المظلوميات في سوريا: هل كسب «المعترون» شيئاً من الاستقطاب؟

الكاتب: أحمد علي
تمتلئ شوارع سوريا اليوم بأحاديث عن “المظلومية”، ويمكنك أن تسمعها في كل زاوية؛ فكل فئة وطائفة وعرق تروي حكايتها المؤلمة وتؤكد أنها الأكثر تعرضاً للظلم والقهر. على قارعة الطريق وبين أنقاض البيوت، يتجادل البعض حول من المُحق ومن الضحية الأكبر في مأساة وطن مزقته الحرب. لكن وسط هذا الصخب، يرفع «المعترون» العابرين للانتماءات الفئوية – نحن عامة الناس الذين دفعنا الثمن الأغلى – صوتاً يتساءل: هل جلب لنا هذا الاستقطاب الحاد غير المزيد من الخسارات؟
أنهكت الحرب جميع الأطراف، وأضحت المظلومية راية يرفعها الجميع لتبرير مواقفهم. ومع مرور السنوات، بتنا ندرك أننا – نحن أبناء البلد البسطاء – جميعنا في الهم سواء؛ فالرصاص والقذائف لم تفرق بين أحد، والمعاناة وُزِّعت بالتساوي تقريباً على مختلف أطياف الشعب. فكيف تفيدنا المنافسة في تعداد المظالم ومن الأجدر بالتعاطف؟ وهل ساهمت تلك السرديات المتصارعة إلا في تعميق الجراح الجماعية؟
سرديات المظلومية في سوريا: هل كسب «المعترون» شيئاً؟
منذ بداية الأزمة، تشبثت كل جهة بسردية المظلومية الخاصة بها. فهناك من رفع شعار المظلومية التاريخية ضد التهميش السياسي والإقصاء، وآخرون تشكوا مظلوميتهم من الإرهاب والتآمر الخارجي. تحول الألم إلى ورقة سياسية يلوّح بها لكسب التعاطف وتبرير المواقف. وبين هذا وذاك، وقفت الأغلبية الصامتة من الشعب، «المعترون» الذين طحنهم الفقر وفقدوا الأمان، يتساءلون عمّا إذا كان أي من تلك المواقف المتطرفة سيضع الخبز على موائدهم أو يعيد إليهم دفء بيوتهم.
الواقع المرير يقول إن أحداً من البسطاء لم يجنِ منفعة من هذا الاستقطاب. فبين الأطراف المتخاصمة، ضاعت أصوات العقل والحلول الوسط. وبدلاً من أن يتوحد السوريون في مواجهة معاناتهم المشتركة، انقسموا مع الأسف إلى معسكرات متناحرة، كل منها يرى نفسه ضحية والآخر جلاد. فيما لم تقدم الخطابات المتشددة للناس العاديين سوى مزيد من الخوف والعداء، بينما استمرت طاحونة الحرب في حصد الأرواح وتدمير سبل العيش.
ثمن الاستقطاب: الجميع خاسر
دفع السوريون جميعاً ثمناً باهظاً لهذه السنوات من الاقتتال والانقسام. أعداد القتلى/الضحايا/الشهداء تصاعدت إلى أرقام مفزعة؛ تُقدَّر الخسائر البشرية بأكثر من 650 ألف سوري قُتلوا/استشهدوا منذ عام 2011 وحتى مطلع 2025. وهذا الرقم المهول يتجاوز ضحايا حروب أهلية إقليمية أخرى كمثال الحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاماً وحصدت أكثر من 100 ألف روح. كما شهدت سوريا نزوحاً وتهجيراً غير مسبوقين، إذ شرّدت الحرب نحو 13 مليون سوري داخل البلاد، وأجبرت 6.7 مليون آخرين على اللجوء خارجها – أي أن أكثر من نصف سكان البلاد قبل الحرب قد اقتُلعوا من ديارهم!
لم تسلم أي أسرة من أثر المأساة؛ قليلون فقط من لم يفقدوا قريباً أو جاراً أو صديقاً. في العراق المجاور مثلاً، والذي ذاق هو الآخر مرارة الاقتتال الطائفي بعد 2003، سقط نحو 190 ألف مدني في دوامة العنف، وبلغ مجموع الضحايا بما فيهم المقاتلون حوالي 300 ألف شخص. ورغم فداحة تلك الأرقام، إلا أن الكارثة السورية فاقت كل تصور.
وما الحصيلة إلا دليل على حقيقة مرة: في حرب الاستقطاب هذه لا منتصر حقيقي على الإطلاق، بل خاسرون في كل بيت وعلى كل رقعة من أرض سوريا. لقد خسرنا أبناءنا وأحباءنا، وخسرنا اقتصادنا ومستقبل شبابنا، حتى بات 90% من السوريين اليوم تحت خط الفقر يفترشون الرماد ويلتحفون الألم.
من يستفيد من الانقسام؟
قد يتساءل البعض: إذا لم يكن الناس العاديون هم المستفيدون، فمن يستفيد إذن؟ الحقيقة المرة أن لغة المظلومية والاستقطاب لم تخدم سوى أمراء الحرب والمتشددين على جانبي الصراع. أولئك الذين اعتاشوا على استمرار الأزمة – سواء كان ذلك بكسب نفوذ سياسي، أو موارد اقتصادية غير مشروعة، أو دعم خارجي – وجدوا في الانقسامات العميقة ضالتهم. فاستمرار خطاب “نحن ضد هم” ضمن لهم جمهوراً مشحوناً بالعواطف ومستعداً للتضحية، بينما انصرف الاهتمام عن محاسبتهم على فساد أو فشل في تأمين حياة كريمة للناس.
في ظل هذا الواقع، تحولت المظلوميات إلى عملة سياسية في سوق المزايدات، يدفع ثمنها المواطن البسيط من أمنه وقوته اليومي. وما «زاد الطين بلة» أن كل طرف صدّق روايته الخاصة بالكامل، رافضاً تصديق أن لدى الطرف الآخر أيضاً آلامه ومعاناته. وهكذا دارت طاحونة البلاد في حلقة مفرغة من الانتقام المتبادل، حيث برر كل جانب لنفسه الاستمرار في الحرب باعتباره يقاتل ظلماً تاريخياً أو خطراً وجودياً. وغاب عن المشهد صوت العقل الذي يقول: كفى قتلاً وخراباً، فقد خسرنا جميعاً أكثر مما يمكن احتماله.
الوطن أولاً: سردية تجمع ولا تفرق
بعد كل هذه السنوات العجاف، حان الوقت لاعتماد سردية جديدة – سردية وطنية جامعة تتجاوز قصص المظلومية الضيقة. سردية تقول إن سوريا بكل أطيافها هي الضحية الواحدة الكبرى، وإن خلاصها لن يكون إلا بتضامن أبنائها مع بعضهم البعض. نعم، لقد تعرض الجميع للظلم بشكل أو بآخر؛ فلا معنى لأن يتبارى الإخوة في تكديس جراحهم أمام بعضهم. بدلاً من ذلك، علينا الاعتراف بأن الألم مشترك والمصير مشترك، وأن المستقبل لن يُبنى إن بقي كل طرف يغني على ليلاه الجريحة.
والسردية الوطنية المنشودة لا تنكر المظالم بل تتبناها بشكل عادل ومتوازن ضمن إطار جامع. تعالوا نرفع صوت مظلوميتنا الواحدة: مظلومية الوطن والفقراء و«المعترين» الذين أنهكتهم الحرب. فوحدة الصف والتعاطف المتبادل بين أبناء البلد هو السبيل لالتئام الجراح وبناء سوريا الجديدة. ولن يتحقق ذلك إلا حين ندرك جميعاً أن التطرف في المواقف والاستقطاب لم يجلب لنا سوى الدمار، وأن الوقت قد حان لندير دفة سفينتنا نحو شاطئ الوحدة والمصالحة الوطنية. عندها فقط سنبدأ بتحويل شعور الغالبية العظمى من الشعب بالحسرة إلى أمل بغدٍ أفضل، وستصبح تضحيات السنوات الماضية وقوداً لإحياء الوطن لا معولاً لمزيد من الهدم…
اقرأ أيضاً: الطائفية في الحرب السورية: سبب أشعل الصراع أم نتيجة لمأساته؟









