المحظورات الإعلامية في سوريا: تنظيم للخطاب أم قلق جديد على مساحة الصحافة؟

الكاتب: أحمد علي
أعادت ستة محظورات للنشر وضعتها وزارة الإعلام السورية في 25 حزيران 2026 فتح سؤال قديم بصيغة جديدة. كيف يمكن تنظيم المجال الإعلامي بعد سنوات من القمع والحرب والانفلات الرقمي، من دون أن تتحول القواعد العامة إلى مساحة خوف لدى الصحفي؟ الوزارة تقول إن ما نُشر مادة توعوية تستند إلى التشريعات والمواثيق المهنية، بينما رأى بعض الصحفيين أن الصياغات الواسعة تحتاج إلى حدود أوضح حتى لا تصبح قابلة لاستخدام انتقائي.
تأتي هذه الخطوة في لحظة شديدة الحساسية للإعلام السوري. فقد تحسنت بيئة العمل الصحفي بعد سقوط السلطة السابقة، وصعدت سوريا في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 إلى المرتبة 141 من أصل 180 بعد أن كانت في المرتبة 177 عام 2025، وفق منظمة مراسلون بلا حدود. وهذا التحسن مهم، لكنه لا يلغي هشاشة المرحلة. فالانتقال من إعلام خاضع للسيطرة إلى إعلام أكثر انفتاحاً لا ينجح بقرارات عامة فقط، بل يحتاج إلى قانون واضح، ومؤسسات رقابية مستقلة، وحق فعلي في الوصول إلى المعلومات.
المحظورات الإعلامية في سوريا
بحسب ما نشرته وزارة الإعلام عبر معرفاتها الرسمية، تضمنت المحظورات ستة أبواب رئيسية. شملت منع نشر معلومات أو وثائق سرية تتعلق بالجيش أو الأمن أو الأمور السيادية، أو ما يحرض على الشغب والعنف أو مخالفة القوانين العامة. وشملت أيضاً المحتوى الذي يسخر من الأديان والرموز الدينية، والمحتوى الداعي إلى الكراهية أو التمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الانتماء الطائفي والقبلي.
كما تناولت انتهاك الخصوصية والتشهير والسب والقذف، ونشر الأخبار الكاذبة أو المضللة والمعلومات غير المؤكدة، إضافة إلى الشائعات التي تضر بالاقتصاد الوطني والمواد التي تمس الآداب العامة أو النظام الأخلاقي.
هذه العناوين مألوفة في قوانين الإعلام في دول كثيرة، وخاصة ما يتصل بالخصوصية، والتحريض على العنف، وخطاب الكراهية، وحماية المعلومات العسكرية الحساسة. المشكلة لا تظهر عادة في وجود هذه المبادئ، بل في طريقة تعريفها وتطبيقها. عبارة مثل الأخبار الكاذبة قد تبدو واضحة في الحالات الفجة، لكنها تصبح أكثر تعقيداً عند الحديث عن تقديرات اقتصادية، أو تسريبات إدارية، أو شهادات ميدانية غير مكتملة.
وعبارة الأمن أو الأمور السيادية تحتاج إلى تحديد دقيق كي لا تشمل كل ملف سياسي أو عسكري أو إداري يثير النقاش العام.
لهذا جاء توضيح وزارة الإعلام بعد الجدل مهماً. فقد قال مدير التراخيص في الوزارة عمر حاج أحمد، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، إن ما جرى تداوله فُسّر بطريقة غير دقيقة، وإن الفيديو المنشور يهدف إلى التوعية بالإطار القانوني والأخلاقي للعمل الإعلامي، ولا يفرض قيوداً جديدة على حرية الرأي والتعبير.
كما أوضح أن تنظيم القطاع يقوم على مدونة السلوك المهني والأخلاقي، وقانون الإعلام، والقوانين الوطنية الأخرى، ومنها ما يتصل بالجرائم الإلكترونية والعدالة الانتقالية.
هذا التوضيح يخفف جزءاً من الالتباس، لكنه لا ينهيه. الصحفي لا يعمل اعتماداً على النيات المعلنة فقط. يحتاج إلى نصوص يمكن فهمها قبل النشر، وإلى إجراءات معروفة إذا وقع خلاف حول مادة منشورة. الفرق كبير بين قاعدة مهنية ترشد الصحفي إلى التدقيق وتجنب التحريض، وبين قاعدة قانونية قد تعرضه للمساءلة لأن جهة ما اعتبرت نقداً اقتصادياً أو سياسياً مساساً بالمصلحة العامة.
القانون والعمل اليومي
أطلقت وزارة الإعلام في شباط 2026 مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام، وجرى تقديمها باعتبارها إطاراً مرجعياً يضم عشر مواد، ويتناول المهنية، وحماية الخصوصية والبيانات، وتغطية النزاعات، واستخدام التقنيات الحديثة. وذكرت مصادر رسمية أن إعداد المدونة مر عبر 16 ورشة في مناطق سورية مختلفة، بمشاركة أكثر من 600 صحفي ومدير مؤسسة إعلامية، مع توسع بعض الورش ليصل عدد المشاركين إلى نحو ألف شخص.
في المقابل، أثارت المدونة اعتراضات مهنية واضحة. رابطة الصحفيين السوريين رأت، بحسب ما نقلته وسائل إعلام شهيرة، أن أي مدونة لا تنبثق عن نقابات مستقلة ولا تصاغ بإرادة الصحفيين أنفسهم تبقى فاقدة للشرعية المهنية. وانتقد صحفيون آخرون إشراف وزارة الإعلام على المسار، حتى مع تأكيد الوزارة أن دورها كان تنظيمياً وإشرافياً. الاعتراض هنا لا يتركز على رفض المعايير المهنية، بل على الجهة التي تصوغها وتملك حق تحويلها لاحقاً إلى شرط للترخيص أو البطاقة الصحفية.
هذا الخلاف يفسر سبب القلق من المحظورات الإعلامية في سوريا. فالمشكلة العملية تبدأ عندما تتداخل الأخلاقيات المهنية مع أدوات الترخيص والعقوبة. مدونة السلوك يمكن أن تساعد على بناء ثقة داخل الوسط الصحفي إذا بقيت مرجعية مهنية قابلة للنقاش والمراجعة. أما إذا تحولت إلى باب إداري لمنع مزاولة المهنة، فسيفقد الصحفيون شعورهم بالأمان المهني، وستتجه المؤسسات إلى تجنب الملفات الحساسة قبل أن يطلب منها أحد ذلك.
توجد سوابق قريبة تزيد حساسية النقاش. ففي آذار 2026، أصدرت وزارة الإعلام تعميماً بمنع ثلاث مؤسسات إعلامية من مزاولة أي نشاط داخل سوريا بسبب عدم حصولها على الترخيص الأصولي، وفق ما نقل مركز سكايز عن تعميم الوزارة. كما تضمن التحذير الإشارة إلى ملاحقة من يتعاون لمصلحة هذه المنصات. قد تكون مسألة الترخيص ضرورية لتنظيم السوق الإعلامية، لكنها تحتاج إلى إجراءات شفافة ومهل واضحة وحق اعتراض، لأن المنع الإداري في بيئة انتقالية يمكن أن يُقرأ سريعاً كرسالة سياسية.
القانون الدولي يعطي مساحة لتنظيم حرية التعبير، لكنه يضع شروطاً لهذا التنظيم. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقر حرية التعبير، ويسمح بقيود محددة عندما تكون منصوصاً عليها في القانون وضرورية لحماية حقوق الآخرين أو الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
كما يحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العرقية أو الدينية إذا شكلت تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. المعنى العملي هنا أن المنع يحتاج إلى دقة، وأن الضرر يجب أن يكون واضحاً، وأن العقوبة لا يجوز أن تسبق التعريف.
مساحة الصحافة بعد الجدل
تعقيد المشهد السوري يجعل تنظيم الإعلام حاجة فعلية. البلاد خرجت من سنوات انتشرت فيها الدعاية والتحريض والتشهير، ووسائل التواصل فتحت باباً واسعاً أمام الشائعات والمعلومات غير الموثقة. تجاهل هذه المشكلة يترك المجال العام عرضة للفوضى، وخاصة في قضايا السلم الأهلي والعدالة الانتقالية والعلاقة بين المكونات السورية. لكن معالجة الفوضى لا تكون بتوسيع الخوف لدى الصحفيين. المطلوب قواعد مفهومة يمكن تطبيقها على الجميع، لا عبارات عامة يتغير معناها بحسب الظرف والجهة المتضررة من النشر.
تشير تقارير دولية حديثة إلى وجود تحسن في حرية التعبير بعد سقوط النظام السابق، لكنها تصف هذا التحسن بأنه هش. منظمة مراسلون بلا حدود تحدثت عن نهاية عقود من القمع الوحشي للصحافة، لكنها قالت إن الحرية ما زالت ضعيفة بسبب عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية. وذكرت فريدوم هاوس أن المجال أصبح أكثر تسامحاً مع الصحافة والنقاش المدني مقارنة بالمرحلة السابقة، مع بقاء مشكلات أمنية وطائفية ومؤسسية. هذه الصورة المزدوجة مهمة لأنها تمنع القراءة السهلة للقرار. هناك تقدم فعلي، وهناك خوف مبرر من عودة أدوات الضبط القديمة بأسماء جديدة.
الاختبار العملي سيكون في ملفات محددة. هل يستطيع الصحفي نشر تحقيق عن فساد أو سوء إدارة من دون أن يواجه اتهاماً بنشر معلومات غير مؤكدة إذا اعتمد على مصادر لم تعلن أسماءها؟ هل يمكن لمؤسسة إعلامية مناقشة قرارات أمنية أو عسكرية ذات أثر عام من دون أن تُتهم بالمساس بالأمور السيادية؟ هل ستتوفر آلية واضحة للرد والتصحيح قبل اللجوء إلى الملاحقة؟ وهل سيكون القضاء هو المرجع عند النزاع، أم ستبقى قرارات الترخيص والمنع بيد الإدارة وحدها؟
تحتاج وزارة الإعلام، إذا أرادت تخفيف القلق، إلى نشر دليل تطبيقي يشرح حدود كل محظور، ويقدم أمثلة دقيقة على الحالات الممنوعة والحالات المسموح بها، ويحدد إجراءات التظلم والتصحيح. كما تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى الالتزام بالتدقيق وحماية الخصوصية وتجنب خطاب الكراهية، لأن الدفاع عن حرية الصحافة لا يعفي المهنة من مسؤوليتها تجاه الجمهور. المساران متلازمان في بلد يعيد بناء مجاله العام بعد مرحلة طويلة من السيطرة والخوف.
المحظورات الإعلامية في سوريا يمكن أن تكون جزءاً من تنظيم مهني مطلوب إذا بقيت محددة، قابلة للمراجعة، وخاضعة لرقابة قضائية مستقلة. ويمكن أن تصبح سبباً لتراجع مساحة الصحافة إذا اتسعت عباراتها أو استُخدمت في الترخيص والمنع والملاحقة من دون ضمانات. الفارق لن يظهر في البيانات التوضيحية وحدها، بل في أول قضية خلافية يختبر فيها الصحفيون حدود الكلام، وحق الجمهور في المعرفة، وطريقة تعامل الدولة مع النقد.
اقرأ أيضاً: نقابة المحامين تصدر توجيهات لحماية صورة المهنة في الأعمال الإعلامية والفنية









