المفاضلة الموحدة الإلكترونية…حوكمة تنطوي على إيجابيات وسلبيات

في خطوة نوعية نحو تحديث منظومة التعليم العالي في سوريا، أعلنت وزارة التعليم العالي عن اعتماد المفاضلة المركزية الإلكترونية الموحدة، التي تمثل تحوّلاً جذرياً في آلية القبول الجامعي، وتأتي هذه الخطوة استجابةً للحاجة الملحة إلى توحيد وتسهيل إجراءات التسجيل، وضمان العدالة والشفافية في توزيع المقاعد الجامعية بين آلاف الطلاب المتقدمين، وعلى الرغم من المزايا الواضحة التي تقدمها هذه المفاضلة، إلا أنها تطرح أيضاً مجموعة من التحديات التقنية والاجتماعية التي يجب التعامل معها بوعي وحكمة لضمان نجاح هذا المشروع الحيوي.
وقد أعلنت الوزارة في بيان رسمي أن المبادرة تهدف إلى توحيد آلية القبول في الجامعات، لضمان تحقيق العدالة والشفافية، وتقليل الأعباء الإدارية على الطلاب، مع بدء تطبيق النظام الجديد مع انطلاق العام الدراسي القادم.
وحذرت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في سوريا من الانسياق وراء إعلانات أو عروض قبول جامعي خارج نطاق المفاضلات الرسمية والقنوات القانونية، مؤكدة على ضرورة الالتزام بالمفاضلات المعتمدة الصادرة عنها فقط، وأشارت الوزارة إلى أن هناك من يحاول تقويض الثقة بالمؤسسات التعليمية عبر التسجيل في مفاضلات وهمية لا تنتمي لوزارة التعليم العالي.
وأوضحت الوزارة، في بيان نشر على صفحتها الرسمية في “فيسبوك” الخميس الماضي، أن أي قبول أو تسجيل يتم خارج المفاضلات المعلنة يعتبر باطلاً من الناحيتين القانونية والأكاديمية.
وأضافت أن هذه الممارسات تعرض الطلاب لمخاطر فقدان حقوقهم في القبول الجامعي أو عدم الاعتراف بشهاداتهم داخل سوريا أو خارجها مستقبلاً.
وأكدت الوزارة أن أي مفاضلة لا تصدر عن الجهات الرسمية المعتمدة لديها تعتبر غير شرعية، ولا تلزم قانونياً سواء الطالب أو الجهة التي تروج لها.
كما أوضحت أن جميع إجراءات القبول وتوزيع المقاعد وإعلانات المفاضلات العامة والخاصة تقع ضمن صلاحيات الوزارة حصراً، وأن الترويج لقبولات جامعية خارج هذا الإطار يعد مخالفة قانونية.
ودعت الوزارة الطلاب وأولياء الأمور إلى عدم التعامل مع أشخاص أو جهات غير مرخصة تدعي امتلاك صلاحيات في هذا المجال، مشددة على ضرورة متابعة كل الأخبار والقرارات من خلال الموقع الرسمي وحسابات الوزارة المعتمدة على مواقع التواصل.
المفاضلة الموحدة…إيجابيات وسلبيات
بعد سلسلة التحذيرات وتوضيح المعلومات حول هذه المفاضلة، تبرز مجموعة من الإيجابيات والسلبيات التي ترافق هذه الخطوة التقنية، من المهم التوقف عندها.
فبحسب ما أوضحه الدكتور جهاد العويد، الأكاديمي والباحث في شؤون التعليم، وكذلك وفق بيان الوزارة، فإن المفاضلة الموحّدة تتيح توزيعاً أكثر عدلاً للفرص التعليمية عبر توحيد معايير القبول في الجامعات الحكومية والخاصة، ما يحدّ من تفاوت شروط التسجيل ويضمن تكافؤ الفرص لجميع المتقدّمين.
كما أن هذا الإجراء يعزّز الشفافية ويتيح مراقبة دقيقة بفضل اعتماد نظام إلكتروني تُشرف على إدارته وزارة التعليم العالي حصرياً، مما يقلّل من احتمالات التلاعب أو الوقوع في الأخطاء البشرية، إضافةً إلى ذلك، فإن دمج عدة مفاضلات في واحدة يختصر على الطالب الوقت والجهد الذي كان يستهلكه في التقديم لكل جامعة بشكل منفصل، ويحدّ من تداخل المواعيد أو تضاربها.
العويد أشار أيضاً إلى أن هناك اعتقاداً خاطئاً بأنها المرة الأولى التي تُطبق فيها المفاضلة الموحّدة، بينما الحقيقة أنها طُبقت العام الماضي في جميع الجامعات الحكومية، واقتصرت على التخصصات الطبية فقط في الجامعات الخاصة.
ورغم إيجابية الفكرة، يرى العويد أن نجاحها مرهون بحسن التطبيق، معبّراً عن قلقه من غياب التفاصيل الواضحة حول آلية التنفيذ، وطريقة توزيع المقاعد بين الجامعات، وموعد طرح المفاضلة، كما تساءل عن مدى جاهزية الكوادر والإمكانات التقنية في وزارة التعليم العالي والجامعات والمعاهد لتنفيذ هذه الآلية بكفاءة، محذّراً من أن يتحوّل الطالب السوري إلى “حقل تجارب” لهذه التقنية الجديدة.
وللتدليل على مخاوفه، استعاد العويد تجربة مفاضلة عامي 2005 و2006 حين أُضيفت “علامة التثقيل” إلى النتائج، ما شكّل حينها ضربة لطموحات الكثير من الطلاب، قبل أن تتراجع الوزارة وتلغي هذا النظام.
وأشار كذلك إلى أن عودة جامعات الشمال لإشراف الوزارة وفّرت للطالب نحو 40 جامعة للاختيار من بينها، لكن دمج المفاضلة بين الحكومية والخاصة زاد من حالة التشتت لديه، ومن المشكلات المرتبطة بذلك عدم توحيد أسماء التخصصات بين الجامعات، فمثلاً قد تُسمّى “هندسة الحاسوب” في جامعة، و”هندسة الكمبيوتر” في أخرى، أو “هندسة الحاسوب والاتصالات” في ثالثة، ما يصعّب على طالب الثانوية فهم الخيارات المتاحة واختيار التخصص المناسب.
ويرى العويد أن حل هذه الإشكالية يتطلب إنشاء مراكز إرشاد داخل الجامعات، توفّر معلومات شاملة للطلاب، مع تجهيزها بالبنية التحتية اللازمة من حواسيب، وكهرباء، وإنترنت سريع، إضافة إلى كوادر متخصصة على دراية بكامل تفاصيل المفاضلة، ليكونوا بمثابة مستشارين للطلاب، لكن يبقى السؤال: هل الوزارة قادرة على تدريب هذه الكوادر أو توفيرها خلال الفترة القصيرة المتبقية قبل صدور المفاضلة؟
الحل المقترح
بحسب العويد، يمكن تطبيق المفاضلة الإلكترونية الموحّدة على الجامعات الحكومية فقط، وعلى بعض التخصصات الطبية في الجامعات الخاصة، مع السماح للأخيرة بتنظيم مفاضلاتها الخاصة لكن وفق شروط تحددها الوزارة، مثل عدد المقاعد المتاحة.
أما فيما يخص المخاوف من ارتفاع المعدلات هذا العام، فيرى العويد أن المعدلات ستنخفض إذا طُبقت المفاضلة الموحّدة، لأن الطالب لن يحصل إلا على مقعد واحد، ويشدد على أن هذه الخطوة ستسهل إجراءات التسجيل إذا نُفذت بشكل صحيح، مقترحاً فصل مفاضلة الجامعات الحكومية عن الخاصة، وإلزام الجامعات الخاصة بتوفير منصات إلكترونية للتسجيل دون الحاجة لزيارة مقراتها، شريطة التزامها بالضوابط التي تحددها الوزارة.
واختتم العويد بالتنويه إلى أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام تضارب المصالح بين الجامعات الحكومية المجانية والجامعات الخاصة التي يتطلب الالتحاق بها دفع مبالغ مالية مقابل دراسة تخصصات معينة.
اقرأ أيضاً: «تغريبة جامعية» تُحيي النقاش حول التعليم الرقمي في سوريا









