المهندس أحمد فراس حمادة.. ريادة الأعمال لا تبدأ من التكنولوجيا فقط

بقلم: ريم ريّا
كيف يمكن للشاب أن يحول فكرته من مجرد حلم إلى مشروع قابل للاستمرار؟ وهل تكفي المهارة التقنية وحدها لدخول عالم ريادة الأعمال، أم أن الطريق يحتاج إلى فهم السوق والمخاطرة والخبرة العملية؟
هذه الأسئلة كانت محور الحوار مع المهندس أحمد فراس حمادة، في مقابلة أجراها جمال داوود، وتناول خلالها حمادة رحلته المهنية في عالم التكنولوجيا وإدارة الأعمال، وتجربته في دعم رواد الأعمال الشباب، وتطور ريادة الأعمال التقنية في سوريا، إضافة إلى التحديات التي واجهت الشباب في تحويل أفكارهم إلى مشاريع.
بدايةً، كيف تصف نفسك ومسيرتك المهنية؟
أوضح أنه بدأ العمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات عام 1993، حيث اكتسب خبرة في مجالات الصحافة التقنية، والتدريب، وإدارة الأعمال. وقد شغل منصب رئيس تحرير مجلة “الرقميات”، كما عمل في دبي رئيساً لتحرير مطبوعة متخصصة في الأعمال وتكنولوجيا المعلومات.
وتوسعت خبرته في مجالي التدريب وتكنولوجيا المعلومات بدءاً من عام 1994. وفي عام 1998، شارك مع مجموعة من الأصدقاء في تأسيس شركة ركزت على الدعم الفني، والأجهزة (العتاد)، واستيراد مكونات الحاسوب، قبل أن تتوسع أنشطتها لتشمل مجالات أخرى في عالم الأعمال.
كما واصل دراسته في مجال إدارة الأعمال، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال (MBA) بتخصص التسويق، بالإضافة إلى دراسات في إدارة الموارد البشرية ودورات أخرى تتعلق بالصحافة وإدارة الأعمال.
متى تبلور اهتمامك بمجال ريادة الأعمال بشكل واضح؟
أوضح أن هذه المسيرة اتخذت طابعاً يتسم بالوضوح أكثر خلال عامي 2005 و2006، حين عمل مع مجموعة من الشباب السوريين على تأسيس “جمعية رواد الأعمال الشباب السوريين” (SYEA). كان هدف الجمعية تنفيذ أنشطة متعلقة بريادة الأعمال وتشجيع الشباب على خوض هذا المجال، وذلك في وقت لم تكن فيه مفاهيم ريادة الأعمال منتشرة بالقدر الذي أصبحت عليه في وقت لاحق.
وطرح عليه سؤال أنه: عندما نتحدث عن ريادة الأعمال اليوم، غالباً ما يتبادر إلى أذهاننا الشركات الناشئة وتطبيقات الهواتف، هل كان هذا المفهوم موجوداً آنذاك؟
من وجهة نظره، لا ينبغي حصر ريادة الأعمال في “ريادة الأعمال التقنية Tech Entrepreneurship” فحسب، فهي مفهوم يتجاوز التكنولوجيا بكثير. وأشار إلى أن المجتمع السوري يمتلك تاريخ عريق في التجارة والصناعة، مما خلق بيئة تجذرت فيها ممارسات الأعمال، حيث كان الآباء يصطحبون أبناءهم إلى المتاجر أو الورش في سن مبكرة ليتعلموا أصول البيع والشراء، وكيفية تحمل المسؤولية وإدارة المخاطر.
يرى أن الطفل الذي يقضي عطلة الصيف في بيع المنتجات سواء في متجر والده أو في بسطة في الشارع، ويستثمر جزءاً من مصروفه في شراء البضائع، يتعلم بشكل مباشر معنى المخاطرة والربح والخسارة.
ما الفرق بين رجل الأعمال ورائد الأعمال؟
بحسب رؤيته، يتمثل الفرق الأساسي في مستوى المخاطرة. فالتاجر يشتري ويبيع، بينما يعمل رائد الأعمال في بيئة تتضمن مستوى مرتفع نسبياً من عدم اليقين، وبالتالي ترتبط احتمالية الربحية بمستوى المخاطرة.
وضرب مثالاً بالطفل الذي يضع جزءاً من مصروفه في مشروع صغير، موضحاً أن التجربة تعلمه تحمل احتمال الربح والخسارة، وهو ما يشكل جانباً من مفهوم ريادة الأعمال منذ الصغر.
ووجه إليه المُحاور السؤال التالي: تحدثت عن سنوات من إهمال مفهوم ريادة الأعمال في سوريا، ماذا تقصد؟
أوضح أن عقوداً طويلة شهدت وجود نظام اجتماعي واقتصادي مغلق، ومع التحول إلى النظام الاشتراكي أصبحت ريادة الأعمال مهمشة إلى حد كبير. ويرى أن رائد الأعمال يقوم بطبيعته على المبادرة والمخاطرة، بينما كان المفهوم السائد يقوم على أن الدولة هي التي تؤمن الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى تراكم سنوات من الإهمال لمفاهيم ريادة الأعمال.
وأضاف أن من نتائج هذه البيئة خروج عدد كبير من الصناعيين والتجار السوريين إلى الخارج، ليصبح التحدي في وقت لاحق مرتبط بكيفية إعادة هذه المفاهيم إلى المجتمع وتشجيع الشباب على خوض التجربة.
وعند سؤاله: كيف حاولتم تحقيق ذلك عملياً؟
أوضح أن العمل ركز على مساعدة الشباب في تحويل الأفكار إلى مشاريع، من خلال تدريبهم على إعداد Business Plan، أي خطة عمل، وربط كل مشروع بمرشد Mentor يساعد صاحبه على تطوير الفكرة ومتابعة مراحل التنفيذ. وفي بعض الحالات، كانت المتابعة تستمر لمدة عام تقريباً، بهدف التأكد من أن المشروع يسير في الاتجاه الصحيح ويستطيع الاستمرار.
ليضيف المُحاور: من التجارب التي عملت عليها أيضاً مشروع “CES”، ويسأل بعدها: ماذا كان دوره؟
شرح أن المشروع كان يهدف إلى تدريب مجموعة من الشباب على بناء مشاريعهم، ثم تصفية الأفكار وصولاً إلى مجموعة نهائية من المشاريع وخطط الأعمال. وكان لكل مشروع مرشد متخصص يساعد الفريق على تطوير مشروعه، مشيراً إلى أن آخر نسخة شارك فيها شهدت حصول المشروع الذي كان يشرف عليه على الجائزة الأولى، وكانت قيمتها مليون ليرة سورية في ذلك الوقت.
وأوضح أن المنحة كانت تصرف على مراحل، بحيث يحصل رائد الأعمال على جزء منها كل ثلاثة أشهر، للتأكد من أن المشروع يتقدم وفق الخطة الموضوعة.
وعند سؤاله: كيف كانت تجربتك في مشروع “eSyria”؟
أوضح أن المشروع التابع للجمعية العلمية السورية للمعلوماتية كان يجمع بين الجانب الإعلامي والتقني، وعمل على إنشاء مواقع مرتبطة بالمحافظات وتطوير مجموعة من الخدمات الإلكترونية. كما شملت التجربة تطوير بوابة للخدمات الحكومية الإلكترونية، إلى جانب مواقع متخصصة بالطقس وحركة الطيران، والعمل على إنتاج محتوى رقمي عربي مفيد وتشجيع المستخدمين على الاستفادة من الإنترنت.
وأشار إلى إطلاق “دليل المواقع السورية”، الذي جرى من خلاله تصنيف أكثر من 4500 موقع سوري بهدف تعريف المستخدمين بالمواقع والخدمات التي تقدمها.
اقرأ أيضاً: حربوء: حين تُكتب ريادة الأعمال السورية لأول مرة من الداخل
ما هو الوضع الذي كانت عليه شركات البرمجيات والتطبيقات في سوريا خلال مطلع الألفينات؟
أوضح أنه بحلول عام 2005 تقريباً، كان هناك أكثر من 18 شركة برمجيات، حيث طورت بعضها أكثر من عشرة تطبيقات لكل منها، مما يعني وجود ما يزيد عن 200 تطبيق في السوق. ومع ذلك، كانت معظم هذه المنتجات تستهدف الأسواق الخارجية بالأخص دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، نظراً لضعف الطلب المحلي على نظم المعلومات مقارنة بالأسواق الدولية.
ومع تطور الصناعة من تطبيقات سطح المكتب إلى التطبيقات القائمة على الويب، وصولاً في النهاية إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، شهد قطاع البرمجيات توسعاً كبيراً، وبدأ المزيد من الشباب في خوض مجال تطوير التطبيقات.
تم الاستفسار منه: ماذا حدث عقب الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتطبيقات الهواتف المحمولة؟
من وجهة نظره، تغير المشهد بشكل ملحوظ بدءاً من عامي 2012 و2013 مع انتشار تطبيقات الهواتف المحمولة وظهور فرص جديدة للمطورين. وأشار إلى أن العديد من الشباب السوريين المتخصصين في التكنولوجيا سافروا إلى الخارج واكتسبوا خبرات في بيئات عمل متنوعة، مما ساعد في نقل المعرفة وتعزيز نماذج أعمال جديدة.
ومع توسع استخدام الإنترنت والتعلم الإلكتروني، لم يعد مطورو التطبيقات الطموحون بحاجة بالضرورة إلى شهادة جامعية تقليدية في علوم الحاسوب، إذ أصبح بإمكانهم تعلم البرمجة والتصميم وتطوير التطبيقات عبر الإنترنت. وهو يرى أن هذه العوامل ساهمت في النمو السريع لريادة الأعمال التقنية بين الشباب السوريين.
وعند سؤاله: إذا أراد مبرمج يمتلك مهارات تقنية الانتقال إلى عالم الأعمال، فأين يمكنه اكتساب الخبرة اللازمة؟
أوضح أن حاضنات الأعمال والتكنولوجيا كان لها دور خلال تلك الفترة، مشيراً إلى أن “الجمعية السورية للمعلوماتية” كانت إحدى الجهات التي عملت على تأسيس حاضنة تكنولوجية في البلاد. ومن واقع خبرته، كانت الحاضنة تحتضن مشاريع جديدة، ومع مرور الوقت، اكتسب رواد الأعمال القائمون عليها خبرة في السوق. وقد سافر بعضهم إلى الخارج لكنهم عادوا لمشاركة خبراتهم مع جيل جديد من الشباب.
ويرى أن هذه الدورة ساعدت في تسريع وتيرة اكتساب الخبرة العملية،مع توسع الحاضنات وانتشارها في مختلف المحافظات، وتزامن ذلك مع زيادة في البرامج التدريبية والمسابقات المتعلقة بريادة الأعمال.
هل كانت ريادة الأعمال التقنية أكثر قابلية للنمو خلال سنوات الحرب؟
يرى أن ريادة الأعمال التقنية كانت تمتلك ميزة مهمة، لأنها تحتاج إلى بنية تحتية أقل مقارنة بالعديد من المشاريع التقليدية. وفي كثير من الحالات، يحتاج المشروع إلى جهاز كمبيوتر واتصال بالإنترنت، إضافة إلى علاقات خارجية تساعد على تطوير المنتج والوصول إلى الأسواق. ولذلك أصبحت ريادة الأعمال التقنية بالنسبة إلى عدد من الشباب أكثر الخيارات عملية في ظل تراجع الاقتصاد وإغلاق بعض الشركات وصعوبة الحصول على فرص عمل تقليدية.
ماذا يحتاج الشاب حتى يبدأ مشروعه؟
يشدد على أن البداية لا تكون من فكرة عشوائية، بل من “فكرة مناسبة لفرصة حقيقية موجودة في السوق”. وأوضح أن وجود فكرة لتطبيق أو مشروع لا يعني بالضرورة أنها قابلة للتنفيذ، إذ يجب دراسة البيئة المحيطة بها، والعوائق المتعلقة بالتمويل والتصدير والوصول إلى الزبائن والاستدامة.
ويضيف أن السؤال الأساسي يجب أن يكون: هل توجد فرصة حقيقية؟ وهل يستطيع المشروع الاستمرار؟ وكيف سيحصل على التمويل؟ وكيف سيصل إلى العميل؟
ليرد المُحاور: إذاً، المشكلة ليست في الفكرة وحدها؟
يجيب “حمادة”، بأن الفكرة جزء من المشروع وليست المشروع كله. فرائد الأعمال يحتاج إلى فهم السوق ومعرفة المخاطر ووضع نموذج عمل واضح، والأهم أن يفكر بالاستدامة، لأن بيع المنتج مرة واحدة لا يعني نجاح المشروع أو قدرته على الاستمرار. ويشير إلى أن المهارة التقنية وحدها لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة مشروع أو تسويق منتج.
أين تكمن المشكلة الأكبر في بيئة ريادة الأعمال التقنية؟
يرى أن هناك فجوة بين الجانب الأكاديمي والجانب العملي. وأوضح أن قطاع التكنولوجيا في سوريا تأثر لفترة طويلة ببيئة أكاديمية وبحثية أكثر من كونه بيئة عملية وتجارية، مؤكداً وجود باحثين وأكاديميين يمتلكون خبرات مهمة، لكن المشكلة تكمن في ضعف الاحتكاك المباشر بالسوق لدى بعض العاملين في المجال الأكاديمي. ويختصر “حمادة”، الفكرة بأن تعليم المعلومة وحده لا يكفي إذا لم يحصل الشاب على فرصة لتطبيقها في السوق.
ومن هنا، يوضح أن جزءاً من العمل الذي جرى عبر التدريبات والجمعيات والمبادرات كان يهدف إلى ردم هذه الفجوة وربط المعرفة الأكاديمية بالواقع العملي، لأن رائد الأعمال لا يتعلم من الكتب وقاعات الجامعة فقط، بل من التجربة والمخاطرة والخطأ أيضاً.









