أعمال واستثمار

المدن أولاً.. لماذا يجب البدء بإعادة الإعمار من المناطق الحضرية؟

بقلم: هلا يوسف

تواجه سوريا تحدياً كبيراً في إعادة الإعمار بعد أكثر من عقد من الحرب، مما يتطلب ترتيب الأولويات بما يتناسب مع حجم الضرر وحاجة السكان. وتشير المؤشرات إلى أن أكثر من نصف السوريين يعيشون في المدن، التي كانت أيضاً الأكثر تضرراً خلال سنوات الصراع، ما يجعلها قلب الأزمة والمفتاح الأساسي لتعافي البلاد. ومن هنا تظهر ضرورة إعطاء المدن الأولوية في إعادة الإعمار قبل الأرياف، ليس فقط لتأمين حياة كريمة لملايين السكان، بل لضمان استعادة النشاط الاقتصادي وتشغيل الأسواق والمصانع، والانطلاق منها لتنمية المناطق الأخرى.

يقدر عدد سكان سوريا في عام 2025 بنحو 25.8 مليون نسمة وفقاً لبيانات موقع وورلد ميتر المعتمدة على أحدث إحصاءات الأمم المتحدة، كما يعيش أكثر من 53% منهم في المدن، أي ما يعادل نحو 13.7 مليون نسمة.

وبحسب هذا التوزع السكاني، تكشف تقارير دولية عن حجم الدمار الكبير الذي لحق بالمناطق الحضرية خلال سنوات الصراع. إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نسبة الدمار في الوحدات السكنية ضمن مناطق النزاع تتراوح بين 27% و33%، بالاستناد إلى تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجراه معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (يونيتار)، والذي شمل 16 مدينة سورية.

ويُظهر التحليل أن حلب تصدرت المدن المتضررة بنحو 355,722 مبنى مدمر أو متضرر، تلتها حمص بـ 13,778 مبنى، والرقة بـ 12,781 مبنى، بينما سجلت الغوطة الشرقية نحو 34,136 مبنى تضرر بدرجات متفاوتة. كما شملت الأضرار مدن أخرى مثل حماة (10,529 مبنى)، دير الزور (6,405 مبنى)، إدلب (1,415 مبنى)، ودرعا (1,503 مبنى)، إضافة إلى الزبداني (3,364 مبنى) ومخيم اليرموك والحجر الأسود (5,489 مبنى).

ويرى خبراء في القطاع العقاري بحسب تقرير نشره موقع الجزيرة نت، أن هذه الأرقام تمثل تقديرات أولية لا تعكس الصورة الكاملة لحجم الدمار، بسبب صدورها قبل انتهاء العمليات العسكرية، عدا عن استثناء المناطق الريفية التي تعذر توثيق أضرارها لأسباب لوجستية وتقنية.

لذلك استناداً إلى البيانات السابقة يصبح ضرورة إعادة الإعمار للمدن أولوية كبيرة على حساب مناطق الريف التي تضم أعداد سكان أقل. لكن لنناقش معاً بشكل موسع هذا الموضوع.

الاكتظاظ السكاني في المدن عقب سقوط النظام وقبله

تشكل مسألة إعادة الإعمار في سوريا تحدياً كبيراً يتمثل في الاكتظاظ السكاني داخل المدن، وهو أحد أبرز الآثار المترتبة على النزوح الداخلي خلال سنوات الحرب. كما أنه بعد انتهاء العمليات العسكرية، تدفقت أعداد كبيرة من السكان العائدين من مناطق أخرى أو من النزوح الداخلي إلى مدنهم أو تلك التي ما تزال تتمتع بقدر من عدم الدمار، ما أدى إلى ارتفاع الكثافة السكانية في مساحات جغرافية محدودة لا تتناسب مع حجم الوافدين.

وتبرز مدينة حمص مثالاً واضحاً على هذه الظاهرة، إذ شهدت بعد توقف المعارك ازدحاماً غير مسبوق مع عودة آلاف الأهالي إلى الأحياء بحثاً عن منازل للإيجار أو محال تجارية لمزاولة أعمالهم في المناطق الأقل تضرراً. غير أن هذه العودة اصطدمت بواقع قاسٍ تمثل في ارتفاع أسعار الإيجارات نتيجة جشع بعض مالكي العقارات والمكاتب العقارية، إلى جانب تدهور البنية التحتية التي لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من السكان.

لذلك تمثل إعادة الإعمار الخطوة الأساسية لمعالجة هذه الأزمة، إذ من شأنها تخفيف الضغط عن المدن المكتظة، وتأمين المستلزمات السكنية والخدمية مما يُمكّن العائدين من استعادة حياتهم الطبيعية ضمن شروط معيشية أفضل.

استنزاف البنية التحتية المستنزفة أصلاً

تعاني المدن السورية اليوم من استنزاف متزايد للبنية التحتية التي كانت تعاني أساساً من التهالك قبل سقوط النظام. فمع عودة السكان إلى مناطقهم بعد سنوات النزوح الداخلي، وتحديداً إلى الأحياء الأقل تضرراً، تصاعد الضغط على شبكات الخدمات العامة التي لم تخضع منذ زمن طويل لأي عمليات صيانة أو تطوير. عدا عن عدم وجودها بالأصل في المناطق المدمرة.

ويظهر هذا الاستنزاف بشكل واضح خلال فصل الشتاء، إذ تكشف موجات البرد والأمطار ضعف الكهرباء، فبمجرد ارتفاع استهلاك الطاقة تبدأ الكوابل بالاحتراق والانقطاع المتكرر نتيجة ضعف التجهيزات وضغط الاستخدام. ولا يقتصر الأمر على الكهرباء فحسب، بل يمتد إلى المستشفيات والأسواق ومراكز المدن التي تواجه ضغطاً سكانياً أكبر من طاقتها التشغيلية.

وتعد العاصمة دمشق مثالاً آخر على هذه الأزمة، إذ تشهد ازدحام كبير ومتكرر في المرافق الخدمية في أوقات الذروة، مما يعكس الحاجة الضرورية إلى خطط إصلاح شاملة للبنية التحتية بالتزامن مع جهود إعادة الإعمار، لضمان قدرة المدن على استيعاب سكانها وتأمين خدمات أساسية مستقرة.

المدن مراكز تجارية واقتصادية تساعد في تسريع نمو الاقتصاد

تعد المدن السورية ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، حيث يشكل موضوع تسريع وتيرة إعادة إعمارها خطوة أساسية في مسار إعادة بناء الاقتصاد السوري. فالمدن ليست مجرد تجمعات سكنية، بل هي مراكز تجارية وصناعية تحرك الأسواق وتخلق فرص العمل، ما يجعل تعافيها شرطاً أساسياً لعودة النشاط الاقتصادي إلى البلاد.

وتبرز مدينة حلب مثالاً واضحاً على ذلك، فهي كانت قبل الحرب العاصمة الصناعية لسوريا ومصدر رئيسي للصناعات المختلفة والتجارة. لذلك فإن إغفال إعادة إعمارها لصالح المناطق الريفية يعني إبطاء تعافي الاقتصاد الوطني في وقت تحتاج فيه البلاد إلى صناعييها وتجارها لإحياء دورة الإنتاج والتصدير. وينطبق الأمر ذاته على دمشق وحمص، اللتين لطالما شكّلتا مراكز اقتصادية وخدمية مهمة.

كما أن المدن كانت وما تزال وجهة رئيسية للشباب الباحثين عن فرص عمل، حتى قبل عام 2011 أي قبل الثورة السورية، إذ جذبت الشباب من الأرياف نحوها بسبب تنوع الأنشطة الاقتصادية فيها. ومن هنا، فإن إعادة تأهيل الأسواق والمحال والمنشآت التجارية لا ينعش فقط حركة البيع والشراء، بل يفتح أيضاً المجال أمام إطلاق مشاريع جديدة وتمكين الشباب من استعادة أعمالهم ومصادر رزقهم.

إعادة الإعمار لتفادي الاضطرابات الاجتماعية

يشكّل تسريع وتيرة إعادة الإعمار في المدن السورية عامل أساسي ليس فقط في تعافي الاقتصاد كما ذكرنا سابقاً، بل أيضاً في تفادي اضطرابات اجتماعية محتملة. فالكثافة السكانية العالية في المدن تجعل من البطء في إعادة البناء مصدر للتوتر، خاصة في المناطق التي شهدت دمار واسع خلال الحرب.

وقد برزت هذه الحالة في محافظة ريف دمشق، ولا سيما في مدينة دوما، حيث خرج السكان في احتجاجات مطالبين الحكومة السورية بإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب التي تعيق عودتهم إلى منازلهم وإعادة إعمار أحيائهم. هذه التحركات تعبّر عن ضيق متزايد لدى الأهالي من بطء الإجراءات الرسمية، مقابل رغبة حقيقية في استعادة الحياة الطبيعية.

وفي المقابل تظهر خلافات في الرؤى حول طبيعة الإعمار بين رجال أعمال يسعون إلى بناء مدن حديثة وذكية، وسكان يفضلون الحفاظ على النمط العمراني التقليدي الذي عرفوه قبل عام 2011. ويتجلى ذلك في مثال مشروع بوليفارد النصر في مدينة حمص، حيث تم استثناء حي القرابيص من المشروع نتيجة رفض سكانه المشاركة، بسبب الخوف من فقدان الطابع الحضري الأصيل لأحيائهم. ومن هنا يبرز أهمية استلام الحكومة ملف تخطيط المدن وإعادة إعمارها بدلاً من تركها لرجال أعمال أن يعيدوا إعمارها، أو قيام الأهالي بإعادة الأعمار بشكل عشوائي.

في الختام تؤكد المعطيات السكانية والاقتصادية في سوريا أن إعادة إعمار المدن يجب أن تسبق الأرياف، ليس تهميشاً للريف، بل بسبب الواقع الذي يلامس حياة غالبية السكان ومستقبل الاقتصاد الوطني. فالكثافة السكانية في المدن، وضخامة حجم الدمار فيها، وضغط النازحين العائدين، كلها عوامل تجعل من إعادة إعمارها أولوية عاجلة لتخفيف الأزمات السكنية والخدمية المتفاقمة. كما أن البدء بإعادة إعمار المدن قبل الأرياف هو خطوة منطقية واستراتيجية، تسهم في استقرار المجتمع، وتنشيط الاقتصاد، وتهيئة بيئة قادرة على دعم إعادة إعمار باقي المناطق. فنهضة المدن تعني ببساطة بداية تعافي الأرياف أيضاً.

اقرأ أيضاً: هيئة التخطيط الإقليمي تكثف جهودها لإعادة الإعمار والتنمية المتوازنة في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى