والصحة والتكنولوجيا و15% لقطاعات أخرى.

وتكررت في تصريحات وزارة المالية مفردات الشفافية والحوكمة والتحول الرقمي والشراكة مع القطاع الخاص، وهي وعود لا تختبر إلا في التنفيذ اليومي.

الفكرة الأساسية التي يلمح إليها هذا المسار هي توسيع القاعدة بدلاً من مطاردة القلة الظاهرة فقط: إعفاءات واضحة تحمي الدخل المنخفض، مقابل تحصيل أدق من الشرائح الأعلى وربط الشركات ببيانات حقيقية. وهنا يصبح السؤال عن النظام الضريبي في سوريا سؤالاً عن العدالة قبل النسبة: هل تُغلق ثغرات الاستثناءات؟ وهل توجد آلية اعتراض عادلة لا تُعيد المكلف إلى نقطة الصفر؟

ولأن الامتثال علاقة تبادلية، جاءت قرارات لإعفاء المكلفين من الفوائد والجزاءات والغرامات عند تسديد المتأخرات حتى 31 آذار 2026، مع إعفاء جزئي لاحقاً حتى نهاية حزيران 2026، في محاولة لفتح صفحة جديدة وتصفير تراكمات قديمة.

خارطة طريق لمستقبل قريب

إذا كان الهدف أن يصبح النظام الضريبي في سوريا أداة رعاية لا مجرد جباية، فالمفتاح هو جعل الضريبة قابلة للفهم والتوقع. تبسيط النصوص يجب أن يُترجم إلى إجراءات قصيرة، وفوترة سهلة، ونافذة إلكترونية لا تتطلب مهارات استثنائية. كذلك، فإن التشاور العام على المسودات خطوة مفيدة عندما تكون حقيقية وتُبنى عليها تعديلات، وقد فُتح باب استقبال الملاحظات على مشاريع قوانين خلال 2025 بحسب ما أكدت بعض وسائل إعلام.

بعد ذلك يأتي ما يهم الناس فعلاً: شفافية أين تذهب الإيرادات، ولو عبر تقارير مبسطة عن الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية، لأن إعادة الثقة لا تتحقق بخفض النسب فقط. كما أن محاربة التهرب يجب أن تكون انتقائية ذكية: حماية صغار المكلفين من التعقيد، وتشديد حقيقي على كبار المتهربين الذين يملكون أدوات الإخفاء. عندها فقط يمكن أن يتحول السؤال من “كم ستأخذ الدولة؟” إلى “كيف ستستخدم ما تأخذه؟”.

اقرأ أيضاً: هل طباعة العملة حل للأزمة الاقتصادية السورية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى