أعمال واستثمار

المنحة المالية المنتظرة: طوق نجاة أم سراب للاقتصاد السوري؟

الكاتب: أحمد علي

قبل حوالي شهرين، استفاق السوريون على خبر زيادة غير مسبوقة في رواتب القطاع العام بنسبة 200%، في خطوة بدت للوهلة الأولى كطوق نجاة ينتشل الموظفين من هوة الغلاء المستفحل. ارتسمت ابتسامات الأمل على وجوه الكثيرين مع هذه الزيادة، لكن سرعان ما تسللت الهواجس إلى الأذهان: من أين ستأتي الحكومة بالأموال اللازمة للاستمرار في دفع هذه الرواتب المضاعفة؟ خاصة وأن وزير المالية السوري محمد يسر برنية كشف مؤخراً أن هذه الزيادة تم تمويلها بالكامل من موارد الدولة الذاتية عبر ترشيد الإنفاق الحكومي، دون أن تصل سوريا حتى الآن أي منحة مالية خارجية كانت تُمنّى بها.. وهكذا يجد الاقتصاد السوري نفسه أمام مفترق طرق حرج: هل يظل مترقباً وصول المنحة المالية المنتظرة من الدول الشقيقة، أم يتحتم عليه مواجهة الواقع الصعب والبحث عن بدائل تمويلية مستدامة بنفسه؟

هل تصل المنحة المالية المنتظرة إلى سوريا؟

لم يكن الهدف من زيادة الرواتب بهذه الجرأة أن تتحملها خزينة الدولة وحدها. فقد ألمحت التصريحات الرسمية إلى توقع دعمٍ مالي من الدول الصديقة للمساعدة في تغطية فاتورة الأجور والرواتب. على سبيل المثال، أعلن وزير المالية نفسه في أيار الماضي عن منحة قطرية بقيمة 29 مليون دولار شهرياً لمدة ثلاثة أشهر للمساهمة في دفع الرواتب.

غير أن الواقع كشف أن أموال تلك المنح الموعودة لم تدخل خزائن الدولة بعد – إذ أكد الوزير مؤخراً أن سوريا لم تتلقَّ أي منحة مالية حتى الآن، وأن زيادة الرواتب موّلت بالكامل من أموال الدولة. وهذا التأخر في وصول الدعم الخارجي يثير الشكوك حول جدوى وفعالية وحسن التعويل عليه…

الترشيد حكومي مسكّن مؤقت

وفق وزير المالية برنية، فإن الأشهر الثمانية الأولى من العام حققت فائضاً مالياً مكّن الحكومة من تغطية كلفة الزيادة مؤقتاً، وهذه الزيادات تمّت من موارد داخلية دون حاجة للاقتراض أو مساعدات خارجية. ووفق المصادر، فإن مردّ هذا الفائض يعود لتعزيز السلطات الجديدة إيراداتها عبر مكافحة التهريب والفساد وتحسين الجباية الجمركية والضريبية بشكل ملحوظ»، إذ باتت حصيلة شهر واحد من الرسوم الجمركية تعادل ما كان يُجبى خلال سنة ونصف في السابق. كذلك قلّصت الحكومة الإنفاق الاستثماري بشكل مؤقت لتجنب الاستدانة، ما وفر سيولة إضافية لدفع الرواتب.

وإلى جانب ذلك، لجأت إلى إجراءات غير معلنة بشكل مباشر لكنها محسوسة لدى المواطنين، مثل تقليص دعم الطاقة ورفع أسعار المحروقات والكهرباء، مما وفّر جزءاً من التمويل عبر تخفيف عبء الدعم الحكومي، وإن كان ذلك على حساب ارتفاع جديد في تكاليف المعيشة.

ومع أن هذه الخطوات منحت الحكومة مهلة مالية مؤقتة، إلا أن فائدتها أشبه بمسكّن قصير المفعول. فبعض التقارير تشير إلى أن هذا الفائض المرحلي سيتحول إلى عجز قابل للتمويل مع نهاية العام، مما يعني أن ما تم اقتطاعه أو توفيره من بنود الموازنة الأخرى سيُستنزف سريعاً تحت ضغط كتلة الرواتب المضاعفة.

كما أن تقليص الإنفاق التنموي والاستثماري له تبعاته السلبية على المدى البعيد، إذ قد يعيق تحسين الخدمات والبنية التحتية الضرورية لتعافي الاقتصاد. أضف إلى ذلك أن الزيادة الكبيرة في الدخول دون رفع موازٍ في الإنتاج المحلي أدّت بالفعل إلى موجة ارتفاع في الأسعار أكلت جزءاً من القوة الشرائية المنتظرة، مما جعل أثر الزيادة محدوداً على حياة المواطنين.

بهذا المعنى، قد تكون الحكومة كسبت معركة آنية بتوفير رواتب بضعة أشهر من جيبها الخاص، لكنها ما زالت أمام حرب طويلة لضمان استدامة هذه الزيادة بدون الوقوع في فخ التضخم أو الإفلاس المالي.

ما هي بدائل التمويل؟

بحال ظلّت المنحة الخارجية المنتظرة سراباً ولم يصل أي دعم مالي من الخارج، ستجد الحكومة نفسها أمام خيارات ضيقة وصعبة لتمويل الأشهر المقبلة، وهذا قد يعني المزيد من التقشف الحكومي، بيد أن الاعتماد المطلق على شد الأحزمة له حدود، فقد يؤدي إلى تراجع أكبر في الخدمات العامة وإلى ركود اقتصادي أعمق.

الخيار الآخر هو زيادة الإيرادات المحلية عبر تحسين جباية الضرائب والرسوم ومكافحة التهرب الضريبي وتوسيع قاعدة المكلفين، إلى جانب تكثيف مكافحة الهدر والفساد لضبط النفقات. لكن مثل هذه الإجراءات الإصلاحية ورغم أنها مطلوبة بلا شك، لكنها لن تكون حلاً سحرياً؛ فالحل السحري الوحيد هو عودة عجلة الإنتاج لأننا أمام حالة يرتسم فيها اقتصاداً منهكاً بفعل سنوات الحرب والعقوبات، وليس من السهل أن يولّد عوائد إضافية كبيرة بسرعة، خاصة مع ضيق القدرة الشرائية للمواطنين وضعف الحركة الاقتصادية.

يبقى أمام الحكومة أيضاً خيار التمويل بالعجز من خلال الاقتراض الداخلي أو طباعة المزيد من النقود، وهو الطريق الأسهل نظرياً والأخطر عملياً. فخبراء الاقتصاد على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم يحذرون من أن تمويل الزيادة عبر التوسع النقدي سيؤدي إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع التضخم بشكل حاد، بما يبدد أي فائدة حقيقية من زيادة الرواتب. وهذا ما اختبره السوريون مسبقاً؛ فكل ضخ نقدي غير مدروس كانت نتيجته تدهور قيمة الليرة وارتفاع الأسعار، مما جعل الزيادات السابقة أرقاماً وهمية تلتهمها موجات الغلاء.

استناداً إلى السابق كلّه، لا مفر من العمل على تحفيز ودعم الإنتاج المحلي في القطاعات الحيوية كالزراعة والصناعة، وخلق فرص عمل وإيرادات حقيقية إنتاجية لجهاز الدولة. فدون نمو اقتصادي حقيقي يرفد الخزينة، ستبقى أي زيادة في الرواتب مجرد حل مؤقت قابل للانهيار بأي لحظة، سواء وصلت المنحة الخارجية أم لم تصل.

في المحصلة، يقف الاقتصاد السوري اليوم أمام مفترق طرق حاسم. زيادة الرواتب الأخيرة أعطت دفعة معنوية ومالية طال انتظارها لشريحة من المواطنين، لكنها في الوقت نفسه وضعت البلاد أمام اختبار صعب لاستدامة هذه الدفعة. والانتظار المديد لوصول المنحة المالية الموعودة أشبه برهان على المجهول؛ ففي ظل الغموض بشأن وفاء الدول الشقيقة بتعهداتها، الخيار العقلاني والوطني هو اعتماد سوريا على نفسها، رغم ضيق ذات اليد. وهذا يعني اتخاذ قرارات اقتصادية جذرية وحاسمة لتأمين الإيرادات الذاتية والإقلاع بالاقتصاد من جديد، وهي إجراءات قد تكون موجعة لكنها أقل خطراً من ركوب موجة التضخم الجامح أو انهيار القدرة على دفع الرواتب…

اقرأ أيضاً: كيف يمكن محاربة الفقر جديّاً في سوريا؟!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى