أعمال واستثمار

“المسارات البديلة”: مشروع عالمي عقدته الوسط سوريا

بقلم هلا يوسف

تحولت قضية مضيق هرمز إلى حديث العالم منذ الحرب الأمريكية الإيرانية. فالمنافسة على السيطرة عليه أصبحت الهدف الأساسي للجهتين المتحاربتين، في حين مع كل إغلاق وفتح له تتأثر السوق العالمية للنفط. لكن الحديث اليوم اختلف، فيبدو أن الولايات المتحدة الأمريمية اكتشفت أن المضيق أصبح ثغرة اقتصادية في ظل تحكم إيران به، والأفضل إيجاد مسارات بديلة لحركة السفن النفطية.

وتبدو الفكرة اليوم أكثر واقعية من أي وقت مضى، مع الحديث عن مشروع أميركي لتطوير “مسارات بديلة” لمضيق هرمز، في محاولة لبناء شبكة جديدة لنقل النفط والغاز والبضائع، بحيث لا يؤدي أي اضطراب في ممر بحري واحد إلى تعطيل حركة التجارة والطاقة في المنطقة والعالم.

المشروع الذي كشف عنه مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك، يفتح الباب أمام تغييرات كبيرة في خريطة المنطقة. فالفكرة لا تتعلق بإنشاء طريق واحد بديل عن مضيق هرمز، وإنما ببناء منظومة واسعة تضم خطوط الأنابيب والطرق والسكك الحديدية والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات.

ووسط هذه الصورة، تظهر سوريا على خارطة أحد المسارات البديلة، فموقعها الجغرافي يضعها بين العراق وتركيا، ويجعلها قريبة من الخليج والأردن، كما أن لديها منفذاً على البحر المتوسط. وهذا يعطيها فرصة لأن تكون حلقة وصل بين مناطق إنتاج الطاقة في العراق والخليج والأسواق الأوروبية عبر تركيا، وبين دول المنطقة وموانئ شرق المتوسط.

من هنا يمكن أن نفهم كيف يمكن أن تتحول سوريا من دولة تحتاج إلى المساعدات والحماية السياسية إلى دولة يحتاج إليها الآخرون بسبب موقعها ودورها في حركة الطاقة والتجارة.

لماذا يبحث العالم عن طرق بديلة لمضيق هرمز؟

حتى نفهم أهمية مشروع “المسارات البديلة”، علينا أن نتوقف قليلاً عند مضيق هرمز. فلا يعد هذا الممر المائي مجرد طريق تستخدمه السفن للعبور، بل هو شريان رئيسي للطاقة العالمية. ولذلك، فإن أي تهديد لحركة الملاحة فيه يمكن أن ينعكس بسرعة على الأسواق، من أسعار النفط والغاز إلى تكاليف الشحن والتأمين، حتى الوصول إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

ومع تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة، أصبح من الصعب على الدول والشركات أن تعتبر أن طريق المضيق آمن. فقد تتعرض السفن لمخاطر عديدة، لذلك ترتفع التأمينات عليها، وقد تضطر بعض السفن إلى الانتظار أو البحث عن طرق أخرى. وفي مثل هذه الحالات، لا تتأثر المنطقة وحدها، بل تمتد الآثار إلى الأسواق العالمية.

لذلك بدأت دول وشركات شحن وطاقة تفكر بسؤال: ماذا لو كان هناك مسار بديل عن مضيق هرمز؟ هنا جاءت فكرة “التسليم الاحترازي” التي تحدث عنها توماس باراك.

فقد لا يكون المفهوم السابق واضحاً للكثيرين، غير أنه بسيط. فبدلاً من الانتظار حتى تقع الأزمة ثم البحث عن حل، يجري إنشاء طرق بديلة مسبقاً، بحيث يمكن استخدامها عند الحاجة. فإذا تعطل طريق بحري بسبب أزمة سياسية أو عسكرية، يمكن تحويل جزء من حركة الطاقة والتجارة إلى خطوط أنابيب أو طرق برية أو سكك حديدية. وبهذا تصبح المنطقة لا تعتمد على ممر واحد، وتصبح سلاسل الإمداد أكثر استقراراً ومرومة في التعامل مع الأزمات.

وخلال “قمة الأعمال الأميركية – العراقية” في واشنطن، أعلن توماس باراك أن الولايات المتحدة تعمل بالتنسيق مع خمس دول في المنطقة ومن بينها سوريا، على برنامج للانتقال إلى مسارات بديلة لمضيق هرمز.

وهنا تظهر أهمية سوريا، حيث يقول أحمد رمضان، رئيس حركة العمل الوطني، إن سوريا مرشحة لأن تصبح “العقدة البرية الأهم في المشرق”، لأنها يمكن أن تربط الخليج والعراق والأردن بتركيا وأوروبا، كما يمكن أن تصل بين الجزيرة العربية وموانئ شرق المتوسط. وبكلمات أبسط، يمكن أن تتحول سوريا إلى جسر بري كبير تمر عبره الطاقة والبضائع والاتصالات بين مناطق مختلفة.

لكن من جهة أخرى يجب التأكيد على أن هذا الجسر لن يبنى بالخرائط وحدها. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى الاستقرار والأمان، وتحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة ضخمة من الطاقة والبضائع. كما تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات.

وهنا تبدأ أهمية المشروع بالنسبة إلى سوريا، لأن نجاحه قد يجعل استقرارها مصلحة مشتركة لعدد أكبر من الدول.

كيف يمكن أن تنتقل سوريا من دولة تحتاج إلى المساعدة إلى دولة يحتاج إليها الآخرون؟

ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في المشروع كله، فقد ارتبط اسم سوريا خلال السنوات السابقة بالحرب والأزمة والعقوبات والحاجة إلى المساعدات. لكن دخولها في شبكة إقليمية للطاقة والتجارة يمكن أن يغير هذه الصورة تدريجياً. حيث يصبح استقرارها مهماً بالنسبة للعديد من الدول الكبرى.

وهذا ما يراه الباحث عبد الوهاب عاصي، الذي يعتقد أن المشروع يمكن أن ينقل سوريا تدريجياً من موقع الدولة التي تحتاج إلى المساعدات والحماية السياسية إلى دولة تقدم خدمة استراتيجية للأسواق العالمية.

وهذه النقلة لها أهمية سياسية أيضاً، حيث تتغير طريقة تعامل الدول مع سوريا، فالدولة التي تصبح جزءاً من شبكة الطاقة والتجارة العالمية لا يتم التعامل معها بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع دولة معزولة عن حركة المصالح الدولية.

ويشير عاصي إلى أن استهداف البنية التحتية السورية، في حال أصبحت جزءاً من هذه الشبكة، لن يكون موضوع يخص سوريا وإسرائيل وحدهما، بل قد يمس مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية وشركات الطاقة الكبرى. بمعنى آخر، كلما زادت المصالح الدولية داخل سوريا، زادت أهمية الحفاظ على استقرارها.

ويرى عاصي أيضاً أن وجود شركات طاقة واستثمارات دولية في مشاريع داخل سوريا قد يساعد على تثبيت رفع العقوبات وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمار، كما يمكن أن يسهل الحصول على التمويل والضمانات الدولية.

أما المستشار الاقتصادي الأول في وزارة الاقتصاد السورية، أسامة القاضي، فيرى أن العائد السياسي المحتمل لسوريا من هذا المشروع يمكن أن يكون كبيراً جداً. فبحسب رأيه دخول سوريا في هذه المشاريع سيضعها داخل معادلة المصالح الإقليمية والدولية، لا باعتبارها طرفاً في صراع جديد، وإنما باعتبارها دولة عبور واستقرار.

النفط والغاز والموانئ والسكك الحديدية… ماذا يمكن أن تكسب سوريا؟

بعيداً عن المكاسب السياسية التي تحرزها سوريا، أول فائدة واضحة يمكن أن تحصل عليها هي عوائد العبور. فعندما تمر الطاقة أو البضائع عبر أراضي دولة ما، فإنها تحصل عادة على رسوم مقابل استخدام بنيتها التحتية.

وبما أن البضائع ستمر فوق البنية التحتية، فإن إمكانية إعادة تأهيل ميناء بانياس ومحطات الضخ والتخزين والمصفاة وشبكة الأنابيب الداخلية ستكون أولوية للدخل المستفيدة بالتعاون مع سوريا بحسب الخبير الاقتصادي عبد الوهاب عاصي.

وأضاف عاصي أن المشروع نفسه يمكن أن يخلق حركة استثمار واسعة. فعندما يبدأ تطوير ميناء أو خط أنابيب أو شبكة سكك حديدية، تظهر الحاجة إلى شركات البناء والصيانة والنقل والخدمات اللوجستية والتخزين والتأمين. ومع الوقت، يمكن أن تنشأ صناعات وخدمات جديدة حول هذه المشاريع.

لذلك، فإن الحديث عن “المسارات البديلة” لا يعني فقط مرور النفط والغاز عبر سوريا، بل يمكن أن يعني أيضاً إعادة تشغيل قطاعات اقتصادية كاملة.

هل يمكن أن يتراجع دور مضيق هرمز؟

قد يبدو من السهل القول إن العالم سيستبدل مضيق هرمز بطرق جديدة، لكن الواقع ليس بهذه السهولة. فمن الصعب أن يفقد المضيق أهميته بالكامل خلال عامين، فهو لا يزال ممراً رئيسياً للطاقة العالمية، ولا توجد حالياً طرق بديلة قادرة على استيعاب كل الكميات التي تمر عبره.

لكن هذا لا يعني أن العالم لن يحاول تقليل اعتماده عليه. وهنا يرى الخبير الاقتصادي أحمد رمضان أن الهدف الحقيقي ليس إلغاء أهمية هرمز، وإنما تقليل قدرة أي أزمة فيه على تعطيل الاقتصاد العالمي.

ويشير إلى أن مشروع باراك لا يعمل بمعزل عن المشاريع الاقتصادية الكبرى في العالم، بل يتقاطع مع “الممر الأوسط”، ومع مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، وكذلك مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. وفي حال تمكنت سوريا من استعادة دورها الجغرافي، فإنها يمكن أن تكون نقطة التقاء بين عدد من هذه المسارات.

في النهاية، مشروع “المسارات البديلة” قد يتحقق، لكن يحتاج إلى سنوات من العمل. وما تبنيه سوريا اليوم من خلال التفاهمات الاقتصادية، ستشكل مستقبلها الاقتصادي القادم، وستساهم في استقرارها الاقتصادي.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تنخفض أسعار المحروقات بعد فتح مضيق هرمز؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى