المحاصيل العلفية في درعا.. موسم واعد يصطدم بسوق مضطرب

بقلم: ريم ريّا
بدأت محافظة درعا موسم حصاد الأعلاف لهذا العام بمؤشرات إنتاجية محسّنة مقارنةً بالسنوات السابقة، وذلك بفضل الزيادة الملحوظة في هطول الأمطار وتوسع المساحات المزروعة بالكرسنة والفول والحمص. للوهلة الأولى، يبدو الوضع مشجعاً فقد استعادت الأرض جزءاً من قدرتها الإنتاجية، واستأنف المزارعون زراعة المحاصيل التي تلبي الطلب المتزايد من قطاع الثروة الحيوانية. مع ذلك، وكما هو الحال غالباً في الاقتصاد الزراعي السوري، لا يقاس شيء بالإنتاج وحده. تبدأ المعادلة الأكثر تعقيداً بعد الحصاد، عندما يواجه المزارعون تقلبات السوق، واحتكارات التجارة، وارتفاع تكاليف الإنتاج. تشبه الزراعة هنا سباقاً يخوضه المزارع طوال الموسم، لينتظر عند خط النهاية من يقرر ما إذا كان سيفوز أم سيتكبد خسارة.
تحسن الإنتاج يعيد المحاصيل العلفية إلى الواجهة في درعا
تشير التقديرات الزراعية في درعا إلى موسم واعد مقارنةً بالعام الماضي، الذي شهد انخفاضاً حاداً في إنتاج الأعلاف بسبب الجفاف. هذا العام، ساهم تحسن هطول الأمطار في تعزيز توقعات المحصول وزيادة الإنتاجية لكل دونم، مما أدى إلى زيادة اهتمام المزارعين بهذه المحاصيل، لا سيما مع تزايد الطلب عليها من مربي الماشية والأغنام.
لا تكمن الأهمية الاقتصادية لهذه المحاصيل في أسعارها فحسب، بل أيضاً في دورها المحوري في قطاع الأعلاف. فهي مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية الأساسية لتحسين إنتاج الحليب وتعزيز نمو الحيوانات. كما تتمتع هذه المحاصيل ببعد زراعي استراتيجي، إذ تحسن خصوبة التربة وتغنيها بالمواد العضوية والنيتروجينية، مما يسهم في دورة إنتاج زراعي أكثر استدامة.
مع ذلك، لا يعكس هذا التوسع في زراعة المحاصيل بالضرورة استقراراً اقتصاديًاً. قد يكون هذا، جزئياً، محاولة من المزارعين للتخفيف من تراجع ربحية المحاصيل التقليدية الأخرى كالقمح والشعير في بلد تبنى فيه القرارات الزراعية بشكل متزايد على تقليل الخسائر بدلاً من تعظيم الأرباح. معادلة مؤسفة، لكنها تتناسب تماماً مع اقتصاد يهدر قلق المزارعين أكثر من مياه الري.
اقرأ أيضاً: شراكات البيئة في سوريا: هل تفتح “آكتد” باب مشاريع التكيّف المناخي؟
السوق يهدد بتحويل الوفرة إلى أزمة أسعار
على الرغم من التفاؤل الذي يحيط بموسم الحصاد، يشعر قطاع كبير من المزارعين بالقلق مع اقتراب ذروة الموسم، خشية انهيار الأسعار نتيجة فائض العرض. هذه المخاوف ليست جديدة، بل تعكس نمطاً متكرراً في الأسواق الزراعية السورية، حيث يستغل الوسطاء والتجار حاجة المزارعين المُلحة للبيع، فيشترون المحاصيل بأسعار زهيدة ويعيدون بيعها عند ازدياد الطلب.
تكمن المشكلة الأساسية في أن ارتفاع أسعار المحاصيل لا يترجم تلقائياً إلى أرباح كبيرة. يواجه المزارعون تكاليف إنتاج مرتفعة، تعتمد بشكل كبير على العمالة، سواء في الحصاد أو النقل أو فصل الحبوب عن القش. علاوةً على ذلك، يبقى إنتاج الدونم الواحد من محاصيل العلف أقل من إنتاج المحاصيل الاستراتيجية الأخرى، مما يجعل هوامش الربح هشة وعرضة بشدة لأي انخفاض في الأسعار.
في ظل غياب آليات تدخل حكومية فعّالة وضعف نظام التسويق الزراعي، يجد المزارع نفسه الحلقة الأضعف في دورة اقتصادية يستفيد منها الجميع تقريباً باستثناءه. المفارقة، التي تبدو وكأنها نكتة قاسية للاقتصاد السوري، هي أن الموسم الجيد قد يتحول أحياناً إلى عبء على المنتج بدلاً من أن يكون شريان حياة.
غياب السياسات التسويقية يهدد استدامة التوسع الزراعي
يعكس توسع زراعة الأعلاف هذا الموسم قدرة القطاع الزراعي في درعا على التعافي التدريجي عند تحسن الأحوال الجوية. إلا أنه يكشف أيضاً عن هشاشة البنية الاقتصادية التي تحكم الإنتاج الزراعي في سوريا. فزيادة المساحة المزروعة والإنتاج وحدهما لا يكفيان لضمان استقرار القطاع ما لم يصاحبهما سياسات تسويقية واضحة وآليات تحمي المنتجين من تقلبات السوق والاستغلال التجاري.
ويبدو أن التحدي الأكبر في الفترة المقبلة لن يكون مرتبطاً بالإنتاج نفسه، بل بإدارة الفائض، وتنظيم السوق، وضمان أسعار عادلة للمزارعين. ومن المرجح أن يؤدي استمرار حالة عدم اليقين إلى دفع العديد من المزارعين إلى تقليص مساحاتهم المزروعة أو العودة إلى محاصيل أقل مخاطرة، مما يهدد استقرار قطاعي الأعلاف والثروة الحيوانية. في بلد تتكرر فيه الأزمات الاقتصادية بوتيرة أسرع من المواسم الزراعية، يصبح الحفاظ على سبل عيش المزارعين أولوية لا تقل أهمية عن الحفاظ على المحصول. فالأرض، مهما بلغت خصوبتها، لا يمكنها وحدها أن تعوض غياب السياسات السليمة.









