المراهنات الإلكترونية: دس السم بالعسل… والضحية السوريون!

بقلم هلا يوسف
لطالما كان القمار أحد الصفات المخزية التي تلتصق بالإنسان في المجتمع السوري، ووصمة عار في مسيرة أخلاقه، لكن كما هو الحال مع الكثير من الأمور التي تم إعطائها مسميات أخرى حتى تصبح مقبولة اجتماعياً، ظهرت فكرة المراهنات التي تطورت فيما بعد لتصبح إلكترونية، ولها أوجه إغرائية متعددة، وسماسرة يستغلون فراغ الناس وحاجتهم الاقتصادية حتى يتم إيقاعهم في شباك مشغليهم. ومع قرار وزارة الاتصالات بحجب عدة مواقع للمراهنات الإلكترونية، تم إعادة فتح الملف من جديد، مما يطرح أسئلة كثيرة حول أسباب استمرار انتشارها على الرغم من وجود أمثلة حية عن النهايات التي وصلت إلى الخسارة والديون والمشكلات النفسية، وكيف دخلت إلى مجتمعاتنا، وكيف يمكن مواجهتها. لذلك هذا ما سنناقشه في هذا المقال.
عند قراءة إعلان وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مؤخراً عن حجبها عدد من مواقع المراهنات والقمار الإلكتروني التي تستهدف السوريين، يخطر على البال فوراً قصص القتل والانتحار التي حدث منذ فترة قصيرة في عدد من المناطق السورية نتيجة هذه المواقع. مما يظهر الحاجة الفعلية لتنظيم فضائنا الإلكتروني، خصوصاً مواقع القمار والمراهنات، حيث أننا لا نتحدث هنا عن ظاهرة فردية مارقة، بل عن مشكلة اخترقت عقول الشباب وأثرت على حياتهم وأسرهم، معتمدة في انتشارها على عوامل كثيرة، ومرتكزة على بداية لطيفة.
كيف بدأت المراهنات في سوريا وكيف استمرت؟
للإجابة عن سؤال البداية لهذه المواقع، لا بد لنا من العودة عشرين عاماً إلى الوراء، أي قبل أن تتحول المراهنات إلى سوق واسعة لديها آلاف المستخدمين وشبكات كاملة من الوسطاء والمروجين.
فقد كانت كرة القدم هي المدخل الأول الذي تعرف من خلاله كثير من السوريين على فكرة الرهان المرتبط بالمال. فمع ولع الجماهير بالبطولات الأوروبية وكأس العالم والشغف الكبير بالمباريات. وجدت شركات الاتصالات السورية (سيرياتيل، MTN) فرصة للاستفادة من هذا الولع، فأطلقت منذ عام 2005 مسابقات تعتمد على توقع نتائج المباريات مقابل الحصول على نقاط أو وحدات مجانية. وهذا ما أسس لانتشار المكاتب ومنصات المراهنات.
بعد ذلك تخطى الأمر مجرد نقاط ووحدات مجانية إلى مكاسب مالية مع كل توقع صحيح لنتائج مباراة. وتم تخصيص مواقع للمراهنة مع توسع الخيارات، مثل المراهنة على عدد الأهداف، أو الشوط الأول، أو أحداث معينة داخل المباراة. كل ذلك والمشاركين يعتقدون أنها مجرد لعبة بسيطى مرتبطة بالرياضة.
ومع انتشار الإنترنت، بدأت المراهنات تخرج من المجال الرياضي، لتبدأ بالدخول في عالم الألعاب الإلكترونية، مثل ألعاب الحظ وألعاب الكازينو الإلكترونية، مما جعلها في متناول يد أي شخص يملك هاتف وإنترنت. وبالتالي أصبح أمامه عشرات التطبيقات والمنصات التي تعرض عليه فرصاً يومية للربح.
وخلال سنوات من اللعب والخسارة ومعاودة اللعب والربح، أصبح الترويج للمراهنات الإلكترونية من قبل المستخدمين أنفسهم، فكل مستخدم جديد كان يجلب مستخدمين آخرين، وكل منصة كانت تحاول الوصول إلى عدد أكبر من الناس، وبذلك تحولت من نشاط محدود إلى سوق واسع يُتداول فيه مبالغ مالية كبيرة.
كيف تعمل منصات المراهنات؟
قد يتساءل القارئ كيف تستطيع هذه المنصات استغلال عقول الشباب وهي مكشوفة أنها قمار. لكن الحقيقة أن لمواقع المراهنات الإلكترونية أساليب جذابة، تلعب على نقاط ضعف المستخدم. ففي البداية يكفي أن يضع الشخص مبلغ صغير جداً من المال مراهناً على موضوع معين، وإذا تحقق التوقع يحصل على ربح، وإذا لم يتحقق يخسر المبلغ الذي دفعه.
طبعاً هذا ما يراه اللاعب على السطح، لكن خلف هذه الصورة البسيطة توجد منظومة كاملة صممت لتشجيعه على البقاء داخل اللعبة. فعندما يدخل المستخدم لأول مرة إلى إحدى المنصات، يجد واجهات جذابة ورسائل ترحيبية وعروضاً ومكافآت مغرية. وكل ذلك ليشعر أن الربح قريب منه، ولا يحتاج إلا لبعض الحظ أو الذكاء في الاختيار.
وحتى تغرس سنارة الصيد في الطعم جيداً، يحقق بعض المستخدمين أرباحاً أولية بالفعل، وهنا يبدأ تعلق اللاعب بالمنصة، فتجربة الربح الأول تبقى عالقة في ذهنه، مما يجعله يعاود اللعب مرات أخرى. لكن ما لا ينتبه إليه كثيرون هو أن المنصة ليس من مصلحتها أن يخسر اللاعب منذ البداية فيكف عن اللعب. بل على العكس تماماً، تتركه يربح في البداية وتستفيد من بقائه لأطول فترة ممكنة.
الديلرية.. الوجه الذي لا يراه كثيرون
من المؤكد أن مواقع المراهنات العالمية لم تصل إلى سوريا لوحدها، بل وظفت لنفسها سماسرة يعرفون في الأوساط الشعبية باسم “الديلرية”. إذ أن خلف كل منصة تقريباً توجد شبكة من الوسطاء الذين يتعاملون مباشرة مع اللاعبين. ومن مهام هؤلاء الأشخاص، شحن الحسابات واستلام الأموال وتسليم الأرباح، وبمعنى آخر حلقة الوصل بين المستخدم والمنصة.
وبما أن سوريا كانت خاضعة لعقوبات دولية، كان تعامل كثير من اللاعبين مع الوسطاء أسهل من التعامل مع وسائل الدفع الإلكترونية أو التحويلات المالية. إذ يكفي أن يتواصل اللاعب معه ويسلمه المبلغ نقداً ليظهر الرصيد بعد ذلك داخل الحساب الإلكتروني.
ومع سنوات الحرب، توسعت شبكات الوسطاء لمواقع المراهنات الإلكترونية لتشمل كافة المناطق في سوريا. حتى أن هؤلاء الوسطاء أصبحوا معروفين على مستوى مناطقهم. وتحولت العملية إلى نشاط شبه منظم يسهل على المستخدمين الدخول إلى عالم المراهنات دون أي تعقيدات تقنية.
لماذا يستمر بها الشخص؟
مع وجود خسائر كبيرة في مقابل الربح البسيط، يصبح السؤال الجوهري هنا لماذا لا يتوقف الناس ببساطة عن اللعب طالما يخسرون مبالغ كبيرة؟
قد يعتقد البعض أن الطمع هو سيد الاستمرار في اللعب، لكن الحقيقة أن طريقة عمل هذه المنصات مصممة لجعل اللاعب يستمر حتى مع الخسارة. فمعظم الأشخاص لا يدخلون عالم المراهنات وهم يتوقعون أن يخسروا كل شيء. فقد تكون البداية بدافع الفضول، عبر إعلان على فيسبوك أو تيك توك، أو حتى صديق يتحدث عن ربح حققه، أو قصة نجاح تنتشر بين الناس.
هنا يقول الشخص لنفسه لماذا لا أجرب بمبلغ صغير. وهنا تكون البداية، حيث يربح فعلاً مبلغ يفوق المبلغ الذي راهن عليه. والربح السهل يغوي. حتى عندما يبدأ بالخسارة لا يفكر بالتوقف، بل يذهب التفكير نحو استعادة ما تم خسارته. ومع مرور الوقت يتحول الرهان من وسيلة لتحقيق الربح إلى محاولة دائمة للهروب من الخسارة السابقة. وهنا يدخل الشخص في دائرة مغلقة قد تستنزف أمواله ووقته وجهده النفسي دون أن يشعر.
اقرأ أيضاً: تجارة بطاقات الألعاب: سنوات من التحايل على العقوبات.. هل سينتهي قريباً؟
طريقة جذب الناس.. من لعبة طريق الدجاجة إلى عشرات الألعاب الأخرى
كما ذكرنا في بداية المقال، تحولت الرهانات من الرياضة إلى الألعاب الإلكترونية، لكونها واجهة جذابة وغير واضحة للقمار. ومن أشهر الأمثلة على ذلك لعبة “طريق الدجاجة” التي انتشرت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن جربها تبدو له لعبة بسيطة ومسلية. دجاجة تقفز فوق عقبات متتالية، وكل قفزة ناجحة ترفع قيمة الربح المحتمل. بينما يراقب اللاعب الأرقام وهي ترتفع أمامه ويشعر أن بإمكانه تحقيق مبلغ أكبر إذا استمر قليلاً.
وهذا الجزء من اللعبة التي تقوم عليه فكرة المراهنة، حيث أنه كلما انتظر أكثر ازدادت الأرباح المحتملة، لكن في المقابل يبقى احتمال الخسارة وارد في أي لحظة. وإذا تأخر في النقر على زر الانسحاب، تختفي الأرباح كلها ويخسر المبلغ الذي راهن به.
طبعاً هذه الآلية لا تشمل لعبة طريق الدجاجة فقط، بل لها أشكال مختلفة في ألعاب أخرى مثل ألعاب الصاروخ والكراش والطائرة وألعاب الكازينو الرقمية والمراهنات الرياضية التقليدية. لكن بالرغم من اختلاف أسماء الألعاب والألوان وطريقة العرض، تبقى الفكرة الأساسية موجودة وقائمة على منح اللاعب شعور الفوز في البداية لدفعه نحو الاستمرار باللعب.
دور وسائل التواصل في الترويج لمنصات المراهنات
لو حاولنا البحث عن السبب الرئيسي وراء الانتشار السريع لهذه المنصات خلال السنوات الأخيرة، فستأخذنا الإجابة نحو وسائل التواصل الاجتماعي. إذ أن الإعلانات الخاصة بالمراهنات لم تعد محصورة بمواقع معينة كما كان في السابق. بل أصبحت تصل للمستخدمين في أي مكان، وعلى أي تطبيق، مثلاً أثناء تصفح التطبيقات، أو خلال متابعة المؤثرين وصناع المحتوى، أو حتى عند مشاهدة الفيديوهات القصيرة.
ومعظم هذه الحملات تقوم على مخاطبة أحلام الناس أكثر من مخاطبة عقولهم. فهي لا تتحدث عن المخاطر أو الخسائر أو الديون، بل تركز على الأرباح فقط. وللوثوق بالربح، تعرض أشخاصاً يحققون مكاسب كبيرة خلال دقائق، وتنشر صوراً لمبالغ مالية مرتفعة، وتقدم الأمر وكأنه فرصة متاحة للجميع.
ومع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من السوريين، تصبح هذه الرسائل مؤثرة بشكل أكبر، خصوصاً في ظل البطالة والفقر والبحث الدائم عن مدخول إضافي. لذلك يصبح أي إعلان عن مكاسب مالية سريعة مغرياً.
ما رأي المختصين بفكرة المراهنات وآثارها؟
تأثير المراهنات على حياة الأشخاص والضغط الذي يعيشونه نتيجة تراكم الخسارات والديون، قد تدفع الكثيرين نحو الهاوية. والتقط المختصون هذه الفكرة، حيث يرون أن المشكلة الحقيقية في المراهنات تتجاوز فكرة خسارة المال إلى التأثير على حياة الفرد الاجتماعية والنفسية.
فإذا أردنا النظر إلى الناحية المادية سنجد أن الخسائر المتكررة تؤدي إلى استنزاف المدخرات وتراكم الديون. فالكثير من الحالات بدأت بمبالغ صغيرة قبل أن تتحول إلى ديون مالية كبيرة من الصعب تسديدها. بينما يؤكد مختصون أن آلية الربح الأولي الذي تعتمده المراهنات تجعل المستخدم متعلقاً بفكرة الربح القادم، مما يخلق شعور بالتوتر والقلق عند التعرض للخسارة، وبالتالي العودة للعب لتعويض ما تم خسارته. وهذه العملية تجعل الشخص تحت الضغط النفسي المستمر.
ولا تقتصر هذه التأثيرات على السابق، بل تدخل إلى الأسرة، وتزعزع استقرارها بسبب الخلافات الأسرية التي تبدأ عندما يحاول الشخص إخفاء خسائره أو عندما يبدأ بإنفاق أموال الأسرة على المراهنات دون علم المقربين منه. كما أن لها جانب نفسي خفي يزرع في عقول الشباب فكرة كسب المال عن طريق الحظ بدلاً من العمل والإنتاج الحقيقي.
كيف يمكن مواجهة الظاهرة؟
على الرغم من أهمية قرار وزارة الاتصالات بحجب المواقع المشكوك بأمرها، إلا أن معظم المختصين يرون أن المشكلة أكبر من مجرد مواقع إلكترونية يمكن إغلاقها أو تطبيقات يمكن حذفها. حيث أن هذه الظاهرة عمادها الأساسي طوال السنين الماضية العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط بالأشخاص.
فقد تغذت على الفقر والفراغ الذي تخلقه البطالة، والحاجة إلى المال لسد مطالب الحياة اليومية. ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى معالجة شاملة تبدأ من تطبيق القوانين وملاحقة شبكات التشغيل والوسطاء، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد.
كما أن التوعية تبقى جزءاً أساسياً من الحل، لأن الكثير من الأشخاص يدخلون عالم المراهنات دون أن يعرفوا حقيقة الآليات التي تستخدمها هذه المنصات لجذبهم وإبقائهم داخل دائرة اللعب.
ومن الضروري الحد من الإعلانات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن هذه الإعلانات تكون موجهة نحو فئات عمرية صغيرة وشباباً يبحثون عن أي فرصة لتحسين أوضاعهم المعيشية.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن مواجهة مواقع المراهنات الإلكترونية دون قطع أسباب توجه الشباب لها، من السماسرة الذين يسهلون التواصل مع اللعبة والأرباح، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي تدس السم بالعسل، كما لا يمكننا إغفال الدور الحكومي في مواجهتها بالقوانين أولاً، وإيجاد فرص عمل للشباب وعدم ترك مستقبلهم لغياهب المجهول ثانياً. وبهذا فقط نستطيع محاربة كل أنواع المقامرة، وإلا سنكون كالذي يدور في دائرة مفرغة.
اقرأ أيضاً: تطبيقات البث المباشر: الحقيقة من الغرف المغلقة وغياب الحماية القانونية









