المحاكمات العلنية بين انتهاكات الساحل السوري وتجارب دول أخرى

بقلم هلا يوسف
ضمن مسار تحقيق العدالة، اتجهت الأنظار أمس نحو القصر العدلي بحلب الذي احتضن أولى جلسات المحاكمات العلنية لمتهمين بأحداث الساحل السوري. وشملت المحاكمة 14 شخص، بينهم سبعة متهمون بارتكاب انتهاكات ضد مدنيين، وسبعة آخرون من عناصر النظام السابق المتورطين في جرائم ضد قوات الأمن العام. وقد قررت المحكمة تأجيل جلسات المجموعة الأولى إلى 18 كانون الأول، وجلسات المجموعة الثانية إلى 25 الشهر نفسه.
وخلال الجلسة التي سمح للإعلام ببثها، واجه عدد من المتهمين أسئلة تتعلق بانتمائهم للنظام السابق وتواصلهم مع ضباط فيه، من بينهم أحمد صالح ضابط في الحرس الجمهوري. حيث رفض أحد المستجوبين من قبل القاضي الاعترافات التي وردت في عريضة الدعوة، قائلاً إن “هذه الاعترافات انتزعت منه تحت التعذيب”.
وقال أحد المستجوبين إنه “قام بتصوير مقطع فيديو يقول بأن لديه 700 عنصر بناء على شخص يدعى أبو حسن الحلبي يعيش في لبنان”.
بينما قال آخر أن الفيديو الذي ظهر فيه يقتل مدني أعزل بأنه مفبرك بالذكاء الاصطناعي،وعند سؤاله عن ترديد شعارات طائفيه قال أن لديه إصابة في الرأس تجعله غير مسؤول عن سلوكه وكلامه أحياناً.
المتحدث باسم لجنة التحقيق في أحداث الساحل، ياسر فرحان، أوضح أن اللجنة جمعت أكثر من 900 شهادة، بينها شهادات لمسؤولين، وأن القضاء يستطيع توسيع التحقيق ليشمل أي شخص يثبت تورطه، مع الحفاظ على حقوق المتهمين. وأكد أن المحاكمات ستكون طويلة بسبب العدد الكبير من الملفات، وأن بدء الجلسات العلنية خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة، لأنها تتيح للجمهور والضحايا متابعة سير القضايا وتقديم المعلومات.
وأشار فرحان إلى أن اللجنة قدمت سابقاً قائمتين من المتهمين، الأولى تضم أكثر من 260 شخصاً متهمين بالاعتداء على الجيش والأمن، والثانية تشمل أشخاصاً ارتكبوا انتهاكات بحق المدنيين. وأوضح أن تقسيم الجلسات بين مجموعتين يأتي لضمان التوازن بين مختلف القضايا.
كما شدد على أن حقوق المتهمين محفوظة، وأن حضور منظمات حقوقية ووسائل الإعلام وعائلات الضحايا داخل قاعة المحكمة يشكل ضمانة لشفافية المحاكمة.
من جانبه، قال المحامي مازن الجمعة، وهو وكيل أحد المتهمين، إن الجلسات تجري بشكل علني ووفق المعايير الدولية، وأن لكل متهم حقه الكامل في الدفاع ضمن بيئة قضائية واضحة.
أما القاضي جمعة العنزي، رئيس لجنة التحقيق، فاعتبر أن هذه المحاكمات تمثل لحظة مهمة في تاريخ سوريا، لأنها تعزز الثقة بالقضاء وتؤكد أن العدالة ستطال كل من يثبت تورطه، مع احترام حقوق جميع المتهمين.
أهمية المحاكمات العلنية
يرى فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن المحاكمات العلنية خطوة مهمة لأنها ترسل رسالة واضحة لكل عنصر في أجهزة الدولة بأن أي خطأ أو جريمة لن تمر من دون محاسبة، بخلاف ما كان يحدث سابقاً عندما كان عنصر الأمن يمارس الانتهاكات دون خوف من العقاب. وأضاف أن الأخبار التي تحدثت عن توقيف عناصر من وزارتي الدفاع والأمن ساهمت فعلياً في الحد من الانتهاكات، خصوصاً في منطقة الساحل.
وأشار عبد الغني إلى أن قدرة الحكومة السورية على المحاسبة تبقى محدودة ضمن نطاق معين، فهي لا تستطيع محاسبة روسيا أو قوات التحالف الدولي رغم توثيق مقتل نحو أربعة آلاف مدني في الجزيرة السورية نتيجة عمليات تلك القوات.
مع ذلك، شدد على ضرورة تشجيع الدولة على المضي في هذا المسار، لأن هذه الخطوة جيدة حتى وإن لم تكن كافية، فقد ساهمت في تخفيف الانتهاكات في مختلف المناطق، وتمثل أساساً يمكن البناء عليه في مسار العدالة الانتقالية مستقبلاً.
وأكد عبد الغني أن سوريا ما زالت تحت مراقبة المجتمع الدولي، وأن المحاكمات العلنية تحمل رسالة للخارج بأن الدولة تتجه نحو احترام القانون وحقوق الإنسان. وأوضح أن الانطباعات الدولية حول أداء الحكومة خلال هذه المحاكمات حتى الآن إيجابية، متوقعاً صدور مواقف وتصريحات دولية بشأنها قريباً.
آثار اجتماعية على ذوي ضحايا النظام
يؤكد الباحث في مركز الحوار السوري، نورس العبد الله، أن الانتهاكات التي تهز المجتمع لا تقتصر آثارها على الجانب القانوني كما هو الحال في الجرائم الفردية، بل تترك تأثيرات نفسية واجتماعية أعمق. ويضيف أن الواقع السوري الحساس ومسار العدالة الانتقالية المعقد يشبهان “السير في حقل ألغام”، ما قد يجعل ذوي الضحايا الذين فقدوا أبناءهم على يد قوات النظام السابق يشعرون بأن قضيتهم جرى تهميشها أو تأجيلها لصالح ملفات أخرى.
ويشير الباحث إلى أن هذا الأمر يحتاج إلى معالجة اجتماعية واضحة، تبدأ بإبراز الرسائل الإيجابية التي تحاول وزارة العدل إيصالها، وهي أن المحاسبة ستطال جميع المجرمين في نهاية المطاف. ويوضح أن سرعة تحريك ملف انتهاكات الساحل تعود إلى محدودية عدد المتهمين والضحايا مقارنة بالملفات الأكبر.
أما العدالة الانتقالية، كما يوضح العبد الله، فهي مسار طويل ومعقد يتطلب إصلاحات قضائية وإجراءات متعددة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن حقوق ذوي ضحايا النظام السابق ستبقى حاضرة، وأن دورهم في العدالة القادمة لن يُهمّش.
شكوك حول مصداقية المحاكمات
في المقابل، عبر بعض الأطراف عن تشكيكهم في مصداقية هذه المحاكمات، معتبرين أنها تصدر عن الجهات نفسها المتهمة بارتكاب الانتهاكات في الساحل، وفق وصفهم. وفي هذا السياق، نشر المرصد السوري لحقوق الإنسان معلومات تفيد بأن أحد المتهمين الذين مثلوا أمام المحكمة في اليوم الأول، وهو هادي عدنان قبلان من اللاذقية ويعمل موظفاً في مرفأ المدينة، جرى اعتقاله مع شقيقه شادي، الموظف في مؤسسة التبغ، من قبل الأمن العام.
وبحسب المرصد جاء اعتقال الشقيقين بعد مطالبة جهة أمنية لهما بتسليم تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بمحلهما التجاري الواقع عند مفرق عين البيضا في ريف اللاذقية، وذلك عقب حادث أمني وقع قرب الموقع. وأوضح هادي أنه كان جهاز تسجيل الكاميرات معطلاً، وأبدى استعداده لإصلاحه، إلا أن ذلك لم يمنع توقيفه وشقيقه لعدة أشهر.
ووفق المعلومات نفسها، انقطع الاتصال بهما طوال فترة توقيفهما، إلى أن ظهرا أمام المحكمة حيث اعترفا باستخدام السلاح، رغم تأكيدهما سابقاً أنهما كانا خارج القرية أثناء أحداث الساحل.
المحاكمات العلنية في دول أخرى
هناك الكثير من الأمثلة عن المحاكمات العلنية بعد انتهاكات أو مجازر في دول أخرى. ومنها غينيا ورواندا اللتان شهدتا خلال السنوات الماضية تجارب مختلفة في محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة كمحاكمات علنية، إلا أن الهدف كان واحداً الوصول إلى العدالة بعد أحداث دامية تركت آثاراً عميقة في المجتمع.
غينيا
في 28 أيلول 2022، بدأت السلطات القضائية في غينيا محاكمة طال انتظارها لـ11 متهماً، بينهم وزراء سابقون وقادة أمنيون ورئيس سابق. وتأتي هذه المحاكمة على خلفية أحداث 2009 حين اقتحمت قوات الأمن ملعباً في العاصمة كوناكري، وفتحت النار على تجمع سلمي للمعارضة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 150 شخصاً واغتصاب عشرات النساء. وتعد هذه أول محاكمة تتناول انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان بهذا الحجم أمام القضاء الغيني.
هيومن رايتس ووتش وعدد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية including جمعية ضحايا 28 سبتمبر (AVIPA) والمنظمة الغينية للدفاع عن حقوق الإنسان (OGDH) والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH) تابعت المحاكمة عن قرب باعتبارها خطوة مفصلية في مسار العدالة للضحايا وذويهم الذين انتظروا أكثر من 13 عاماً لمحاسبة المسؤولين.
رواندا
بعد استقرار الحكم للرئيس بول كاغامي، أولت رواندا أهمية كبيرة لملف العدالة الانتقالية عقب الإبادة الجماعية عام 1994. وبدأت الحكومة تحركات واسعة بالتعاون مع الأمم المتحدة، ما أدى إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في أروشا بتنزانيا، والمتخصصة بمحاكمة كبار القادة المتورطين في الإبادة، وكانت هذه المحاكمات علنية كون المحاكم الدولية غالباً تكون مفتوحة للإعلام.
حاكمت المحكمة عدداً من أبرز المسؤولين، من بينهم رئيس الوزراء السابق جان كابيندا الذي أقر بالذنب في ست تهم وحكم عليه بالسجن المؤبد عام 2004، إضافة إلى العقيد باغوسورا الموصوف بأنه “مهندس الإبادة”، وعدد من الوزراء والقادة السياسيين. وحتى عام 2011، أنجزت المحكمة محاكمة 80 من أصل 92 متهماً من كبار المسؤولين.
على المستوى الداخلي، أنشأت رواندا محاكم وطنية لمحاكمة المتورطين في الجرائم على المستويات الأدنى. ورغم إصدارها أحكاماً بالإعدام في بعض الحالات، فقد تعرضت لانتقادات تتعلق بغياب بعض معايير العدالة وانزلاقها أحياناً نحو التحيز العرقي.
كما أُطلقت محاكم تقليدية عُرفت باسم محاكم الجاكاكا، وتعني “العشب”، إشارة إلى جلساتها التي تُعقد في الهواء الطلق حيث يجلس الناس على الأرض لحل النزاعات وفق الأعراف المجتمعية. لعب القادة القبليون دور القضاة في هذه المحاكم، وتمكنوا من النظر في مئات آلاف القضايا، وأغلقوا نحو 1.5 مليون ملف بين عامي 2001 و2010، مما ساهم في تسريع عملية العدالة والمصالحة داخل المجتمع الرواندي.
في النهاية، نلاحظ من التجارب السابقة في دول حصل فيها حروب أهلية وتعرضت لمجازر وانتهاكات أن مسار العدالة الانتقالية تأخذ وقت طويل وأحياناً تستمر لسنوات. ويجب أن تكون العدالة والشفافية هي أساس المحاكمات العلنية التي من ميزاتها أنها معروضة للعلن.
اقرأ أيضاً: الطائفية في الحرب السورية: سبب أشعل الصراع أم نتيجة لمأساته؟









