المياه في جرمانا: طبقية مائية بين الأحياء أم مجرد خطط غير مدروسة؟

بقلم: ديانا الصالح
لا تزال شكاوى أهالي مدينة جرمانا تتصاعد على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم التحسن النسبي للمياه، نظراً لتزايد الفارق بين الأحياء في مستوى الخدمة وانتظامها، وهذا ما يصفه مراقبون بنوع من “الطبقية المائية”، ففي الوقت الذي يتحدث فيه أبناء حي النهضة على سبيل المثال عن تحسن الواقع المائي، يبرز كشكول كواحد من الأحياء المتضررة بانقطاع المياه حتى في فصل الشتاء السخي.
وإلى ذلك، يطلّ أصحاب الصهاريج بمظهر المنقذ القسري نتيجة لتفاوت أسعارهم وكسر بعضهم مبدأ الأمانة في التعبئة وفقاً لما يرويه مواطنون، وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات ملحة: ما أسباب استمرار الانقطاعات المتكررة للمياه في عدة أحياء ضمن مدينة جرمانا؟ وكيف يمكن إيجاد حلول جذرية لها؟ وهل يُعتبر فصل الشتاء استراحة مؤقتة لأزمة مؤجلة؟
للمزيد من التفاصيل عن واقع المياه في جرمانا، تابع مقالنا التالي..
المياه في جرمانا موسمية أم دائمة؟
لا تزال قضية المياه وتوافرها في مدينة جرمانا تتصدر المشهد الخدمي في سوريا، في ظلّ ورود عدة شكاوى تتحدث عن الانقطاعات المتكررة لا سيما في أوقات الذروة، فضلاً عن تباين المستوى الخدمي بين حي وآخر.
وعلى الرغم من التحسن النسبي الذي خفف من حدة معاناة سكان المدينة، إلا أنه يوصف بالموسمي والمحدود وفقاً لشهادات بعضهم، مؤكدين أنه حالة اعتيادية ترتبط بفصل الشتاء وتتكرر سنوياً دون حلول جذرية.
وفي هذا الصدد، تؤكد مصادر محلية مواجهة خدمات المياه في ريف دمشق تحديات جمّة، متجسدة بتكرار أعطال مضخات المياه والشبكات، حيث يُقدر بأن هناك حوالي 1500 مضخة خارجة عن الخدمة من أصل 4000 مضخة بحاجة إلى صيانة، الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على الواقع الخدمي من خلال الانقطاع المتكرر ولجوء الأهالي إلى الصهاريج الخاصة لسدّ احتياجاتهم.
فيما تتجسد المساعي الرسمية، بجهودها المُعلنة لتخطي الأزمة المائية، وهذا ما تترجمه بيانات هيئة مياه دمشق وريفها حول إعلان توقيع اتفاقية مع منظمة “رحمة بلا حدود”، وتقدر قيمتها بمليوني دولار، تعزيزاً للأمن المائي ضمن المحافظة، عبر العمل على إعادة تأهيل واستعادة الآبار إلى جانب الشبكات المائية في عدد من المناطق.
استراحة مؤقتة وتلاعب
تباين سعري واضح وغياب للرقابة، ذلك هو الحال الذي وصل إليه سكان جرمانا، وللوقوف على أزمة أسعار المياه تواصلت “سوريا اليوم24” مع أبو يزن (صاحب صهريج)، الذي أكد أن تحديد التكلفة يتم وفقاً لبعد المسافة ورقم الطابق، ولكن السعر الوسطي لخمسة براميل فقط يبدأ من 75 ألف ليرة للمياه غير الصالحة للشرب، إلا أنها نظيفة للاستخدام المنزلي وفقاً لتصريحه، بينما تصل أسعار مياه الشرب إلى 100 ألف ليرة سورية، موضحاً ضرورة إعلامه برقم الطابق الذي يرفع السعر بشكل تدريجي نتيجة التعب والجهد الإضافي في سحب الخراطيم إلى الأعلى.
وفي هذا السياق، ينقل “أبو محمد” (صاحب صهريج آخر) لسوريا اليوم24 تقديراً سعرياً مختلفاً بعض الشيء، حيث يُقدّر سعر 5 براميل من مياه الآبار بحوالي 60 ألف ليرة سورية، مع مراعاة شرطي المسافة والارتفاع كذلك الأمر، بوصفها معايير أساسية في تحديد السعر النهائي للمياه.
في المقابل، تسلط شهادات السكان الضوء على واقع مرير من الاستغلال والتلاعب، حيث يشتكي مواطن (فضل عدم ذكر اسمه) لسوريا اليوم24 من التفاوت السعري بين الصهاريج الذي أرهق كاهل السكان، قائلاً: “اتفقت على سعر 13 ألف ليرة سورية للبرميل، لكنني فوجئت بزيادة 4 آلاف ليرة بعد التعبئة بحجة الجهد المبذول في الوصول للطابق العلوي، ولم يتوقف الأمر عند السعر، بل تجاوزه ليطال الضمير والأمانة، حيث أكد المواطن تعرضه للغش قائلاً: “عندما تفقدت خزاني وجدته ممتلئاً للنصف فقط رغم دفع الثمن كاملاً”.
وعند سؤال المواطن عن واقع إمدادات المياه حالياً، أجاب بأنه في الحالة المعتادة المياه تكون أفضل نسبياً في فصل الشتاء مقارنة بالصيف، قائلاً: “هذا ما نعتبره استراحة مؤقتة، واليوم التقنين الكهربائي يتمثل بثلاث ساعات وصل مقابل 3 قطع، مشيراً إلى مخاوف من عودة تردي الخدمة مع أول بوادر الصيف كما هي بحكم العادة، وهذه الحال لا تقتصر على مدينة جرمانا فحسب، بل تتشارك فيها معظم مناطق ريف دمشق.
فيما تتوارد عدة شكاوى على مواقع التواصل الاجتماعي من سوء الخدمة حتى في فصل الشتاء، ضمن عدة أحياء في مدينة جرمانا، مثل منطقة كشكول وكرم الصمادي إلى جانب ساحة الروضة، حيث تعلو أصوات المطالبة بتحسين الخدمة.
وهذا ما يؤكده مواطن من كشكول عبر تعليق له على صفحة بلدية جرمانا الرسمية، قائلاً: “إن الحي يعاني من أزمة مياه عميقة، فقد تجاوزت مدة انقطاع المياه عن المنطقة عتبة السنة، مطالباً بإيجاد حلّ جذري يخفف من معاناة الأهالي المادية والنفسية.
تلك الشهادات تعكس حجم التفاوت الذي يُطلق عليه ناشطون محليون ” بالطبقية المائية”، ما يثير عدة تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء توفير المياه ببعض المناطق مقابل تراجعها بمناطق أخرى، وهنا تجدر الإشارة إلى شكاوي عدد من أبناء المدينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي من عدم وصول مياه الفيجة إلى جرمانا.
عوامل تقنية وإدارية
حاولنا التواصل مع بلدية جرمانا للوقوف عند حجم المشكلة وتكوين صورة متكاملة عن الأسباب المُحتملة والوقائع، لكننا لم نتلقّ رداً حتى لحظة إعداد التقرير، وبالعودة إلى تصريحات سابقة لرئيس البلدية وهيب حميدان، فتتبين لنا الأسباب الجوهرية وراء سوء الخدمة التي يعانيها السكان، لا سيما في فصل الصيف.
فقد أشار حميدان إلى التحسن النسبي بحال المياه في جرمانا بعد تعديل التقنين الكهربائي، متطرقاً بحديثه عن ارتباط أزمة انقطاع المياه التي يعانى منها أهالي المدينة بضعف إمدادات الكهرباء بشكل عام، مما ينعكس بشكل سلبي على القدرات التشغيلية لمحطات الضخ، مشيراً إلى استمرار الجهود للوصول إلى حلول تحدّ من معاناة السكان.
وأكد حميدان تواصله مع رئيس وحدة المياه ومناقشتهما الأسباب الكامنة وراء سوء الخدمة، التي تتمحور حول سببين رئيسيين هما حاجة خزانات الضخ للصيانة حتى تتمكن من ضخ المياه عبر الشبكة بشكل جيد، إلى جانب مشكلة الكهرباء، موضحاً أن مؤسسة المياه أيضاً تعاني من تعقيدات إدارية مع المحافظة، فإذا تعطلت مضخة تحتاج لموافقة وأوراق يمكن أن تستغرق مدة شهرين.
المياه غير صالحة للشرب
تجدر الإشارة إلى أن المياه التي تُضخ لمنازل مدينة جرمانا غير صالحة للشرب وفقاً للمصادر المحلية، فهي غالباً ما تصل مع أتربة إلى جانب كونها كلسية وملوّثة، الأمر الذي يزيد من اعتماد الأهالي على صهاريج التعبئة الخاصة، ما يخلق عبئاً معيشياً إضافياً مع عدم وجود تسعيرة محددة لجميع الباعة.
ويرى ناشطون محليون أن أسباب عدم صلاحية المياه في جرمانا للشرب تعود إلى مشاكل في المصدر ذاته، وتآكل شبكات التوزيع إلى جانب ضعف عمليات التعقيم، فضلاً عن عامل الاكتظاظ السكاني الناجم عن توسع المدينة عن طريق المخالفات، فهناك أحياء كاملة وطوابق متعددة من المخالفات التي مرت دون حسيب أو رقيب وفقاً لما يصفه الناشطون، مشيرين إلى أن ذلك التوسع أدى إلى ترهل البنية التحتية الذي انعكس سلباً على مستوى الخدمات.
هذه الأسباب تعزو أيضاً التفاوت في مستوى الخدمة المائية بين أحياء المدينة نفسها، فالازدحام السكاني وانتشار العشوائيات الناجم عن سنوات من الفساد والنهب، وتفضيل مصالح التجار على أمن ومعيشة السكان، أفضت في نهاية الأمر إلى واقع خدمي متدهور تعيشه مناطق دون أخرى، مع الإجماع على سوئها في مختلف الأحياء خلال فصل الصيف.
حلول مقترحة
أما عن الحلول لواقع أزمة المياه في جرمانا، فيشير خبراء اقتصاديون إلى الحاجة إلى سياسات وخطط استراتيجية بعيدة المدى قادرة على انتشال الواقع المائي من أزمته المأساوية، التي يدفع ضريبتها السكان، فالمشاريع والاتفاقيات النظرية لا تكفي دون ترجمة فعلية على أرض الواقع وفقاً لرأيهم.
وتتمثل المقترحات الإصلاحية وفقاً لرؤية الخبراء بمزيج من الحلول قصيرة وبعيدة المدى، لتفادي المشاكل الحالية مع العمل على التخطيط لأمن مائي مستدام، وذلك من خلال زيادة ساعات التغذية الكهربائية بشكل منتظم مما يعزز استمرارية تشغيل مضخات المياه، بالتالي زيادة الضغط على الشبكات والقدرة على تقليص الفوارق بين الأحياء وضمان وصول المياه إلى الطوابق العليا، إضافة إلى تنفيذ مشاريع خاصة بالإصلاح الشامل والمتكامل للآبار والمضخات، فضلاً عن دراسة إمكانية القيام بمشاريع تخزين فعالة مثل الخزانات الضخمة وربطها بالشبكة.
كما يشير الخبراء إلى ضرورة تكافل العمل المؤسساتي الجماعي لوضع خطط وطنية بعيدة المدى، فالتنسيق المتكامل بين وزارة الكهرباء ومؤسسة المياه، يمكنه إحداث فارق نوعي في تحسين الخدمة وضمان التوزيع العادل بين جميع أحياء ريف دمشق عامة وجرمانا خاصة.
إن مسألة تحسين الخدمات في مدينة جرمانا التي تعاني أيضاً من انقطاعات الإنترنت والاتصال بشكل متكرر، إلى جانب موسمية الخدمة المائية، مرهونة بتحقيق الوعود الرسمية بعيداً عن التصريحات النظرية وإعلان الاتفاقيات دون حلول استراتيجية واضحة، مما يعكس ضعفاً ملموساً في التخطيط والإدارة.
اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا: هل من مخرج من شبح العطش؟









