المجتمع السوري

الموفدون السوريون: صرخة من الاغتراب لحل مشاكل الأكاديميين

بقلم هلا يوسف

كثير من الأحلام يبنيها الطالب خلال مسيرته الدراسية، ومن ضمنها الإيفاد إلى الخارج، لكونها فرصة للدراسة في جامعات عالمية واكتساب خبرات علمية جديدة ثم العودة لخدمة الوطن. لكن تحول هذا الحلم إلى كابوس بالنسبة لآلاف الموفدين السوريين منذ سنتين، عدا عن المشكلات الإدارية والمالية المتعلقة بالموضوع.

فقد وجد الكثير من الموفدين أنهم عالقين بين مشكلات عديدة ومتداخلة منها قوانين الإيفاد، والظروف التي فرضتها الحرب، والمطالبات المالية، وانقطاع الرواتب. وبالتالي بدلاً من أن ينتهي مشوار الدراسة بالعودة إلى الوطن، تحولت سنوات الدراسة إلى عبء قانوني ومالي ونفسي ما زال ينتظر حلاً حتى اليوم.

وعاد طرح هذا الملف خلال الفترة الماضية نتيجة تحريك الطلاب له، فقد تزايدت الدعوات المطالبة بإيجاد تسوية عادلة تراعي ظروف الموفدين وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق الدولة، خصوصاً أننا لا نتحدث هنا عن حالات فردية، بل عن آلاف الباحثين والكفاءات العلمية التي تحتاج إليها البلاد في مرحلة إعادة الإعمار.

من مشروع لبناء الكفاءات إلى ملف معقد

من الواجب أن نعود إلى قوانين الإيفاد لفهم ما يحدث مع الطلاب بشكل أفضل. فبالأصل كان برنامج الإيفاد أحد أهم المشاريع التي اعتمدت عليها الدولة لتأهيل كوادر علمية متخصصة. فقد كانت الجامعات تختار الطلاب المتفوقين وترسلهم إلى جامعات خارجية للحصول على درجتي الماجستير أو الدكتوراه في اختصاصات تحتاجها الجامعات السورية، بشرط أن يعودوا بعد انتهاء دراستهم للعمل في التدريس والبحث العلمي.

لكن تغير كل شيء مع اندلاع الثورة السورية عام 2011. فالحرب وما رافقها من ظروف أمنية ومعيشية وصعوبات في التنقل جعلت كثيراً من الموفدين غير قادرين على العودة في الوقت المحدد، بينما استقرت حياة آخرين في بلدان الإيفاد بعد سنوات طويلة من الدراسة وتكوين الأسر وبناء مسارهم المهني.

ومع مرور الوقت، أصبحت أوضاع هؤلاء معقدة أكثر، خصوصاً مع صدور تعديلات قانونية جديدة فرضت التزامات مالية على عدد من الموفدين، الأمر الذي أدى إلى بقاء الملف مفتوحاً حتى اليوم.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الموفدين الذين ما تزال أوضاعهم عالقة حوالي 4500 موفد في تخصصات طبية وهندسية وتقنية وإنسانية، إلى جانب آلاف الكفلاء الذين تأثروا هم أيضاً مع استمرار هذا الملف دون تسوية نهائية.

ويرى الموفدون أن المشكلة لم تعد مجرد تطبيق للقانون، بل أصبحت قضية تحتاج إلى النظر في الظروف التي عاشها كل شخص خلال السنوات الماضية، لأن كثيراً منهم لم يتخذ قرار البقاء في الخارج بإرادته الكاملة، وإنما فرضت عليه الظروف واقعاً مختلفاً عما كان مخططاً له عند توقيع عقد الإيفاد.

المطالبات المالية… أين يذهب مبدأ الإنصاف؟

الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف بالنسبة للموفدين هي المطالبات المالية التي تطالب بعضهم بإعادة الأموال التي أنفقتها الدولة خلال سنوات الإيفاد. فبنظرهم هذه الأموال لم تكن منحة شخصية أو مكافآت يمكن الاحتفاظ بها، بل صُرفت بالكامل على متطلبات الدراسة، من رسوم جامعية، ومراجع علمية، وأبحاث، وسكن، وتأمين صحي، ونفقات معيشية أساسية مكنتهم من الاستمرار في الجامعات التي أوفدوا إليها. ولذلك يطرح الكثير منهم تساؤل: كيف يمكن اعتبار هذه النفقات ديوناً تجارية بعد كل هذه السنوات؟

ويزداد هذا الشعور مع المقارنة التي يطرحها الموفدون بين أوضاعهم وبين التسهيلات التي حصل عليها المقترضون من المصارف، فقد أتاحت الأخيرة تسويات مالية واسعة لآلاف المقترضين، بينما ما يزال الباحثون والأكاديميون يواجهون مطالبات مالية كبيرة، رغم أن ما تم الإنفاق عليهم كان استثماراً في التعليم وليس مشروعاً ربحياً.

بينما ترى الجهات الرسمية أن تطبيق القوانين يهدف إلى حماية المال العام وضمان المساواة بين جميع الموفدين، وأن أي معالجة يجب أن تتم ضمن إطار قانوني يحفظ حقوق الدولة ولا يفتح الباب أمام استثناءات قد تؤثر في منظومة الإيفاد مستقبلًا.

وبين هذين الرأيين، يبرز سؤال يتكرر باستمرار: هل يمكن الوصول إلى تسوية تحقق العدالة للطرفين، فلا تضيع حقوق الدولة ولا تتحول سنوات الدراسة إلى عبء يمنع أصحابها من العودة؟

الرواتب المتوقفة… أزمة معيشية تهدد المستقبل العلمي

إذا كانت المطالبات المالية تمثل المشكلة القانونية، فإن انقطاع الرواتب يمثل بالنسبة للموفدين الأزمة اليومية التي يعيشونها. فمنذ نحو عامين، توقفت مستحقات عدد كبير من الموفدين، بالرغم من أن قوانين الإيفاد تمنعهم من العمل أثناء فترة الدراسة حتى يتفرغوا بشكل كامل للبحث العلمي.

وهنا بدأت المعاناة الحقيقية، فقوانين الإيفاد تختلف من دولة لأخرى، ففي دول مثل الهند وكوبا، لا تسمح القوانين للطلاب الأجانب بالعمل، بينما تفرض دول أخرى قيوداً تجعل الحصول على فرصة عمل أمراً صعباً جداً. وبذلك مع توقف الرواتب، وجد كثير من الموفدين أنفسهم يعتمدون على الاستدانة أو على مساعدات الأصدقاء لتغطية تكاليف المعيشة والدراسة.

ولا تقتصر المصاريف على الطعام والسكن فقط، بل تشمل رسوم الجامعات، والاختبارات، ونفقات المختبرات، ورسوم نشر الأبحاث العلمية، وهي متطلبات أساسية لا يمكن الحصول على الشهادة من دونها.

ويروي بعض الموفدين أن ديونهم أصبحت بالآلاف، بينما اضطر آخرون إلى تأجيل سداد الأقساط الجامعية أو تأخير نشر أبحاثهم، وهو ما يهدد بتأخير تخرجهم، وبالتالي تعريضهم لمساءلات قانونية بسبب عدم إنهاء الدراسة في الوقت المحدد.

أما الموفدون الذين يعيشون مع زوجاتهم وأطفالهم، فيتحدثون عن ضغوط نفسية متزايدة نتيجة تراكم الديون وغياب أي موعد واضح لصرف المستحقات، حتى إن بعض الأسر أصبحت غير قادرة على تأمين تكاليف السفر أو العودة إلى سوريا.

ورغم التصريحات الرسمية التي تؤكد أن الأموال أصبحت جاهزة وأن الصرف ينتظر استكمال الموافقات المطلوبة، يقول الموفدون إن هذه التصريحات تكررت أكثر من مرة دون أن تنعكس على حياتهم بصورة عملية.

هل تكون التسوية بداية صفحة جديدة؟

وبسبب الأمور السابقة، بدأ عدد من الموفدين بطرح حلول بدل الاكتفاء بعرض المشكلة. ومن أبرز هذه المبادرات مبادرة “سوريا أولًا”، التي وقع عليها أكثر من ألف موفد، وتقترح معالجة الملف عبر مسارين متوازيين. الأول إداري ويشمل تسهيل عودة الراغبين، وتجميد الملاحقات القضائية مؤقتاً، وتخفيف الإجراءات الإدارية، ومنح مهلة زمنية لتنظيم الأوضاع.

أما المسار الثاني فيركز على التسوية المالية، من خلال اعتماد آلية موحدة وعادلة تراعي اختلاف الظروف، مع السماح بالتقسيط حتى يتمكن الموفدون من إنهاء التزاماتهم دون أن تتحول إلى عبء دائم.

كما تقترح المبادرة إنشاء صندوق لدعم التعليم العالي يساهم فيه الموفدون أنفسهم بمبالغ شهرية، بحيث تتحول معالجة الملف إلى فرصة لدعم الجامعات والبحث العلمي بدل أن تبقى مجرد قضية خلافية.

ويرى كثير من المختصين أن أهمية هذا الملف لا تتعلق فقط بحقوق الموفدين أو بحقوق الدولة، وإنما ترتبط بكيفية الاستفادة من آلاف الخبرات السورية الموجودة في الخارج، سواء عاد أصحابها إلى البلاد أو شاركوا في مشاريع البحث العلمي والتعليم عن بعد.

في النهاية، أكثر من عشر سنين لم تستطع حكومة النظام حل مشكلة الموفدين السوريين. واليوم بدأت هذه المشكلة بالظهور بشكل أكبر بعد سنتين تقريباً من التحرير، وبدء الدولة السورية الممثلة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنفيذ ما كان يجب تنفيذه. لكن هذا الملف يحتاج إلى إنصاف للحقوق مثله مثل الكثير من الملفات الأخرى، خصوصاً وأن الحديث هنا عن أكاديميين وباحثين تحتاجهم سوريا في مرحلة إعادة الأعمار.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى