المحاكم تتخلى عن الورق تدريجياً.. أول اختبار للتبليغ القضائي الإلكتروني

الكاتب: أحمد غلي
قد تتأخر دعوى أشهراً لأن المبلّغ لم يجد عنواناً، وقد يخسر إنسان مهلة دفاع لأن رسالة وصلت إلى رقم لم يعد يستخدمه. بين هاتين الصورتين بدأت عدلية دمشق في 31 آب 2026 التشغيل التجريبي للتبليغ القضائي الإلكتروني. والهدف المعلن هو تسريع المعاملات وضمان وصول الأوراق بدقة، فيما خُصصت المرحلة الأولى لرصد الأخطاء قبل التعميم، وظهرت أيضاً إعلانات عن تجربة مماثلة في عدلية حلب.
الخطوة تبدو صغيرة في مسار رقمنة القضاء، لكنها تمس اللحظة التي تبدأ عندها المواعيد القانونية وتترتب الأحكام والطعون. في أي تطبيق عادي يمكن إعادة إرسال إشعار ضائع، وفي المحكمة قد يؤدي الإشعار المفقود إلى حكم غيابي أو سقوط حق في المراجعة. لذلك لا يكون نجاح التجربة بعدد الرسائل المرسلة، بل بقدرتها على إثبات أن الشخص الصحيح عرف فعلاً بما يخصه، وأن من لم تصله الرسالة يملك باباً عادلاً لإصلاح الضرر.
التبليغ هو ساعة الدعوى
لا يحمل التبليغ خبراً محايداً، بل يشغّل ساعة، فمن لحظة صحته قد يبدأ أجل الحضور أو الاعتراض أو الاستئناف، وقد تمضي المحكمة في غياب أحد الأطراف. لهذا تُفصل قوانين الإجراءات طرق التسليم ومكانه ومن يجوز أن يستلمه وكيف يثبت. فالورق بطيء وقد يفشل، لكنه ترك عبر الزمن محضراً ومسؤولاً ومساراً معروفاً للطعن.
التقنية تستطيع تحسين هذا المسار حين تجعل الإرسال سريعاً وقابلاً للتتبع، وتخفف عن المتقاضي رحلة السؤال في القصر العدلي. لكنها لا تلغي الغاية الأصلية وهي العلم اليقيني أو المعقول بالإجراء. فإذا تحول الإنجاز إلى سباق لخفض المدة، قد تربح المحكمة أياماً ويخسر طرف حقه، والمعيار الإنساني والقانوني واحد، ألا يفاجأ شخص بحكم لأنه غاب عن رسالة لم يرها.
ما الذي تغيّر فعلاً
مهّد تعميم وزارة العدل رقم 22 الصادر في أيار 2026 للتجربة، مستنداً إلى قرار للهيئة العامة لمحكمة النقض. منح الوسائل الإلكترونية الأثر القانوني نفسه للتبليغ التقليدي عندما يصرح بها أطراف الدعوى ويرتضونها في استمارة رسمية. يختار الشخص رقماً للرسائل أو حساب تواصل أو بريداً إلكترونياً، وتصبح البيانات عنواناً مختاراً لمراحل الدعوى والتنفيذ.
هذا التصميم يضع جزءاً من المسؤولية على المتقاضي في تحديث بياناته، ويطلب من الكاتب التحقق من الاستمارة والتوقيع. لكنه يحتاج لغة يفهمها المواطن عند الموافقة، ويجب أن يعرف أن الرقم ليس مجرد وسيلة اتصال، وأن تغييره بلا إخطار قد تكون له نتائج قضائية. فالموافقة الحقيقية لا تختبئ في ورقة روتينية، بل تُشرح ويُسلّم صاحبها نسخة ويُتاح له التعديل بسهولة.
بين قرار قضائي ونص تشريعي
أثار قانونيون سؤال الأساس النظامي، لأن قانون أصول المحاكمات يحدد طرق التبليغ، بينما جاءت الوسيلة الجديدة عبر قرار لمحكمة النقض وتعميم إداري. ويرى أستاذ القانون نزار حسن أن استحداث طريق جديد يحتاج تعديلاً تشريعياً، ولا تحسم التجربة التقنية هذا الخلاف، بل تزيد الحاجة إلى حسمه قبل أن تبنى عليه أحكام يصعب رد آثارها.
يمكن للمشرع أن يحدد معنى الوصول والإخفاق المقبول، وحالات الرجوع إلى الورق، وحماية البيانات، وطريقة الاعتراض على صحة الإرسال. يفيد الوضوح القضاء والمتقاضي معاً، ويمنع اختلاف المحاكم في تفسير الرسالة نفسها. فإذا ظل الأساس موضع نزاع، سيختصر النظام زمناً في أول الدعوى ثم يفتحه مجدداً في طعون تتعلق بصحة التبليغ.
الهاتف ليس دائماً صاحبه
يتغير الرقم ويُفقد الهاتف ويُسرق الحساب، وقد تتشارك أسرة جهازاً واحداً أو يبقى رقم باسم صاحبه بعد سفره. كما يعيش سوريون كثيرون خارج البلاد مع شرائح تتوقف وحسابات تتبدل، فيما لا يملك بعض كبار السن أو ذوي الإعاقة مهارة استخدام التطبيقات. وعلامة وصول الرسالة إلى جهاز لا تثبت وحدها أن صاحب الدعوى قرأها أو كان قادراً على التصرف.
تحتاج الحالات الحساسة إلى أكثر من قناة وإشعار متكرر، وربما رمز تحقق أو دخول إلى بوابة قضائية موثوقة يظهر فيها المستند كاملاً. وعند فشل الإرسال يجب ألا يُفترض سوء نية تلقائياً. يمكن الاتصال أو استخدام عنوان بديل ثم العودة إلى التبليغ التقليدي. فكلما كانت نتيجة الغياب أشد، ارتفع واجب المحكمة في التحقق من أن الطريق الرقمي لم يتحول إلى فخ.
علامة الوصول ليست دليلاً كاملاً
تمنح تطبيقات التواصل إشارات مثل التسليم أو القراءة، لكنها خاضعة لإعدادات المستخدم والشركة وقد تختفي مع حذف الحساب. يحتاج القضاء إلى سجل مستقل يحفظ وقت الإرسال ومحتوى الوثيقة وهوية الجهة المرسلة وحالة التسليم، ويمنع تعديل السجل بعد وقوعه. كما يحتاج المواطن إلى طريقة بسيطة يتأكد بها أن الرسالة صادرة فعلاً عن المحكمة وليست محاولة احتيال.
ينبغي ألا تُرسل بيانات الدعوى الحساسة في نص مكشوف. الأفضل إشعار محدود يقود إلى منصة آمنة بعد التحقق من الهوية، مع صلاحيات وصول وتشفير ومدة حفظ معلنة. ويجب أن يرى القاضي تقريراً مفهوماً لا رمزاً تقنياً غامضاً، لأن قرار صحة التبليغ قرار قضائي في النهاية. التقنية تقدم الدليل، ولا تستبدل تقدير المحكمة لمدى كفايته.
الورق باب احتياطي لا عدو
التخلي التدريجي عن الورق لا يعني إغلاقه في وجه من لا يملك هاتفاً أو اتصالاً مستقراً. النظام العادل هجين في البداية، يتيح المسار الرقمي لمن اختاره ويحتفظ بمسار بديل عند تعذر الوصول أو وجود شك. كما يمكن توفير نقاط مساعدة داخل العدليات ومراكز قانونية تشرح الرسالة وتطبعها وتساعد في تحديث العنوان من دون رسوم مرهقة.
هذه المرونة لا تُفشل الرقمنة، بل تحمي قبولها. حين يطمئن الناس إلى أن العطل لن يسقط حقوقهم، سيختارون القناة الأسرع طوعاً. أما فرضها قبل اكتمال البنية والثقافة الرقمية فقد يحول التوفير الإداري إلى كلفة اجتماعية، يدفعها الأبعد عن المحكمة والأقل قدرة على التعامل مع الشاشة.
ماذا يجب أن يتعلم الاختبار
تحتاج المرحلة التجريبية إلى أرقام تتجاوز عدد الرسائل. ينبغي نشر نسبة الوصول المؤكد، وأسباب الفشل، والوقت الذي اختُصر، وعدد الاعتراضات التي قبلت، والحوادث الأمنية، والفروق بين الفئات والمناطق. والأهم مراجعة أي حكم غيابي بُني على تبليغ إلكتروني متنازع عليه، حتى لا يصبح المواطن هو حقل التجربة الوحيد.
كما ينبغي إشراك القضاة والمحامين وكتّاب المحاكم والمتقاضين في التقييم، ثم تعديل الإجراء والقانون والتقنية قبل التوسع. إذا أظهر الاختبار أين يضيع الإشعار وأصلح المسار، فقد حقق غايته حتى لو سجل أخطاء. التجربة الجيدة لا تتظاهر بالكمال، بل تمنع الخطأ المكتشف من أن يتكرر على نطاق وطني.
يمكن للتبليغ الإلكتروني أن يزيل واحداً من أكثر أسباب بطء التقاضي إزعاجاً، وأن يوفر على الناس وقتاً ورحلات ووساطات. إلا أن الرسالة القضائية ليست إشعاراً خدمياً عادياً، وصحتها تتعلق بحق الدفاع وبمصير الحكم. لذلك يحتاج المشروع إلى أساس تشريعي صريح وإثبات مستقل للهوية والوصول وحماية للبيانات.
المحكمة الحديثة ليست التي تستبدل الورق بالشاشة أسرع، بل التي تستخدم الشاشة كي يصل الحق إلى صاحبه بأمان أكبر. إذا حافظت التجربة على بديل متاح وسمحت بالاعتراض وتعلمت من الفشل، ستكون خطوة نحو قضاء أقرب إلى الناس. وإذا اكتفت بعد الرسائل، فقد تنقل التأخير من ممر المحكمة إلى صندوق هاتف قديم.
اقرأ أيضاً: القضاء الأهلي والوساطة العشائرية في سوريا: حوكمة يومية دون قاعات محاكم!









