سياسة

المعابر والنفط والسجون: الملفات التي تجعل «الاندماج» أكبر من مجرد قرار عسكري

الكاتب: أحمد علي

يبدو الحديث عن دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري مسألة يمكن حسمها بقرار عسكري، كأنها تبديل شارات وإعادة توزيع وحدات. لكن شمال وشرق سوريا ليس انتشاراً مسلحاً فقط، بل إدارة مدنية وموارد اقتصاد وحدود وسجون ومخيمات، وكل ملف منها ينعكس مباشرة على حياة الناس. اتفاق 10 آذار 2025 وضع إطاراً عاماً لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية ضمن مؤسسات الدولة، وتحوّل لاحقاً إلى سباق مع الوقت، قبل أن يتبين أن العقد ليست في العناوين بل في التفاصيل. لذلك لم يكن مفاجئاً أن يخرج اجتماع دمشق في 4 كانون الثاني 2026 بلا تقدم ملموس، مع وعد باستكمال النقاش لاحقاً.

المعابر والنفط والسجون تفرض شروطاً

اختزال العقدة في عبارة «المعابر والنفط والسجون» ليس لعبة كلمات، بل تعريف لنقاط التحكم الفعلية. الاتفاق ربط الاندماج بانتقال إدارة المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز وسجون معتقلي تنظيم الدولة إلى الدولة المركزية، أي أنه نقل النقاش من “كيف يندمج المقاتل؟” إلى “من يدير المال والأمن والسيادة؟”. وهنا يصبح الاندماج أكبر من قرار عسكري، لأن من يملك هذه المفاتيح يملك قدرة التأثير في الرواتب والخدمات وتوازن القوى المحلي، وحتى في شكل العلاقة مع الخارج.

معابر الحدود ومعنى السيادة

المعابر تعني سيادة تُقاس بالأختام والضرائب والقدرة على ضبط التهريب. دمشق ترى فيها اختباراً سريعاً لعودة الدولة بقواعد موحدة، بينما تخشى قسد أن يؤدي فقدانها إلى تراجع القدرة على تمويل الخدمات في منطقة اعتمدت سنوات على إيرادات محلية وعلى إدارة يومية مستقلة. بالنسبة للسكان، السؤال عملي جداً: هل ستبقى السلع متاحة وأسعارها مستقرة، أم أن أي انتقال إداري سيعطل حركة التجارة ويضغط على الأسواق؟ ويزداد المشهد حساسية مع موقف تركيا الرافض لأي صيغة تُبقي لقسد بنية مستقلة قرب حدودها، وقد عبّر مسؤولون أتراك أواخر 2025 عن تشككهم في جدية تقدم الاندماج.

نفط الشرق وحسابات المال

النفط والغاز ليسا مجرد “ثروة”، بل ميزانية يومية قبل كل شيء. نقل إدارة الحقول إلى دمشق يفتح أسئلة عن تقاسم الإيرادات، والشفافية، وحماية المنشآت، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعادة تأهيل البنية الطاقية وتخفيف الاقتصاد الموازي. تحدثت تقارير في كانون الأول 2025 عن تسريع المحادثات قبيل انتهاء المهلة، مع دور أميركي، وطرحت أفكاراً لإعادة تنظيم قوات قسد ضمن تشكيلات داخل الجيش، بما يشبه إنشاء عدة فرق، مقابل ترتيبات أوسع على الأرض. إذا لم تُحسم آلية واضحة لتوزيع العائدات وكيف تعود للخدمات محلياً، فسيبقى ملف المعابر والنفط والسجون نقطة شد وجذب حتى بعد أي “اندماج” على الورق.

السجون وداعش واختبار الدولة الجديدة

السجون ليست ملفاً أمنياً محلياً لأن داعش ملف دولي بامتياز. مخيم الهول يضم نحو أربعين ألف شخص، معظمهم نساء وأطفال مرتبطون بالتنظيم بدرجات مختلفة، إضافة إلى سجون تضم آلاف المقاتلين. هذه المنظومة تبتلع تمويلاً وتحتاج قضاءً وإجراءات قانونية، لا حراسة فقط، لأن مخاطر التطرف والتمرد ومحاولات الهروب لا تُدار بالحلول المؤقتة.

وشدد تقرير لوزارة الخارجية الأميركية في آب 2025 على أهمية زيادة الإعادات (repatriations) وتحسين الأمن والظروف الإنسانية لتقليل خطر عودة التنظيم، بينما أشارت أبحاث متخصصة إلى أن عشرات الآلاف من الأجانب وأسرهم ما زالوا محتجزين بين سجون ومخيمات. وعندما تُعلن دمشق استعدادها لتسلّم هذا الملف، فهي تتسلّم معه التزاماً عملياً بالتعاون مع دول المحتجزين وببناء مسار قانوني قابل للاستمرار.

شكل الاندماج ومصير الحكم

يبقى السؤال الذي يختصر كل شيء: هل تندمج قسد ككتلة متماسكة داخل الجيش، أم تُحل إلى أفراد ووحدات متفرقة؟ تشير المعطيات الأخيرة إلى أن هذا الخلاف تحديداً يعرقل التقدم، لأنه ليس تفصيلاً إدارياً، بل قرار يحدد مستقبل اللامركزية الأمنية والحكم المحلي. إذا بقيت قسد كتلة، فهذا يعني استمرار قيادة محلية وقدرة على إدارة الأمن الداخلي؛ وإذا تفككت بالكامل، فهذا يعني إعادة تشكيل المشهد من الصفر وما يرافقه من مخاوف لدى المكونات المحلية. ومن دون إطار سياسي يحدد صلاحيات الإدارة المحلية وحقوق المكونات (بما فيها الثقافة واللغة والتعليم)، سيعود ملف المعابر والنفط والسجون كاختبار يومي لأي تسوية، لا كعنوان في بيان. وفي هذا السياق، نحيلكم إلى المقال الموسع الذي أنجزته “سوريا اليوم 24” في نقاش هذا الأمر وتفنيده: دمج قسد: كتلة أم أفراد؟ وكلفة كل خيار على سوريا.

الخلاصة أن الاندماج، إن تم، سينجح بقدر ما ينجح في تحويل الموارد والحدود والسجون من أدوات ضغط إلى مؤسسات شفافة بقواعد محاسبة واضحة. فالناس اليوم لا ينتظرون خطاباً، بل ينتظرون خدمات ورواتب وأمناً لا يتغير مع كل جولة تفاوض.

لكن من المهم التأكيد هنا أن المعنيَّ بهذه التفاصيل كلها هم السوريون، كل السوريين، لا سلطاتُ الأمر الواقع وحدها. لذلك ينبغي أن يجري نقاشُها ضمن إطار وطني سوري جامع، على أمل أن تتحرك المساعي في هذا الاتجاه، لنوفّر على السوريين أتعاباً وجهوداً مضنيةً هم في غنى عنها بعد أزمةٍ امتدت خمسة عشر عاماً.

اقرأ أيضاً: اتفاق دمشق وقسد: هل تُعقِّد تل أبيب المسار؟5

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى