“المفاصلة” في سوريا.. عندما يصبح كل تخفيض انتصاراً على الغلاء

بقلم: ريم ريّا
“في مجال تساويلنا سِكره؟” تتردد هذه العبارة يومياً في الأسواق السورية، وقد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من طقوس البيع والشراء. نادراً ما يكتفي المشترون بالسعر المعلن، بينما يضع البائعون هامشاً سعرياً يتوقعون التنازل عن جزء منه، لتبدأ بذلك لعبةٌ قواعدُها معروفة جيداً للطرفين “المفاصلة”. ومع ذلك، لم تعد المفاصلة اليوم مجرد عادة اجتماعية متوارثة أو اختباراً لمهارات التفاوض، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لواقع اقتصادي تشكل بفعل سنوات من التضخم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية. فما حكاية المفاصلة وماذا تقول الأرقام عنها؟
المفاصلة حالة طارئة أم تقليد راسخ؟
تاريخياً، ارتبطت المساومة بالأسواق المفتوحة والأسواق التقليدية (البازارات) في أنحاء بلاد الشام وتركيا وشمال أفريقيا والهند. لم تكن السلع تباع بأسعار ثابتة، بل كانت القيمة النهائية تتحدد بناءً على قدرة البائع والمشتري على التوصل إلى رقم متفق عليه.
ورغم انتشار المتاجر الحديثة التي تعتمد أسعاراً ثابتة، لا تزال المفاصلة “المساومة” ممارسة شائعة في جميع أنحاء الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط تحديداً، وحتى في الأسواق التقليدية في كوريا الجنوبية والصين. وهذا يشير إلى أنها ليست ظاهرة عربية حصرية، بل ممارسة تجارية عالمية صمدت لقرون وتكيفت مع ثقافات مختلفة.
اقرأ أيضاً: حين يسيطر اقتصاد الظل … قراءة في واقع سوريا الاقتصادي المعقد
الاقتصاد السوري يعيد إحياء المفاصلة
في سوريا، اكتسبت المفاصلة أهمية جديدة في السنوات الأخيرة، إذ يدفع التضخم الحاد وتقلبات الأسعار المستمرة المتسوقين للسعي وراء الحصول على أي خصم مهما كان بسيطاً، بينما يعمد التجار غالباً إلى رفع الأسعار لتكوين هامش أمان يقيهم من تقلبات السوق المحتملة. ووفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن “المركز السوري لبحوث السياسات”، بلغ معدل التضخم السنوي في سوريا 27.5 في المائة بحلول شهر نيسان 2026، مع ارتفاع الأسعار بنسبة 3.5 في المائة خلال شهر واحد. ويشير هذا إلى استمرار الضغوط على تكاليف المعيشة، حتى وإن كانت وتيرة التضخم قد تباطأت مقارنة بالسنوات السابقة.
وقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك من 918 نقطة في آذار إلى 950 نقطة في نيسان 2026. وكانت قطاعات السكن والمياه والكهرباء والتعليم من العوامل الرئيسية المسببة لارتفاع الأسعار، في وقت أصبحت فيه الخدمات الأساسية تشكل العبء الأكبر على ميزانيات الأسر.
في سوريا الدخل لا يواكب تكاليف المعيشة
بالنسبة لمعظم السوريين، لا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار فحسب، بل أيضاً في الفجوة المتزايدة بين الدخل والنفقات. تظهر بيانات “المركز السوري لبحوث السياسات” أن الحد الأعلى لخط الفقر للأسرة يبلغ حوالي 7.26 مليون ليرة سورية شهرياً. ومع ذلك، فإن أجور العديد من العمال لا تغطي سوى جزء ضئيل من هذا المبلغ، إذ لا تتجاوز أجور بعض موظفي القطاع العام 15.6% من الحد الأعلى لخط الفقر، بينما لا تغطي أجور القطاع الخاص سوى حوالي 38.5% من خط الفقر المدقع.
تجبر هذه الفجوة الأسر على إعادة حساب نفقاتها مع كل عملية شراء، حيث يمكن لأي مصروف بسيط أن يؤثر على قدرتها على توفير الاحتياجات الأخرى. وهذا يفسر إصرار العديد من المستهلكين على المساومة، حتى عند شراء سلع زهيدة الثمن.
القوة الشرائية.. المحرك الحقيقي للمساومة
كلما ضعفت القوة الشرائية، زادت أهمية المساومة بالنسبة للمستهلك. وتُظهر تقديرات برنامج الأغذية العالمي أن ملايين السوريين لا يزالون يواجهون انعدام الأمن الغذائي، وأن تكاليف الغذاء تستهلك الحصة الأكبر من دخل الأسرة. ونتيجة لذلك، يُعد حتى الخفض البسيط في الأسعار وسيلة لتخفيف العبء المالي اليومي. وفي هذا السياق، تتحول المساومة من مجرد عادة اجتماعية إلى استراتيجية اقتصادية تستخدمها الأسر لإدارة ميزانياتها.
الأمر لا يقتصر على المال فحسب، إذ تظهر دراسات في علم نفس المستهلك وفق كتاب Why We Buy: The Science of Shopping للباحث Paco Underhill عام 1999، أن المشترين يشعرون برضا أكبر عند نجاحهم في التفاوض للحصول على سعر أقل حتى لو كان الفرق بسيطاً، لأنهم يشعرون بأنهم حققوا مكسباً شخصياً وأداروا أموالهم بحكمة.
في المقابل، غالباً ما يفضل البائعون تقديم خصم بسيط بدلاً من خسارة البيع تماماً. ولذلك، فهم يضعون عادةً هامشاً سعرياً يسمح لهم بالتفاوض دون التأثير بشكل كبير على أرباحهم. وقد وجدت دراسة “A Little Haggle Goes a Long Way: The Effects of Negotiation in Consumer Markets” المنشورة في مجلة ” Management Science” عام 2022،، أن حوالي 40% من محاولات التفاوض للحصول على خصم تكلل بالنجاح في “فيينا”، حيث يحصل المشترون على تخفيض في السعر يبلغ في المتوسط حوالي 10%. ويساعد هذا في تفسير استمرار ثقافة المساومة، حتى في بعض الأسواق الحديثة.
بين الشفافية والتسعير القائم على التضخم
على الرغم من أن المفاصلة تمنح المستهلكين فرصة للحصول على سعر أقل، إلا أن لها جانباً سلبياً، إذ قد تدفع بعض البائعين إلى رفع الأسعار الأولية تحسباً لطلبات التفاوض. وهذا يحجب القيمة الحقيقية للسلعة ويخلق تفاوتات في الأسعار بين العملاء المختلفين. في المقابل، تتبنى متاجر التجزئة عبر الإنترنت وسلاسل المتاجر الكبرى عادةً سياسات تسعير ثابتة تحد من مجال التفاوض وتوفر للمستهلكين وضوحاً أكبر عند اتخاذ قرارات الشراء.
هل ستندثر المفاصلة؟ يعتقد الخبراء أن المساومة ستستمر طالما تشهد الأسواق تقلبات في الأسعار، ولا تكفي دخول المستهلكين لتغطية الاحتياجات الأساسية.
يرى الخبراء أن المساومة ستستمر طالما ظلت الأسواق تشهد تقلبات في الأسعار، وظل دخل المستهلك غير كافٍ لتلبية الاحتياجات الأساسية، فاستقرار الأسعار وارتفاع القوة الشرائية يقللان عادةً من الحاجة إلى التفاوض، في حين تميل الأزمات الاقتصادية إلى إحياء هذه الممارسة.
وفي السياق السوري، لم تعد المفاصلة اليوم مجرد عادة اجتماعية، بل أصبحت انعكاساً للواقع الاقتصادي، فهي تعكس سعي البائع للحفاظ على حركة البيع، ومحاولة المشتري الحفاظ على ما تبقى من قدرته الشرائية. وهكذا، تحولت عبارة “شو سعرها النهائي؟” إلى تعبير يومي عن معادلة اقتصادية معقدة، بدلاً من أن تكون مجرد وسيلة لبدء الحديث بين البائع والمشتري.
https://ar.tradingeconomics.com/syria/inflation-cpi
https://pubsonline.informs.org/doi/abs/10.1287/mnsc.2021.4094?
Monthly Bulletin for Consumer Price Index and Inflation in Syria Issue (4) – April 2026
Monthly Bulletin for Consumer Price Index and Inflation in Syria – March 2025
https://aawsat.com/%D9%8A%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82/%D8%B3%D9%81%D8%B1-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D8%A9/5143116-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%88%D9%85-%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86-%D9%87%D9%86%D8%A7%D9%83-%D8%B3%D8%B9%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D8%AF%D8%AF%D8%9F
https://thawra.sy/report/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D8%AB%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%A7/









