المواطنة المعلقة: قصة الأكراد السوريين بين إحصاء الحسكة ومرسوم الاعتراف

بقلم هلا يوسف
تعد قضية الأكراد السوريين المجردين من الجنسية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ الدولة السورية الحديث. وشكلت نواة خروج الأكراد ضد النظام السابق الذي عمل على تهميشهم، وتصنيفهم كأجانب، مما أفقدهم الكثير من حقوقهم. وفي هذا المقال سنستعرض جذور هذا الملف، وتصاعد التهميش مع قانون إحصاء 1962 الذي أوجد تقسيماً قانونياً صارماً للأكراد بين فئات مختلفة، حرمتهم حقوق المواطنة لعقود طويلة. وصولاً إلى محاولات النظام السابق تهدئة الأكراد عند اندلاع الثورة السورية، ومن ثم اعتراف الحكومة السورية الجديدة بهم.
فترة الانتداب الفرنسي والاحتلال العثماني
قبل انهيار الدولة العثمانية، كان سكان مناطق سوريا الحالية، بمن فيهم الأكراد، يحملون الجنسية العثمانية، التي شكلت الإطار القانوني الجامع لهم. لم يكن هناك تقسيمات سياسية أو قيود على الحركة، وكانت العشائر الكردية تتحرك بحرية ضمن فضاء الدولة العثمانية.
ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع عشرينيات القرن العشرين، دخلت سوريا مرحلة الانتداب الفرنسي، في سياق إعادة رسم الحدود وتقاسم مناطق النفوذ بين فرنسا وبريطانيا وتركيا. خلال هذه المرحلة، بقيت الحدود السورية التركية غير مستقرة نحو خمسة عشر عاماً، إلى أن استقرت عام 1939 باعتماد خط سكة حديد بغداد إسطنبول كحد فاصل.
اعتمد الانتداب الفرنسي مبدأ الإقامة المكانية كأساس لمنح الجنسية السورية، بحيث يمنح كل من يقيم داخل حدود الدولة الجديدة الجنسية، ويسحب منه الانتماء العثماني. ومع ذلك، أصاب هذا التحول المناطق الكردية في شمال وشرق سوريا بخلل عميق، إذ قسمت العشائر والعائلات الكردية بين عدة دول، وبرزت دعوات داخل النخبة السورية لإجراء تغييرات ديموغرافية خشية نشوء كيان كردي مستقل.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة، اتخذت هذه المخاوف طابعاً أمنياً ممنهجاً، توج بتقارير رسمية دعت إلى تجريد الأكراد من الجنسية وإضعاف هويتهم الثقافية.
قانون إحصاء الحسكة 1962 وتداعياته
وفي الثالث والعشرين من آب عام 1962، أصدرت حكومة الانفصال في سوريا المرسوم التشريعي رقم 93، في خطوة شكلت المنعطف الأخطر في مسألة المواطنة لدى الأكراد السوريين. استند المرسوم إلى قرارات حكومية سابقة، ونص على إجراء إحصاء سكاني استثنائي في محافظة الحسكة وحدها دون بقية المحافظات، وهو ما عكس منذ البداية طابعاً استهدافياً واضحاً. اشترط المرسوم على السكان إثبات إقامتهم في سوريا منذ عام 1945 على الأقل، وقرر تنفيذ الإحصاء خلال يوم واحد فقط، على أن تحال نتائجه لاحقاً إلى لجنة عليا تقرر تثبيت القيد أو رفضه في سجلات الأحوال المدنية.
وفي الخامس من تشرين الأول 1962 تم تنفيذ الإحصاء فعلياً، وسط فوضى إدارية وضيق وقت وعدم قدرة آلاف العائلات، خصوصاً في القرى والمناطق الريفية، على توفير الوثائق المطلوبة، رغم أن معظمهم كانوا مقيمين في المنطقة منذ عقود طويلة. أسفر الإحصاء عن تقسيم الأكراد في الحسكة إلى ثلاث فئات قانونية متباينة، حيث احتفظ قسم بالجنسية السورية، بينما جرد عشرات الآلاف منها وسجلوا “كأجانب”، بينما خرجت فئة أخرى كاملة من أي وجود قانوني تحت مسمى “مكتومي القيد”.
وبررت السلطات هذه الإجراءات بالادعاء أن المجردين من الجنسية مهاجرون قدموا من تركيا نتيجة الثورات الكردية في عشرينيات القرن الماضي، وهو تبرير تجاهل حقيقة أن غالبية سكان الحسكة استقروا في المنطقة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، أي قبل ضم الجزيرة العليا إلى سوريا، عدا عن تعارضه الصريح مع معاهدة لوزان لعام 1923 والمرسوم الفرنسي رقم 2825 لعام 1924 اللذين كرسا مبدأ الإقامة كأساس للجنسية.
ولم يقتصر أثر الإحصاء على الأفراد المجهولين، بل طال شخصيات وطنية بارزة مثل اللواء توفيق نظام الدين، القائد السابق للجيش السوري، وشقيقه الوزير عبد الباقي نظام الدين، رغم امتلاك عائلتهما مساحات واسعة من أراضي القامشلي.
ومع مرور السنوات، تحولت نتائج الإحصاء إلى بنية قانونية ثابتة حرمت أكثر من نصف مليون كردي من حقوقهم الأساسية، فحرموا من التوظيف في القطاع العام، ومنعوا من الترشح والانتخاب، وحظر عليهم التملك العقاري وتسجيل المركبات، وفرضت عليهم قيود مشددة في السفر والتنقل، كما جردت المرأة السورية من حق منح جنسيتها لأبنائها وزوجها إذا كانوا مكتومي القيد، واضطر الآلاف للاكتفاء بشهادات تعريف صادرة عن المخاتير بدل الوثائق الرسمية، ما جعل الإحصاء أحد أكثر القرارات تأثيراً وتدميراً للنسيج الاجتماعي والقانوني في شمال شرق سوريا.
اقرأ أيضاً: من هو «حزب العمال الكردستاني» الذي أعلن حلّ نفسه مؤخراً؟
الأكراد السوريون ومحاولات تصحيح المسار قبل وبعد عام 2011
رغم النتائج الكارثية التي خلفها إحصاء عام 1962، ظلت الدولة السورية لعقود تتعامل مع القضية بوصفها مسألة “تقنية” قابلة للتأجيل، دون اتخاذ خطوات حقيقية لمعالجتها، بل إن بعض القرارات زادت الوضع تعقيداً بدل تصحيحه.
ففي عام 2008 أصدرت الحكومة قراراً قضى بمنح صفة الأجنبي لكل من ولد من أب مجرد من الجنسية وأم سورية، ما رسخ الفجوة القانونية بين الأكراد أنفسهم، وأنتج أجيالاً جديدة من فاقدي الجنسية، رغم أن كثيراً منهم كانوا أبناء لعائلات عاشت في سوريا لمئات السنين، وكان بعض أشقائهم أو أقربائهم يحملون الجنسية السورية.
وحتى بداية عام 2011 أظهرت سجلات مديرية النفوس في الحسكة وجود نحو 346 ألف كردي مسجلين كأجانب، وأكثر من 171 ألف من مكتومي القيد، أي ما يزيد على 517 ألف شخص محرومين من الجنسية، دون احتساب عشرات الآلاف الذين هاجروا إلى أوروبا وتركيا خلال العقود السابقة بعد أن سلبت حقوقهم القانونية، ولم يتمكنوا من تسجيل أنفسهم أو أبنائهم في السجلات السورية.
ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011، وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، أصدر بشار الأسد في السابع من نيسان من العام ذاته المرسوم التشريعي رقم 49، الذي قضى بمنح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة. وبموجب هذا المرسوم، جرى تجنيس مئات الآلاف من الأكراد خلال السنوات اللاحقة، حيث حصل حتى عام 2018 نحو 326 ألف كردي من فئة الأجانب على الجنسية، كما جرى تصحيح أوضاع ما يقارب 50 ألف من مكتومي القيد عبر نقلهم أولاً إلى فئة الأجانب ثم منحهم الجنسية، إلا أن هذه العملية لم تكن شاملة، إذ بقي نحو 20 ألف شخص من فئة الأجانب دون جنسية، وأكثر من 41 ألف من مكتومي القيد عاجزين عن تصحيح أوضاعهم بسبب عراقيل إدارية وتعقيدات قانونية.
ولم تتوقف الإشكالات عند هذا الحد، إذ ميز النظام السوري المجنسين حديثاً بعلامة خاصة على بطاقاتهم الشخصية، تمثلت بإضافة الرقم 8 إلى رقم القيد، مما أثار مخاوف حقوقية واسعة من إمكانية سحب الجنسية مستقبلاً، كما لم تفتح مراكز تجنيس في السفارات السورية بالخارج، ولم تعتمد آليات إلكترونية لمعالجة ملفات عشرات الآلاف من الأكراد السوريين المقيمين في دول اللجوء، ما أبقى هذا الملف مفتوحاً ومعلقاً رغم مرور سنوات على صدور مرسوم التجنيس.
اقرأ أيضاً: تجنيس المقاتلين الأجانب.. تحديات كبرى ورهان محفوف بالمخاطر!
بداية جديدة مع المرسوم الرئاسي للحكومة الجديدة
في عام 2026، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 13، الذي مثل خطوة تاريخية نحو تصحيح الوضع القانوني للأكراد السوريين. وجاءت أبرز مضامين المرسوم كالتالي:
- التأكيد على أن الأكراد السوريين جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
- إلغاء جميع القوانين والتدابير الاستثنائية التي ترتبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة.
- منح الجنسية السورية لجميع المواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات.
وفي النهاية، شكل القرار الأخير أهمية كبيرة بالنسبة للأكراد، إذ اعترف بهم كمواطنين سوريين. إلا أن التخوف يبقى قائماً بشأن طريقة تطبيق إجراءات منح الجنسية: هل ستكون ميسرة وتشمل الأكراد السوريين في الخارج؟ وهل ستميز هوياتهم بأي علامة فارقة عن السوريين الآخرين؟ أم سيعاملون كمواطنين سوريين دون أي تمييز؟
اقرأ أيضاً: بعد تداعيات حلب: هل تخسر قسد مشروعها السياسي والعسكري؟









