أعمال واستثمار

المعابر تعود للحياة.. التبادل التجاري بين العراق وسوريا عند أعلى مستوياته

بقلم: ريم ريّا

عادت التجارة بين العراق وسوريا بشكل قوي في الأشهر الأخيرة عقب إعادة فتح وتفعيل عدة معابر حدودية بين البلدين، فزادت بشكل تدريجي حركة الشاحنات والبضائع بعد فترة طويلة من الركود. وقد تجاوز هذا النشاط مجرد تبادل السلع التجارية ليشمل قطاعات النقل والخدمات والاقتصاد على جانبي الحدود، إذ تطلب الأسواق السورية المزيد من المنتجات والمواد، بينما يمثل السوق السوري نفسه منفذاً وشريان حياة للبضائع العراقية.

مع تزايد حركة المرور، تتحول هذه المعابر الحدودية من مجرد نقاط عبور بسيطة إلى مراكز اقتصادية أوسع نطاقاً. ويصب هذا التحول في مصلحة التجار المحليين والسائقين وأصحاب الأعمال على طول طرق الوصول، لا سيما في ظل التدفق المستمر للشاحنات بين البلدين.

16 مليار دينار لتحديث ثلاثة معابر حدودية

أعلنت هيئة المنافذ الحدودية العراقية عن تخصيص 16 مليار دينار عراقي، أي ما يعادل حوالي 12.2 مليون دولار لتحديث ثلاثة معابر حدودية هي، ربيعة، والوليد، وصفوان. وسيتم توظيف هذه الأموال في مشاريع البنية التحتية وإجراء تحسينات عامة في هذه المرافق.

وصرح المتحدث باسم الهيئة، علاء الدين القيسي، بأن هذه التخصيصات تأتي ضمن جهود أوسع لتحديث المعابر الحدودية وتعزيز العلاقات مع دول الجوار ودول المنطقة. وتهدف هذه الإجراءات إلى دعم الاقتصاد العراقي، لا سيما في ظل الأحداث الأخيرة التي أثرت على حركة التجارة والنقل في المنطقة.

وتكتسب عملية تحديث هذه المعابر أهمية تتجاوز مجرد تقديم الخدمات، إذ أن زيادة قدرتها الاستيعابية للتعامل مع الشاحنات وإنجاز الإجراءات الجمركية من شأنها تقليل أوقات الانتظار وتسهيل تدفق البضائع، وهي أمور حيوية للتجارة في ظل تزايد الطلب على النقل البري.

اقرأ أيضاً: كيف تغيّر عودة “ربيعة” خريطة التوريد والعبور عبر سوريا؟

استئناف النشاط التجاري في معبري ربيعة والوليد

شهد معبرا ربيعة والوليد، اللذان أعيد افتتاحهما في شهر نيسان الماضي، نشاطاً تجارياً كان محدوداً في البداية، إلا أن حجم هذا النشاط قد ازداد بالتتدريج بعد الافتتاح.

ووفقاً لهيئة المنافذ الحدودية العراقية، فقد بلغت حركة التجارة بين العراق وسوريا مستويات قياسية، مع تزايد أعداد الشاحنات العابرة بين البلدين. ويأتي هذا الانتعاش في وقت أصبحت فيه الطرق البرية حيوية لنقل البضائع والطاقة، وذلك عقب تعطل ممرات تجارية أخرى في المنطقة.

ورغم أن زيادة حركة العبور لا تعني بالضرورة تجاوز الأسواق لكافة التحديات، إلا أنها توفر للتجار خيارات أوسع لتوريد البضائع ونقلها. كما أنها تخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات النقل والتخليص الجمركي والخدمات اللوجستية.

مؤشر رئيسي للتوسع التجاري.. الارتفاع الحاد في نشاط النقل البري

الارتفاع الحاد في نشاط النقل البري بين البلدين مؤشر مفصلي ونقطة علّامة على التوسع التجاري، حيث أوضح القيسي أن العراق يصدر النفط إلى سوريا عبر شاحنات صهريجية بمعدل يصل إلى حوالي 1500 شاحنة يومياً، بينما تقوم 1500 شاحنة أخرى برحلة العودة، مما يعني تدفقاً بالمجمل بشكل يومي يقدر بما يقارب 3000 شاحنة في كلا الاتجاهين.

ويؤثر هذا النشاط بشكل مباشر على السائقين والعاملين في قطاع النقل، إلا أن تأثيراته تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. تحتاج الشاحنات العابرة إلى الوقود والصيانة والطعام وخدمات متنوعة، مما يعزز الأعمال التجارية للمتاجر والمطاعم ومحطات الوقود وغيرها من المنشآت الواقعة على طول الطريق.

بهذا، يصبح الطريق التجاري نفسه جزءاً من الدورة الاقتصادية، إذ تستفيد المناطق التي تعتمد جزئياً على حركة المسافرين والشاحنات من هذا النشاط، في حين يؤدي انخفاض حركة المرور العابر عادةً إلى تراجع النشاط التجاري على طول الطرق وعند المعابر الحدودية.

ماذا تستورد سوريا وماذا يصدّر العراق؟

تتسم السلع المتبادلة بين البلدين بالتنوع، إذ يواصل العراق تصدير مواد البناء والكبريت إلى سوريا، بالإضافة إلى النفط المنقول عبر الشاحنات الصهريجية في حين يستورد الخضروات وبضائع أخرى منها. ويعكس هذا التبادل طبيعة العلاقة الاقتصادية بين سوقين متجاورتين، تربطهما حدود برية ممتدة وحاجة متبادلة للمنتجات، فالمنتجات الزراعية السورية تصل إلى السوق العراقية، بينما تعد مواد البناء والسلع العراقية الأخرى إمدادات حيوية للسوق السورية.

ومن شأن استمرار هذا التدفق وتطوير المعابر الحدودية أن يؤدي إلى زيادة حجم التجارة في المستقبل، تحديداً عند اقترن ذلك بتبسيط الإجراءات الجمركية وتحسين البنية التحتية والخدمات اللوجستية.

لكن في ظل هذا الحراك الحدودي المفعم، يكمن التحدي الرئيسي أمام حركة التجارة بين العراق وسوريا في ضمان استدامة هذا النشاط، وتحويل الزخم الحالي في حركة الشاحنات إلى نشاط تجاري مستقر، بدل من كونه مرتبط بظروف مؤقتة. وتتطلب هذه الخطوة توفير بنية تحتية قادرة على استيعاب أحجام النقل، ووضع إجراءات واضحة للتجار والسائقين، وضمان استقرار المسارات التجارية والأسواق في كلا البلدين.

فالمعبر الحدودي لا يعمل بمعزل عن غيره، بل يندرج ضمن شبكة واسعة تمتد من المنتجين والتجار، مروراً بعمليات النقل والتخليص الجمركي، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي ظل استعداد المعابر الحدودية العراقية لمشاريع تطوير جديدة، يشير تزايد حركة الشاحنات إلى انتعاش المسار التجاري بين العراق وسوريا.

ختاماً، سيعتمد حجم الفائدة الفعلية على قدرة البلدين على تحويل هذه الحركة إلى علاقات تجارية أكثر تنظيماً، بما يخدم الأسواق والقطاعات الاقتصادية، بدل من الاكتفاء بكونها مجرد أرقام وإحصائيات مسجلة عند المعابر الحدودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى