المقاهي في دمشق: ذاكرة وطن وفنجان قهوة سياسي

بقلم: ريم ريا
في دمشق الجميلة، بين أزقة الياسمين وحجارة البيوت العتيقة، تقبع مقاهٍ كنوافذ للروح. مع ارتشاف القهوة تُحرس الذاكرة في مقاهي سوريا.. ليست مجرد مقاعد خشبية وثرثرات عن ترهات الحياة، بل منابر صاخبة صنعت ثورات وساحات شهدت انتصارات وتهليلات، وبين جدرانها استمعت لقصائد تتلى وأفكارٍ تخطط تَرسم وطناً بالكامل.
في دمشق وبين حاراتها.. احتضن مقهى النوفرة ومعه مقهى الروضة وغيرهم، زوايا مضيئة بالثورة والعنفوان.. بين صَوت نَرد الطاولة هدرت أصوات الثوار والمثقفين وبين طرقات الملعقة بالشاي تُمتِم بهمسات تحكي أوجاع الوطن وتُحيك جراحه. تشابكت الحكايات مع الدخان المتصاعد من السجائر المحترقة والأراجيل المعتقة.. لتغدو المقاهي في سوريا ملجأ للأحرار ومرتعاً للمفكرين والمثقفين، حيث الكلمة أقوى من الرصاصة.. والذاكرة تنتصر على النسيان.
المقاهي في دمشق: من الترفيه إلى الفضاء السياسي
لا يمكن ذكر البعد السياسي للمقاهي في دمشق، دون أن نُعرج على ذكر المقاهي القديمة الشاهدة على حِقب مفصلية من التاريخ السوري وصانعين جزء منها، فبين سقفيهما أشعلت شرارات الفكر للثورة ضد الاحتلال الفرنسي وصيغت أفلاك الفضاء السياسي في البلاد.
مقهى النوفرة في قلب دمشق القديمة يلاصق الجدار الشرقي للمسجد الأموي بجذور ممتدة إلى القرن السابع عشر. بدأ كمكان للحكايات والسمر، لكن مع تتالي الاحتلال الفرنسي بعد العثماني على البلاد تجاوز المقهى الترفيه وتحول لحلبة نقاش سياسي ومأوى للثوار للتخطيط وبين فناجين القهوة ودخان السجائر ولدت الشعارات الوطنية وصيغت كلمات هتافات المظاهرات في دمشق. فكان مقهى “النوفرة” حاضناً للبعد الشعبي للثورة وفيه التقى البسطاء بالمثقفين وصنعوا مجد البلاد.
أما مقهى الروضة، على شارع العابد أطل هذا المقهى في العام 1930، منذ البداية جذب النخبة الفكرية والسياسية.. اختلطت فيه كراسي السياسيين والصحفيين والأدباء، حتى تحول لصالونٍ سياسيٍ مفتوح تتقاطع بين جنباته حماسة الشعر الثائر وهمسات السياسيين المُخططين للحراك الشعبي. من هذا المقهى انطلقت بيانات هزت دمشق وشعارات قادت مظاهراتها ضد الانتداب الفرنسي.. فجسد هذا المقهى البعد الفكري والنخبوي للبلاد.. جمع بين عاصفة التيارات السياسية وأمواج المد الفكري فشكل حالةً وطنية بَنَتْ ذاكرة دمشق.
اقرأ أيضاً: اتحاد الكتّاب العرب في سوريا.. هل أصبحت الثقافة تحت الوصاية؟

المقاهي في دمشق صنعت الرأي العام للبلاد
لم يكن اختيار المفكرين والثوار لها كمنابر بدلاً من الجامعات مصادفة، بل لأنها فضاء حرّ بلا قيود بعيدة عن الرتابة الأكاديمية والرقابة السياسية… يمتد بها النقاش لساعات طويلة بلا حدود للمخيلة أو رَهبة للبدلات الرسمية. فتحولت الطاولات الخشبية البسيطة إلى منبر سياسي والتقت الكلمة الثائرة برشفة القهوة فَولِد الوطن.
تبقى العاصمة حتى الآن متربعة على عرش المقاهي الثقافية ذات النشاط السياسي، فالحراك الحقيقي تبقى عينيه دائماً على العاصمة.. في أنحاء سوريا اليوم لا نشاط سياسي للمقاهي يعلو على مقاهي دمشق بأسمائها ذاتها “الروضة، الكمال، الهافانا” حيث فناجين الحرية الآن ولا آذان للحيطان.
لكن هناك الكثير من الحالات الشبيهة حول سوريا، نستحضر منها ما مشى على خطى مقاهي دمشق في مدينة إعزاز بريف حلب، حيث تمتزج الثقافة والسياسة مثل: مقهى الدومري الثقافي الذي يضم مكتبة ومنتدى للحوارات تحت إدارة “أنس قضيماتي” الذي يؤكد على البعد الثوري والثقافي للمقهى. لتطل رابطة الشباب السوري الثائر وتفتتح مكتبتها العامة في إعزاز فتكون تلك المكتبة كمقهى ثقافي وحاضنة للنقاشات السياسية التي يمكن أن يتولّد منها وعي ثوري شبابي في قادم الأيام.
في حراك 2011 الشعبي، كان للتجمعات في المقاهي دور في نشر الوعي الثوري، فبذات الأماكن التي احتضنت الماضي ولدت شمس حريّة اليوم، وتحت تلك الأسقف الخشبية دارت الهمسات السياسية وصدحت الآراء المختلفة والناقدة للسلطة السابقة وبطشها رغم قولها بصوتٍ خافت.. فتسترت تلك الأسقف والجدران كعادتها على همسات السوريين فهي وحدها لم تخنهم في جميع محناتهم.
فمقاهي البحصة، ومقهى الكمال، والهافانا، والروضة تحدت الحيطان التي تسمع.. وضمّت الثوار ونقاشاتهم، ووحدت صفوفهم وفرّقتها. في هذه المقاهي تمّ تجاوز عناصر المخابرات المتربصين لهمسة من هنا أو نفسٍ من هناك. كانت الحجارة دائماً شاهدةً على الخطط والترتيبات لأي حراك شعبي سيمضي في ساحات العاصمة.
اقرأ أيضاً: المرأة السورية في مجلس الشعب: نضال تاريخي مستمر لتحصيل الحقوق

المقاهي في دمشق من ذاكرة الماضي إلى بريق الحاضر
لا زالت المقاهي في “الشام” تمثل مرآة لتحولات البلاد من الماضي حتى الحاضر. فما أشبه الأمس باليوم في مقاهي دمشق عندما احتفلت كل منهما بسقوط النظام كما احتفلت في السابق بانتهاء الانتداب الفرنسي وخروج الاحتلال العثماني.. فحجارتها اختزلت الصيحات الثورية ضد كل السلطات الاستبدادية التي تعاقبت على البلاد.
لم تكف هذه المقاهي بعد عن كونها فضاءً حراً ومنبراً لمواجهة القمع وإحياء الفكر الحر.. فمع سقوط الأسد انفجرت تلك المقاهي فرحاً وهتف مرتاديها بكل جرأة ما تهامسوا به قبل ساعات من السقوط.
الآن تحولت تلك المقاهي من زوايا تُهمس بها الكلمات خشيّة الرقابة والبطش، إلى فسحات علنية تقال بها الكلمة بكلّ حرية وترتفع بها الأصوات بمختلف الآراء.. وتدندن بها الأغاني الثورية .. فأسقف المقاهي اليوم تتزين وتشع بالكلمة الحرة بعد أن كانت تتستر عليها، فلا مكان لمصادرة الفكر بعد اليوم في سوريا.
اليوم، بات كلّ مقهى يعبّر عن مجموعة سياسية، فترى الروضة يجتمع فيه نمط من المثقفين السوريين يختلف عن النمط الذي يجتمع في مقهى الكمال، ويختلف هؤلاء عن الذين يجتمعون في مقهى الحارة وفينسيا… وغيرهم كثير.
لكنّ هذه المقاهي التي باتت أسمائها لامعة، غير قادرة على جذب الجميع، ولهذا بات هناك مقاهٍ تنافسها على النشاط السياسي، ربّما قهوة مزبوطة أحدها، فلا يمكن أن تدخله مرّة، إلّا وتجد مجموعة تخطط لإطلاق مبادرة، أو مظاهرة، أو احتجاج، أو تنظيم لقاء سياسي. والأمر الآخر أن مقاهٍ كانت معروفة باحتضانها للنشاطات السياسية – النوفرة كمثال – وقفت جانباً وعادت لكونها مقاهٍ وحسب.
ما يثير الانتباه أيضاً أن هذه المقاهي باتت أماكن لتنظيم اللقاءات العلنية الكبيرة، فمقهى الكمال قد احتضن – على سبيل المثال – عدداً من الجلسات التعريفية لمجموعة من الأحزاب الناشئة والقديمة المتجددة. أمّا الروضة، فلا يمضي يومان أو ثلاثة حتى يُعلن عن مجموعة من المثقفين، أو المسجونين السابقين، يلقون محاضرة فيه.
ما الذي علينا أن نستشفّه من هذا؟ هل تلعب هذه المقاهي هذا الدور لعدم وجود فضاءات أخرى تلعبها؟ أم أنّها بطبيعتها، وكجزء من تكوينها القديم، مستمرة بلعب هذا الدور السياسي؟ في الحقيقة، لا يمكن الإجابة على هذا السؤال اليوم، والأمر الوحيد الذي يمكن التأكد منه: حتى وقت كتابة هذه السطور، المقاهي القديمة والحديثة، توفّر للنشاط السياسي الجديد مكانه.









