سياسة

المكاري في دمشق بين الحاجة والبدائل: واقع الحال.. والحل؟!

الكاتب: أحمد علي

بالنسبة لأي إنسان يعيش في دمشق يبدأ الصباح بصورة مشابهة إلى حدّ ما، ومن مكان محدد، عند الموقف بمعناه العام والمجرّد. فقبل أن يبدأ النهار في المكتب أو الجامعة أو العمل يقترب ميكروباص منخفض السقف منك، يتكاثر حوله الركاب حتى يمتلئ ويذهب.. إن كنت محظوظاً فستمضي في الميكرو الأول، وإلّا فستدخل في رحلة الانتظار كهوميروس أو غودو ربما.. أمام هذه الحال يصبح السؤال واحداً وواضحاً ومباشراً، هل سأصل اليوم من دون انتظار طويل؟

بين الناس كلمة دارجة تختصر هذه التجربة التي نصفها والتي نعرفها جيّداً نحن الفقراء، أبناء الـ 90%، وهي بالعامية: المكاري. وحقيقة الكلام أن وراء الكلمة هذه خدمة تمسك يوميات المدينة، لذلك لا يكفي وصفها بأنها فوضى مزعجة، ولا يكفي أيضاً الدفاع عنها باعتبارها قدراً لا يتغير.

المكاري في دمشق اليوم

تؤدي المكاري في دمشق دوراً مركزياً حين لا يكون الباص خياراً مضموناً. لكن دائماً ما يكون الناس أمام مشهد متكرر في البرامكة وأماكن التجمع العشوائية الأخرى في دمشق، حيث تتوقف السرافيس وسط الشارع من دون محطة واضحة، وينزل الركاب تحت ضغط الاكتظاظ وغياب بدائل منظمة.

في حزيران من العام الفائت 2025، قال مدير المؤسسة العامة لنقل الركاب عمر قطان إن عدد الباصات العاملة ضمن الشركة في دمشق يقارب 120 باصاً فقط، وإن نسبة الباصات المتوقفة تتجاوز 80 بالمئة بسبب الأعطال ونقص قطع التبديل. وفي تشرين الأول من العام 2024 نقل عن مدير الشركة العامة للنقل الداخلي آنذاك أن خطة تأهيل أكثر من 40 باصاً قد ترفع العدد إلى نحو 160 باصاً.

لكن الجدل اتخذ منحى رسمياً مع نهاية كانون الثاني 2026 بعد تصريحات نسبت لمدير نقل دمشق مأمون عبد النبي عن دراسة تخص استبدال مركبات عمومية تجاوزت عمرها الافتراضي. لاحقاً، نقلت منصة «تأكد» أن وزارة النقل قالت في بيان توضيحي إن ما يجري تداوله يدخل في إطار دراسة وبحث وتقييم ولم يصدر قرار نافذ حتى 28 كانون الثاني 2026، مع الإشارة إلى أن الدراسة شملت عشرات الآلاف من المركبات العمومية في المحافظة بينها ميكروباصات.

وهذا يفسر لماذا يسمع المواطن أحياناً عبارة مفادها أنه لا توجد خطة جاهزة لاستبدال المكاري في دمشق، لا لأنها غير مطروحة، بل لأن الانتقال من دراسة إلى خطة ممولة يحتاج وقتاً وقرارات تنفيذية.

لماذا يصعب استبداله سريعاً؟

استبدال المكاري في دمشق ليس قراراً إدارياً فقط. فالتمويل أول عقدة، لأن تحديث مركبات النقل الجماعي يحتاج سلاسل توريد وورش صيانة وقطع تبديل، بينما تربط تغطيات محلية تعثر الباصات بتكرار الأعطال ونقص القطع.

أما العقدة الثانية فهي تشغيلية، فجزء من الخطوط يخدم أحياء ضيقة أو مرتفعة لا تناسبها دائماً الحافلات الكبيرة، كما أن الطلب يتغير بين ساعات الذروة والركود، وتعتاش المكاري على هذه المرونة.

كذلك، فإن هناك عقدة ثالثة، وهي تنظيمية الطابع، فسابقاً جرى إدخال أدوات ضبط مثل التتبع وربط المخصصات بالسير الفعلي، والتقارير السابقة تحدثت عن تطبيق جي بي إس على نحو 3500 وسيلة نقل في ريف دمشق، وفي حينه اعتبر الإجراء جزءاً من ضبط التوزيع وتخفيف الضغط على محطات العاصمة، لكن انتهى هذا الأمر الآن ما بعد سقوط سلطة الأسد وتوفر المواد النفطية.

ضمن النقطة هذه، وفي سياق آخر جرى الحديث عن تفعيل ميزة بداية الخط ونهايته لخطوط محددة بحيث تحصل وسيلة النقل على مخصصاتها حسب كل رحلة محققة على المسار. وهذه الأدوات لا تصنع شبكة بديلة وحدها، لكنها كانت محاولة تبيّن انها كانت تعطي قاعدة لإدارة الخدمة ببيانات يمكن مراقبتها ومراجعتها.

سائقون بين الرزق والضغط

تتجاهل نبرة الاتهام التي تلصق الفوضى بالسائق وحده أن السائق يعمل داخل سوق معيشية ضيقة، فبعض الشهادات التي نقلتها وسائل إعلام محلية أظهرت أن ركاباً يرون المشكلة في غياب حلول حقيقية أكثر مما يرونها في نية السائق، وأن السائقين يشتكون من كلفة الوقود والصيانة وعدم القدرة على شراء مركبات أحدث.

وهذا التوتر يظهر أيضاً في لحظات الاحتجاج، وثقت وسائل أخرى إضراباً جزئياً لميكروباصات دمشق احتجاجاً على خفض التعرفة بعد تغييرات في أسعار المشتقات النفطية. وحين تتوقف مجموعة من الخطوط، يتضح أن أي بديل للمكاري في دمشق يجب أن يضع دخل السائق وقدرة الراكب في معادلة واحدة، وإلا سيتحول الإصلاح إلى مواجهة يومية جديدة.

بديل تدريجي لا إقصائي

يبدأ البديل الأكثر واقعية للمكاري في دمشق من فكرة الشبكة الواحدة، فالباصات تعمل على محاور رئيسية ذات طلب مرتفع، والميكروباصات تصبح خطوطاً مغذية للأحياء، مع نقاط تبديل واضحة ومعلومات موحدة عن المسارات. والنجاح هنا لا يعتمد على منع المكاري، بل على جعلها أقل عشوائية.

ويمكن تحقيق ذلك عبر تثبيت مواقف قدر الإمكان، وتحديد حمولة مقبولة، وربط المخصصات بالالتزام بالمسار والتواتر، ثم ضبط التعرفة بآليات شكاوى سريعة تتجنب تحويل الراكب إلى خصم للسائق.

وتبقى الشفافية شرطاً، لأن نشر عدد الرحلات والتواتر الفعلي يخفف الشكوك ويجعل الرقابة ممكنة بلا صدام قدر الإمكان.

وفيما يخص تحديث المركبات، يمكن أن يكون تدريجياً عبر قروض ميسرة أو برامج استبدال غير قسرية، وهو اتجاه طرح بوصفه شراكة بين الدولة وأصحاب السرافيس بدل تحميلهم عبء التغيير وحدهم. ومع كل دفعة تحديث يتوسع حضور الحافلات المتوسطة في الخطوط المكتظة، بينما تبقى المكاري في دمشق جزءاً من الحل حيث تحتاج المدينة إلى مرونة المركبات الصغيرة في بعض المسارات.

مهاجرين – صناعة

لتقريب الفكرة يمكن اختيار خط قوي مثل مهاجرين صناعة، وهو خط ميني باص يظهر بشكل واضح ومعروف في خرائط مسارات النقل العام داخل دمشق. يربط هذا الخط كثافة سكنية بحركة عمل، ما يجعله مرشحاً لتجربة تنظيم سريعة. افتراض التحسين يبدأ بتثبيت نقاط توقف واضحة، ثم وضع حد أدنى لتواتر الرحلات في ساعات الذروة مقابل مخصصات معلنة، مع رقابة تتبع لضمان الالتزام. وفي مرحلة لاحقة يمكن إدخال حافلات متوسطة في الذروة فقط، على أن يعمل سائقو المكاري أنفسهم ضمن كيان متعاقد يشغل جزءاً من الرحلات، لا أن يُدفعوا خارج السوق.

وبطبيعة الحال، ليس من الضروري أن يتحول كل شيء دفعة واحدة، فبعض خطوط المكاري في دمشق قد تكون مقبولة إذا توفرت بيانات تثبت انتظامها، بينما خطوط أخرى تحتاج إعادة توزيع. وضمن هذا السياق، كان قد أشار تصريح سابق لمدير قطاع النقل والمواصلات في محافظة دمشق عمار غانم إلى أن بعض الخطوط لديها فائض سرافيس مقابل خطوط أخرى، ما يعني أن تحسين الخدمة يبدأ أيضاً من توزيع عادل يعتمد على الطلب الفعلي لا على الانطباعات العامة غير الدقيقة.

ختاماً، إن المكاري في دمشق واقع تشغيلي تشكل تحت ضغط نقص البدائل، وإن أي بديل أفضل يحتاج مساراً تدريجياً يجمع التمويل والتنظيم والدمج المهني. فالحديث الرسمي حتى الآن مازال يدور في نطاق الدراسات والتقييم، لكن تحويله إلى برنامج واضح يمكن أن يجعل تجربة الركوب أقل قسوة من دون أن يدفع السائقين خارج المشهد.

اقرأ أيضاً: أين وصل اتفاق دمشق وقسد الآن وهل من خلافات؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى