المسرح بين الغياب ومحاولات استعادة الصوت

بقلم هلا يوسف
يحاول المسرح السوري اليوم نفض غبار حرب دامت لسنوات، ولأن حاله كحال الكثير من الفنون، تخطو وزارة الثقافة خطواتها الأولى اتجاهه للوقوف على مشكلاته، ومحاولة حلها. وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق، لم تكن المحاولات المسرحية سوى صرخة خشبة تذكر أنها موجودة وحية، ولو بصوت خافت.
محاولات سد الفراغ
عشاق العمل المسرحي من السوريين لم ينتظروا كثيراً عقب سقوط النظام حتى عادوا عودة المشتاق إلى المسرح. ففي الشهر الأول من العام الماضي، شهدت دمشق أول عرض مسرحي بعد سقوط النظام، حين قدم الأخوان ملص عملهما “اللاجئان” على خشبة مسرح الخيام. لم يكن العرض وهو من نوع مسرح الغرفة جديداً على مسيرتهما، إذ سبق أن قدماه في مدن عدة خارج سوريا، وكذلك في حلب، إلا أن تقديمه في دمشق حمل دلالة خاصة. فالأخوان ملص المعروفان بنشاطهما المسرحي المعارض في الخارج، عادا ليقدما عملاً بسيطاً في شكله، كثيفاً في دلالاته، وكأنه إعلان عودة أكثر منه عرضاً مسرحياً تقليدياً.
بعد ذلك بأشهر قدم المسرحي زيناتي قدسية على خشبة المسرح الثقافي في حمص عملاً بعنوان “المحرقة”، اعتمد فيه على شخصية جحا التراثية، محملاً إياها خطاباً معاصراً يدعو إلى نصرة الضعفاء وتحقيق العدالة والمساواة. العمل الذي كتبه وأخرجه ومثله قدسية بنفسه، لم يخفِ نبرته المباشرة، لكنه عبر عن لحظة تحرر عاشها الفنانون بعد سنوات من القمع، حيث اصبحت الكلمة أكثر جرأة، والصوت أقل خوفاً.
وفي أيار من العام الماضي، عاد الأخوان ملص ليقدما عرضاً ثانياً بعنوان “كل عار وأنتم بخير”، هذه المرة في منزلهما بحي العدوي في دمشق، بحضور مئات من المتابعين. تناول العرض التناقض الحاد بين أحلام المثقفين المنكسرة وأوهام العسكر العقائدية، في صيغة مسرحية حميمة، بعيدة عن البهرجة، وقريبة من الناس.
وتوالت الإشارات الخجولة لعودة المسرح،إلا أن جميعها تبدو كمحاولات سريعة لردم فراغ واسع. فطغت العروض القصيرة، والديكورات شديدة التقشف، والعدد المحدود من الشخصيات، والإمكانات المتواضعة عليها. لكنها في جوهرها، مشاريع فردية أراد أصحابها أن يقولوا: “نحن ما زلنا هنا”.
يطرح هذا سؤال جوهري: ما المشكلة بعودة المسرح؟ وما هي سبل الحل؟
يُعيد كثير من المسرحيين حالة البطء التي رافقت انطلاقة المسرح السوري في السنة الأخيرة إلى مجموعة عوامل متشابكة، في مقدمتها التحولات السياسية والاجتماعية والأمنية التي عاشتها البلاد، وما رافقها من ضبابية في ما يتعلق بهوامش الحرية المتاحة وحدود الرقابة الجديدة. هذا المناخ غير الواضح انعكس تردداً في الطرح، وحذراً في الاختيار، وأربك العلاقة بين الفنان والمؤسسة، كما بين الفنان وجمهوره.
ومع ذلك لم يتحول هذا الفراغ إلى حالة استسلام. فقد دفع عدداً من المسرحيين إلى البحث عن صيغ بديلة للعمل الجماعي خارج الأطر الرسمية، عبر تأسيس تجمعات ثقافية أهلية تسعى إلى توحيد الجهود الفردية وتوفير حد أدنى من الاستمرارية. في هذا السياق، جرى إطلاق تجمع ثقافي باسم “تجمع أصدقاء سلمية”، الذي انبثق عنه لاحقاً تجمع “كلمة”، المعني برعاية مختلف الفنون، ومنها المسرح، في محاولة لخلق بيئة ثقافية حاضنة ومستقلة نسبياً.
وفي الإطار نفسه، أسس المسرحي داوود أبو شقرا مع مجموعة من الكتاب المسرحيين نادي أصدقاء جمعية المسرح، المنبثق عن اتحاد الكتاب العرب. ويهدف هذا النادي، بحسب داوود أبو شقرا، إلى تأهيل مجموعة من المسرحيين المحترفين وهواة المسرح لتقديم عروض مسرحية منتظمة، إلى جانب تنظيم دورات متخصصة في الكتابة المسرحية، تسعى إلى تمكين المشاركين من إنتاج نصوص تلامس التحولات الراهنة في المجتمع السوري، وتعيد وصل المسرح بقضاياه الحقيقية، بما يعزز علاقته بالجمهور، ويحقق معادلة المتعة والفائدة معاً.
شهادات المختصين في المسرح حول التحديات
تكشف شهادات المخرجين والكتاب والممثلين والأكاديميين عن صورة مسرح يعاني من غياب واضح لعدة مشكلات أبرزها غيابه شبه التام. إذ يرى عميد الفنون المسرحية والإخراج السينمائي في الجامعة العربية الدولية، المخرج والمؤلف عجاج سليم، أن الأزمة الأعمق التي يعيشها المسرح السوري اليوم ليست في مشكلاته بقدر ما هي في غيابه شبه الكامل. فالنشاط المسرحي بحسب قوله، يكاد يكون معدوماً منذ أكثر من عام، باستثناء محاولات محدودة تقوم بها بعض فرق الهواة. ويؤكد أن هذا الغياب لم يبدأ بعد التغيرات السياسية الأخيرة، بل هو نتيجة مسار طويل من التراجع بدأ قبل أكثر من عشر سنوات، حين باتت العروض المسرحية تعتمد على جهود فردية خالصة، مع غياب شبه كامل للدعم المادي، واقتصار الرهان على جمهور محدود من عشاق المسرح.
ويضيف سليم أن المرحلة التي تلت سقوط النظام لم تشهد أية رؤية واضحة تجاه المسرح، فلا خطة ثقافية معلنة، ولا برنامج سنوي منتظم للمسرح القومي، ولا رعاية حقيقية للمسارح في المحافظات. هذا الفراغ جعل النشاط المسرحي محصوراً في مبادرات فردية لا تملك القدرة على التطوير أو الاستمرار، ما دفعه إلى توصيف الواقع الحالي بعبارة قاسية: “لا يوجد مسرح سوري”.
بينما يرى الناقد والكاتب المسرحي جوان جان أن أزمة المسرح السوري تمتد لثلاثة عقود على الأقل، وقد تفاقمت مع الثورة التلفزيونية وانتشار القنوات الفضائية، التي أثرت في علاقة الجمهور بالمسرح. إلا أن جان يلفت إلى أن المشكلة أعمق من ذلك، إذ تشمل أزمة فكرية وجمالية تتجلى في الخلاف حول مفهوم “التجريب”، الذي تحول في كثير من الأحيان إلى ذريعة لتقديم عروض غامضة، تستعرض أدوات الإخراج أكثر مما تقدم رؤية فنية أو فكرية حقيقية.
وتبرز الأزمة المالية كأحد أكثر التحديات إلحاحاً. وفي هذا الخصوص أشارت المخرجة والممثلة المسرحية رنا جمول إلى غياب ميزانية مخصصة لمشاركة العروض السورية في المهرجانات المسرحية العربية، ما أدى إلى عزل المسرح السوري عن محيطه الطبيعي. أما الأستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية راما عيسى، فترى أن المسرح ما زال يعامل بوصفه ترفاً، رغم كونه مرآة للمجتمع وأداة للتعبير عن آلام الناس وأحلامهم، مؤكدة أن غياب التمويل السخي حرم المسرح من تحقيق أي نقلة نوعية، رغم توفر الطاقات والمواهب.
وتتفق الآراء السابقة مع ما يقوله الممثل المسرحي يوسف المقبل، الذي يؤكد أن تخفيض ميزانيات مديرية المسارح والموسيقى بعد عام 2011، إضافة إلى الغلاء المعيشي، دفع كثيراً من المسرحيين إلى ترك الخشبة والتوجه نحو الدراما التلفزيونية والدوبلاج. ولم يقتصر الأمر على الممثلين، بل شمل كتاب المسرح أنفسهم، ما أدى إلى تراجع النصوص المسرحية، وتقليص عدد الشخصيات، وتحول المسرح إلى عبء مادي يدفع الفنانون كلفته من حياتهم الخاصة.
ولفت المخرج والممثل المسرحي رائد مشرف إلى قلة الإنتاج المسرحي وهجرة الفنانين نحو السينما والتلفزيون، اللذين أصبحا أكثر جدوى على الصعيد المادي، مشيراً إلى أن المسرح القومي بالكاد ينتج عرضاً أو عرضين في العام. بينما يصف المخرج المسرحي مأمون الخطيب واقع المسرح السوري بأنه نتيجة أزمات متشابكة، تشمل ضعف الإنتاج والدعم المادي، وغياب القطاع الخاص، وتراجع البنية التحتية للمسارح، وأزمة فكرية تتجلى في غياب المشاريع الفنية الواضحة وابتعاد النصوص عن القضايا الإنسانية العميقة، بالإضافة إلى انصراف الجمهور بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وتسلّط الممثلة المسرحية رايسا مصطفى الضوء على مشكلة أخرى. فغياب الكتاب المسرحيين الجدد القادرين على مخاطبة المجتمع بلغة معاصرة، إلى جانب تحول المؤسسات الثقافية إلى أطر بيروقراطية تحد من حرية الإبداع تعد من إحدى أبرز المشكلات التي يعاني منها المسرح. ويتفق معها الممثل المسرحي خوشناف ظاظا، الذي يرى أن ضعف تحديث الفكر المسرحي وعدم مواكبة التحولات الفنية والتقنية أسهما في تعميق الأزمة، إلى جانب تغيّر أولويات الجمهور المعيشية.
وتضع الأستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية ندى العبد الله هذه الأزمة ضمن سياق أوسع، مرتبط بغياب الإرادة الوطنية لدعم المسرح، وضعف المعايير الأكاديمية والمهنية في إدارة المؤسسات الثقافية، إضافة إلى آثار الحرب الطويلة التي أضعفت المجتمع السوري وقدرته على التفاعل الثقافي، ما انعكس مباشرة على المسرح بوصفه فعلاً اجتماعياً حياً وديمقراطياً.
ما هي سبل الحل؟
في موازاة هذه المحاولات، برزت دعوات جدية لإعادة تنظيم العمل المسرحي. يرى عجاج سليم أن الحل يبدأ باستعادة وزارة الثقافة لدورها في دعم الفرق المسرحية الجادة في جميع المحافظات، وإعادة تفعيل المسرح القومي، والدعوة إلى عقد مؤتمر وطني شامل للمسرحيين لمناقشة الأزمات بصراحة.
ويؤكد مأمون الخطيب أن إنقاذ المسرح لا يكون بالتمويل وحده، بل بإعادة الاعتبار له فكرياً وجمالياً، ومنحه الحرية والاحترام، وتحويله إلى مساحة للتفكير والتأمل، لا مجرد صراخ يذوب في الضجيج العام. كما تشدد رايسا مصطفى على ضرورة تأسيس دعم مستقل للإنتاج المسرحي عبر مؤسسات مدنية، وتشجيع المسرح الشبابي والمستقل، وتحرير المسرح من القيود البيروقراطية.
وتشير ندى العبد الله إلى الدور المحوري الذي ما زال يلعبه المعهد العالي للفنون المسرحية في صقل المواهب وتجديد الدماء، رغم ضعف فرص العمل، مؤكدة أن الحفاظ على هذا الدور يشكل أحد مفاتيح النهوض بالمسرح السوري.
وفي هذا السياق عقدت مديرية المسارح والموسيقى لقاءً حوارياً مفتوحاً مع المسرحيين، أوضح خلاله مدير المديرية نوار بلبل أن الهدف هو إعادة بناء الثقة والتواصل، ووضع آلية شفافة لتقديم وتقييم المشاريع المسرحية، تعتمد على لجان جماعية، وتفتح باب الرعاية الثقافية، وتسعى إلى رفع أجور الفنانين قدر الإمكان، مع التأكيد على حرية التعبير ضمن إطار يحترم السلم الأهلي.
باختصار، تمر البلاد بمرحلة انتقالية حساسة، لكنها مفصلية لكونها مرحلة يجب أن تتسم بالإصلاح والتوجه نحو التطور والنهوض بما كان مهدم. وتعد هذه المرحلة فرصة حقيقية للعمل على جوانب المسرح الناقصة، وحل مشاكله الواقفة في وجه تطوره.
اقرأ أيضاً: الضحك من قلب الخوف: كيف غير الستاند أب كوميدي وجه الكوميديا في سوريا؟









