المياه كسلاح جيوسياسي في سوريا: من أزمة مناخية إلى أداة صراع

في دراسة بحثية نشرتها المجلة الدولية للدراسات الاقتصادية في أيار 2025، تناولت الدكتورة زبدة رفيقة – البروفسورة في جامعة زيان عاشور في الجزائر – قضية المياه في سوريا من منظور جيوسياسي، موضحة كيف تحولت من مورد حياة إلى أداة صراع ووسيلة ضغط في أيدي الفواعل المتحاربة.
ترى الكاتبة، استناداً إلى أبحاث ودراسات علمية متخصصة، أن الحروب المستقبلية ستكون في جوهرها «حروب مياه»، وهو ما يبرز بوضوح في الحالة السورية منذ عام 2011، حيث التقت آثار التغير المناخي وسنوات الجفاف مع سوء الإدارة الحكومية، لتشكّل أرضية خصبة لعسكرة المياه وتحويلها إلى ورقة مساومة بين القوى المتصارعة.
هذه القراءة تسلط الضوء على أبرز ما جاء في الدراسة، بأسلوب تبسيطي يدمج بين المضمون الأكاديمي والبساطة السردية، لتوضيح البعد الجيوسياسي للأزمة المائية السورية وانعكاساتها الإنسانية.
أزمة المناخ وبذور الصراع
لم يكن الجفاف الذي ضرب سوريا بين عامي 2006 و2011 حدثاً مناخياً عابراً، بل كارثة بيئية واقتصادية واجتماعية غيرت ملامح الريف السوري. فقد تراجع متوسط هطول الأمطار إلى أقل من 50% من معدلاته المعتادة في بعض المواسم، وتضررت المحاصيل البعلية (قمح، شعير) بشكل حاد، مما أجبر الحكومة على استيراد القمح لأول مرة منذ عقود.
النتيجة كانت انهيار سبل العيش لأكثر من مليون ونصف المليون من سكان الأرياف، دفعهم للنزوح إلى المدن الكبرى بحثاً عن فرص عمل ومصادر دخل. ومع ارتفاع البطالة وتدهور مستوى المعيشة، تراكمت الاحتجاجات الشعبية في مناطق مثل درعا وحمص وحماة، في ما أطلق عليه لاحقاً «الانتفاضة الريفية».
توزيع غير عادل وإدارة فاشلة للمياه
أحد العوامل الجوهرية التي فاقمت الأزمة هو غياب العدالة في توزيع الموارد المائية، وسوء الإدارة الحكومية التي ترافقت مع التمييز المجتمعي والسياسي. فالمناطق التي تقطنها غالبية كردية في الحسكة والقامشلي شهدت تقليصاً للمساحات المروية، في وقت كانت فيه الحكومة عبر الفساد تمنح تسهيلات واسعة لمناطق أخرى في وادي الفرات، تسكنها أغلبية من العشائر، عبر وسائل متعددة، بما في ذلك التعامي عن الضخ غير القانوني، أو الاشتراك فيه في بعض الأحيان.
إلى جانب ذلك، افتقرت معظم المدن السورية إلى محطات معالجة مياه الصرف الصحي، باستثناء عدد محدود من المدن الكبرى، مما ساهم في تلوث الأنهار والمياه الجوفية، وزاد من ندرة المياه الصالحة للشرب.
عسكرة المياه: استراتيجيات السيطرة
مع تحول الصراع السوري إلى حرب متعددة الأطراف، سرعان ما أدركت القوى المسلحة الفاعلة والمتعددة في المشهد السوري، أنّ السيطرة على الموارد المائية تمنحها نفوذاً يفوق أحياناً السيطرة على المدن. إذا ما أردنا ذكر أمثلة عن الموضوع، يمكننا إيراد الأمثلة التالية:
-
تنظيم داعش: سيطر على سدود الفرات وتشرين والبعث، وقطع المياه عن مناطق النظام، وأغرق أراضٍ زراعية لحرمان الخصوم من الموارد، بل ولجأ إلى تلويث مصادر المياه برمي الجثث في الأنهار والسدود.
-
تركيا: استخدمت مياه محطة علوك في رأس العين كورقة ضغط على “الإدارة الذاتية”، خاصة بعد عملية «نبع السلام»، وهو ما أدى إلى انقطاع المياه عن أكثر من نصف مليون شخص في شمال شرق سوريا.
-
قوات سوريا الديمقراطية: ردت في بعض الحالات بفتح قنوات الري لإغراق مناطق خاضعة لداعش أو الجيش التركي، وأحياناً دون اعتبار للعواقب البيئية أو الزراعية.
هذه الممارسات لا يمكن إدراجها فقط ضمن التكتيكات العسكرية «هذا حتّى ممنوع وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني»، بل أدوات تفاوضية لإعادة رسم خرائط النفوذ، وتثبيت السيطرة على مناطق استراتيجية.
الأثر الإنساني: المدنيون في قلب الاستهداف
المدنيون كانوا الخاسر الأكبر في حرب المياه السورية، إذ انعكست الأزمة على حياتهم في أكثر من جانب:
-
الأمن الغذائي: رغم تحسن محدود في إنتاج القمح عام 2022، ظل نحو 10% من الإنتاج تحت سيطرة الإدارة الذاتية، التي امتنعت عن بيعه لمناطق أعدائها، ما أجبر أولئك على الاستمرار باستيراده بكلف أعلى.
-
النزوح واللجوء: كان فقدان مصادر المياه دافعاً رئيسياً لنزوح داخلي قُدّر بأكثر من مليوني شخص عام 2022، فضلاً عن لجوء 5.4 مليون سوري لأسباب متصلة بالحرب إلى دول الجوار، ما شكل ضغطاً هائلاً على الموارد المائية والبنى التحتية في تلك الدول.
-
الصحة والتعليم: تلوث المياه وغياب المعالجة زادا من انتشار الأوبئة، فيما تراجعت معدلات الالتحاق بالمدارس إلى نحو 61% عام 2021، وهو مستوى يعيد سوريا إلى واقع ثمانينيات القرن الماضي.
البعد الإقليمي للصراع المائي
الأزمة المائية السورية ليست منعزلة عن السياق الإقليمي، بل تتداخل مع سياسات تركيا المائية في نهري دجلة والفرات، التي تعتمد على تحديد حصص ثابتة أقل من الاتفاقيات السابقة، ما يفاقم نقص المياه في سوريا والعراق.
كما أن العقوبات الاقتصادية الدولية عرقلت «ولا تزال تعرقل» جهود إصلاح البنية التحتية المائية أو تشغيل محطات الضخ وصيانتها.
خلاصة البحث: المياه كشرط لأي تسوية سياسية
تكشف التجربة السورية أن النزاع على المياه قد يكون سبباً في إطالة أمد الحرب بقدر ما كان من أسباب اندلاعها. فالتغير المناخي وسوء الإدارة زرعا بذور الأزمة، لكن عسكرة المياه جعلتها جزءاً لا يتجزأ من معادلة القوة والنفوذ في البلاد.
وأي محاولة لبناء سلام مستدام في سوريا لن تنجح ما لم تتضمن معالجة شاملة لقضية المياه، تضمن التوزيع العادل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتحييد هذا المورد الحيوي عن الصراعات السياسية والعسكرية.
اقرأ أيضاً: سوريا الجديدة: معضلة السلاح والمقاتلين – من يحكم البنادق بعد الحرب؟
اقرأ أيضاً: ما وراء الصراع في الجنوب السوري… وكيف يمكن إنقاذ سوريا؟









