ثقافة وتراث

المسرح السوري بين الوعود والواقع.. ماذا بعد جلسة الحمراء؟

من الرقابة إلى "تحديد المستوى" هل يبدأ إصلاح المسرح السوري من هنا؟

بقلم: ريم ريّا

في محاولة لإعادة فتح النقاش حول واقع المسرح السوري بعد سنوات من التراجع والتهميش، عقدت مديرية المسارح والموسيقى جلسة حوارية جمعت مديرها نوار بلبل بعدد من المسرحيين من مختلف المحافظات، على خشبة مسرح الحمراء بدمشق. اللقاء، الذي اتسم بصراحة لافتة وتباين واضح في المواقف، لم يكن احتفالياً بقدر ما كان تشخيصياً، إذ طُرحت خلاله أزمات بنيوية ومهنية ومالية طالما وسمت المشهد المسرحي السوري، مع وعود رسمية بإعادة النظر في آليات العمل، وفي مقدمتها آلية الرقابة على النصوص، ودور الدولة في دعم الإنتاج المسرحي.

ما هي لجنة تحديد المستوى في المسرح السوري؟

أبرز ما خرجت به الجلسة في مسرح الحمراء في 14 كانون الأول، كان إعلان “نوار بلبل” إنهاء العمل بما كان يعرف سابقاً “بلجنة الرقابة على النصوص”، واستبدالها “بلجنة تحديد المستوى”.

اللجنة الجديدة، وفقاً لما أعلنه “بلبل”، تضم بين 10 إلى 15 عضواً من أكاديميين ومختصين، إلى جانب مشاركين من خارج الوسط الأكاديمي، في محاولة لتوسيع زاوية النظر وعدم حصر القرار في مقاربة نخبوية مغلقة.

تكمن أهمية هذه اللجنة، في تحولها النظري من منطق المنع والسماح إلى منطق التقييم والوصف، حيث لا تمنع النصوص مسبقاً، بل ينظر إلى مستوى العرض ومدى قربه من الجمهور وقدرته على مخاطبة “الشارع” واستعادة المتفرج السوري إلى قاعة المسرح.

هذا التحول، في حال طُبق بشكل فعلي، قد يشكل خطوة أولى باتجاه تخفيف الوصاية المباشرة على النص المسرحي، دون القطيعة الكاملة مع أي شكل من أشكال التنظيم.

اقرأ أيضاً: سر إغراء شاشة “تيك توك” للفنانين السوريين أكثر من الدراما

أهم تصريحات نوار بلبل وإلى ماذا يمكن أن تفضي؟

أكد “نوار بلبل” خلال الجلسة أن فتح الحوار مع المسرحيين هو ضرورة لتحسين واقع المسرح، معتبراً أن “حماوة النقاش” مؤشر صحي. إذ قال: “أنا معكم في تغيير القوانين، أو بالأحرى الأعراف السائدة، لأن تغيير القوانين بحد ذاته يحتاج إلى مسار تشريعي طويل، لكن ما كان سائداً سابقاً يمكن العمل على تغييره اليوم“.

كما أشار إلى أن المديرية ستنقل الشكاوى والمطالب “بعدالة إلى الجهات المعنية”، بالتعاون مع وزير الثقافة، مؤكداً أن التوجه العام يقوم على مراجعة كل ما كان معمولاً به سابقاً، والانتقال إلى آليات أكثر عدالة عبر لجان قراءة ومشاهدة، وسبر شامل لآراء المسرحيين بما يضمن تكافؤ الفرص.

أما في توصيفه لدور المسرح، شدد “بلبل” على أن: “المسرح للمسرحيين أولاً، لكن خشبته وصالته موجهتان لكل الجمهور“. أما فيما يتعلق بهامش الحرية، فأكد أن: “هامش الحرية بات واسعاً، شرط عدم المساس بالأديان أو الطوائف، وعدم الترويج للعنصرية“. بينما ختم دعوته للمسرحيين بالقول: “تعالوا نجرب معاً، لعلنا ننجح“.

هذه التصريحات في الحقيقة، إذا ما تُرجمت إلى قرارات تنفيذية واضحة، يمكن أن تفضي إلى تخفيف المركزية، وإعادة توزيع الفرص وفتح الباب أمام نصوص أكثر جرأة، شرط ألا تبقى وعوداً معلقة في فضاء الخطاب دون أثر ملموس على الأرض.

اقرأ أيضاً: دار الأوبرا السورية.. حاضنة الفنون

ما الذي ينقص المسرح السوري لوجستياً ومهنياً؟

أجمع المتحدثون من المسرحيين على أن الأزمة المالية تمثل المدخل الرئيسي لكل اختلالات المسرح السوري. المخرج “زين طيار” عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: “لا يمكن فصل المال عن الفن والإبداع، تجاوزنا مرحلة المسرح الفقير والعمل بإمكانات شحيحة”.

لوجستياً، مجمل المسارح في سوريا تعاني من بنى تحتية مستهلكة ومترهلة، تحتاج إلى استثمارات عاجلة لإعادة التأهيل، فضلاً عن غياب الدعم لتكاليف السفر والمشاركات الخارجية والتكفل بها، وهو السبب في حرمان “عروض سورية” من الوجود في مهرجانات دولية.

أما مهنياً، التراجع المهني يُرد إلى العديد من العوامل منها، غياب الشراكة الفعلية مع القطاع الخاص، إضافةً إلى ضعف دعم الفرق المستقلة، إلى جانب تركّز النشاط المسرحي في دمشق على حساب المحافظات الأخرى. كما تُطرح مسألة أسعار التذاكر بوصفها إشكالية مزدوجة، بين ضرورة جعل المسرح متاحاً للجمهور بكل فئاته، وضرورة أن تعكس تلك التذاكر قيمة العمل الفني وتعود إيراداتها لدعم الإنتاج.

بالمحصلة، ما ينقص المسرح السوري اليوم ليس فقط التمويل، بل رؤية متكاملة تربط بين الإنتاج، والتوزيع، والجمهور، والتدريب. وأن تكفل كرامة المسرحي بوصفه عاملاً ثقافياً لا هاوياً مؤقتاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى