المجتمع السوري

المراكز الصحية في دمشق وريفها .. كيف يُرهن الاستشفاء بالتمويل المستدام؟

بقلم: ديانا الصالح

أربعة عشر عاماً من الحرب كانت كفيلة بإحداث هشاشة بنيوية طالت مختلف الأركان الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ولم تكن القطاعات الخدمية بمنأى عن هذا الدمار، فقد تعرض العديد منها لدمار هائل شلّ مخرجاتها الإنتاجية، علّ أبرزها القطاع الصحي الذي تعرّض لأضرار كارثية وثقتها التقارير الرسمية والدولية، حيث واجه تدميراً واسعاً لمرافقه العامة بالتوازي مع نزيف الكوادر الطبية الناجم عن الهجرة، وفي هذا المقال: نتناول موضوع المراكز الصحية في دمشق وريفها وحجم الضغوط المتصاعدة، رغم محاولات إعادة التأهيل والنهوض من تحت الركام.

للمزيد من التفاصيل، تابع معنا..

المراكز الصحية في دمشق وريفها

تظهر البيانات الرسمية الحديثة أن عدد المراكز الصحية العاملة في مدينة دمشق يصل إلى 51 مركزاً، ثلاثة مراكز منها مدمرة بشكل كامل كمركز جوبر، وأربعة خارج نطاق الخدمة، كما تبلغ المراكز الصحية في ريف دمشق 170 مركزاً، 12 وحدة منها خارج الخدمة نتيجة لمخلفات الحرب من الدمار والتخريب أو تدهور الخدمات والتجهيزات الطبية وتراجع القوى العاملة، بينما تشهد العديد من المراكز محاولات حثيثة لإعادة تأهيلها كمركز القدم على أمل إعادته للخدمة خلال العام الحالي.

وتؤكد مسؤولة المراكز الصحية في وزارة الصحة السورية أروى عيسى عبر تصريح إعلامي، تعاون الوزارة مع عدة جهات داعمة ومنظمات عالمية لوضع خطط جدية تستهدف إعادة التأهيل وفقاً للأولويات المفروضة لكل محافظة، فضلاً عن توفير المستلزمات الدوائية والكوادر الطبية اللازمة، مشيرة إلى تركيز الوزارة على تأمين الخدمات الصحية لكافة المواطنين كأولوية مُطلقة.

واقع وتحديات

على الرغم من الجهود المبذولة في سبيل إنعاش القطاع الصحي، إلا أن العديد من المراكز ما تزال تعاني من نقص المعدات والتجهيزات الطبية، الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة الخدمات الصحية وشموليتها لمختلف المواطنين.
وفي هذا السياق، تؤكد بيانات تقرير منظمة الصحة العالمية لشهر كانون الأول عام 2024، تضرر 34% من المراكز الصحية في دمشق نتيجة للتراجع التمويلي والأضرار، مما أدى إلى حرمان حوالي 712 ألف مواطن من خدمات الرعاية الرئيسية، فيما وصلت نسبة العجز في الحصول على الرعاية المتخصصة ضمن المدينة إلى 69%.

ويشير التقرير إلى مجموعة من التحديات التي تواجه المنظومة الصحية في سوريا، والتي تتخطى مسألة تدهور البنية التحتية ونقص التجهيزات الطبية، لتشمل تدني أجور الأطباء السوريين عموماً، (بلغت قيمة الرواتب في دمشق حوالي 30 دولار شهرياً حتى تاريخ إعداد التقرير أي نهاية عام 2024) ما أسفر عن ارتفاع نسبة الهجرة لهذه الفئة، وتفاوت التوزيع الجغرافي للقوى العاملة، والتراجع التمويلي إضافة إلى عدم وجود نظام موحد للمعطيات الصحية، إلى جانب التراجع الحاد في سلاسل التوريد واختلال توزيع الموارد.

وإلى ذلك، توضح بيانات سابقة للبنك الدولي أن الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية بدأ بالانخفاض التدريجي منذ عام 2012، حيث سجل معدل الإنفاق 3.05% مقارنة بسنة 2003 التي سجلت نسبة إنفاق تقارب 5.12%، ما يعكس أثر بداية الحرب على الاستثمار الحكومي بالقطاع الصحي.

الفوارق بين مراكز الريف والمدينة

بالعودة إلى الفوارق العامة بين المراكز الصحية في دمشق وريفها، نلاحظ وقوع الضرر الأكبر على المراكز الريفية وفقاً للتقارير المحلية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على عدد المراكز الفعالة ونوعية خدماتها، فضلاً عن اقتصار الخدمات المقدمة خلال سنوات الحرب في غالبيتها على اللقاحات دون العلاجات الشاملة، ما أدى إلى لجوء الأهالي نحو مستشفيات العاصمة.

في المقابل، بقيت مرافق المدينة أكثر فعالية مقارنة بالريف، نتيجة لتركيز الموارد والقوى العاملة ضمن المدن الكبرى لا سيما في العاصمة على حساب الريف، رغم معاناتها أيضاً من التحديات التي سبق وذكرناها، بالتزامن مع تزايد حجم الضغوط المتزايد عليها نتيجة لتدفق المرضى من المحافظات الأخرى.

التأهيل مرهون بتمويل مستدام

يرى مراقبون أن الخطط والمحاولات الحثيثة لإعادة تأهيل المراكز الصحية في دمشق وريفها، بالتعاون مع منظمات عالمية، خطوة بنّاءة وإيجابية لتحديد مسار التعافي، شرط توافر التمويل المستدام، فتأهيل دون استدامة لن يجدي نفعاً.

وفي هذا الصدد، يشير تقرير حديث للمنظمة الصحية العالمية إلى ضمان استدامة خدمات الرعاية الصحية، عبر إعادة تشكيل القدرات الصحية من خلال الاستثمار في الدورات والبرامج التدريبية الطبية، إضافة إلى رفع المستويات التعليمية والمهارات، لسد الحاجة إلى القوى العاملة التي شهدت نزيفاً حاداً نتيجة لارتفاع نسبة هجرتها إلى ما يقارب 70%، كما تؤكد ضرورة تعزيز الشراكات الدولية والميزانيات الصحية، لانتشال الواقع الصحي من حفرة الدمار.

في النهاية، يبقى مصير القطاع الصحي مرهوناً بمدى قدرة الجهات المعنية بالتعاون مع المنظمات الدولية، على تخطي مرحلة بناء الجدران وصولاً لإعادة زخم الكوادر الصحية، من خلال الاستثمار الناجح في برامج التدريب الطبي ورفع مستويات التعليم والمهارات، فضلاً عن الركيزة الأساسية للحد من هجرة الأطباء وهي رفع الأجور والتوزيع الجغرافي العادل للموارد، لضمان حصول جميع المواطنين على الخدمات الصحية اللازمة.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري من النمو إلى إدارة الأزمات: ماذا ينتظر البلاد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى