المجتمع المدني يدخل نقاش التشريع: أربع أولويات تنتظر التحول إلى قوانين

الكاتب: أحمد علي
دخل ممثلو منظمات المجتمع المدني إلى نقاش العمل التشريعي السوري في 25 تموز 2026، بعد ثلاثة عشر يوماً من انعقاد أول جلسة لمجلس الشعب الجديد. الجلسة التي نظمها برنامج «راصد سوريا» التابع لمنظمة وحدة دعم الاستقرار في دمشق جمعت أعضاء في المجلس وممثلين عن منظمات مدنية، ووضعت أمامهم أربع أولويات هي حماية حقوق الملكية، وإقرار تشريعات للعدالة الانتقالية، وتعزيز المحاسبة، ومراجعة القوانين المرتبطة بالحياة السياسية.
تعطي هذه الخطوة المجتمع المدني مساحة مبكرة لعرض احتياجاته أمام المؤسسة التشريعية، لكنها لا تكشف بعد ذلك كيف ستتحول المقترحات إلى مشاريع قوانين. لم يُعلن جدول زمني، ولم تُسمَّ لجان برلمانية ستتولى الملفات، كما لم تُنشر مسودة التقرير الذي عرضه البرنامج حول متابعة العملية الانتخابية. لذلك يبدأ التحليل من معنى فتح قناة الحوار، ثم ينتقل إلى طبيعة الملفات الأربعة والاختبار الذي ينتظر المجلس بعد انتهاء الجلسة.
نقاش التشريع بعد تشكيل المجلس
بدأ مجلس الشعب ممارسة مهامه في 12 تموز 2026، بحضور 206 أعضاء من مجلس صُمم ليضم 210 مقاعد. ويعمل المجلس خلال ولاية انتقالية مدتها ثلاثون شهراً قابلة للتجديد، فيما يمنحه الإعلان الدستوري صلاحيات اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات السابقة أو إلغائها، والمصادقة على المعاهدات، وإقرار الموازنة والعفو العام، وعقد جلسات استماع للوزراء.
تزداد أهمية نقاش التشريع لأن الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 أبقى القوانين النافذة سارية ما لم تُعدّل أو تُلغَ. هذا يعني أن المجلس لا يبدأ من فراغ، بل يواجه منظومة تراكمت فيها تشريعات قديمة، وقوانين صدرت خلال الحرب، وأنظمة مؤقتة أُنشئت للمرحلة الانتقالية. مراجعة هذا الإرث تحتاج ترتيباً واضحاً للأولويات، حتى لا تتحول الاستجابة إلى تعديلات متفرقة يصعب جمعها في سياسة قانونية واحدة.
قال مدير برنامج «راصد سوريا» معتصم كيلاني إن الهدف من الجلسات هو إنشاء قنوات مباشرة بين مجلس الشعب والمجتمع المدني والوصول إلى توافقات حول أولويات مشتركة يمكن طرحها في جلسات المجلس. كما أوضح المدير التنفيذي لوحدة دعم الاستقرار منذر سلال أن اللقاء هو الأول من نوعه بعد بدء أعضاء المجلس ممارسة مهامهم. هذه البداية تمنح المنظمات فرصة لنقل الدراسات الميدانية وملاحظات الفئات المتضررة، بينما تبقى سلطة التشريع والتصويت بيد المجلس.
الحاجة إلى هذه القناة ترتبط أيضاً بطريقة تشكيل المجلس في المرحلة الانتقالية. فقد انتُخب ثلثا أعضائه عبر هيئات ناخبة محلية، بينما عيّن رئيس الجمهورية الثلث المكمل. الآلية لم تعتمد اقتراعاً عاماً مباشراً بسبب النزوح وغياب سجلات سكانية محدثة، وأثارت في الوقت نفسه نقاشاً حول التمثيل ونفوذ السلطة التنفيذية. الحوار المنتظم مع المجتمع يمكن أن يوسع دائرة الاستماع، لكنه لا يعوض نشر المسودات وإتاحة الاعتراض عليها ومتابعة كيفية تصويت الأعضاء.
أربع أولويات بملفات مختلفة
تأتي حماية حقوق الملكية في مقدمة الأولويات بسبب عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى مناطقهم. وحتى 31 أيار 2026، قدّرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عودة نحو 1.67 مليون شخص من دول الجوار، إلى جانب قرابة 1.92 مليون نازح عادوا داخل سوريا. جزء من هؤلاء يعود إلى منازل مدمرة أو مناطق تغير تنظيمها العمراني، وبعضهم فقد وثائقه أو يملك عقاراً غير مسجل بصورة نهائية، فيما تواجه أسر المفقودين والورثة صعوبات إضافية في إثبات الحقوق والتصرف بها.
معالجة الملف تحتاج مراجعة قواعد التسجيل العقاري والاستملاك والتنظيم العمراني والحجز، وتوفير إجراءات اعتراض يمكن للغائبين واللاجئين استخدامها من دون اشتراط حضور يصعب تحقيقه. كما تحتاج المحاكم والسجلات العقارية إلى وسائل للتحقق من الوثائق المتضررة أو المفقودة. وضوح الملكية يفيد أصحاب الحقوق أولاً، ويساعد أيضاً على إعادة الإعمار والاستثمار، لأن أي مشروع واسع سيواجه نزاعات طويلة إذا بدأ قبل حسم وضع الأرض والتعويض وآليات الطعن.
العدالة الانتقالية والمحاسبة ظهرتا في الجلسة كأولويتين متصلتين، لكنهما لا تؤديان الوظيفة نفسها. أُحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بالمرسوم رقم 20 في 17 أيار 2025، وقالت الهيئة بعد عام إن مشروع قانون العدالة الانتقالية وصل إلى مراحله الأخيرة تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب. ويشمل المسار كشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، بينما تتطلب المحاسبة تحديد الجرائم والاختصاص القضائي وقواعد الإثبات وحماية الشهود وحقوق المتهمين.
سبق لعضو في لجنة المحاسبة والمساءلة بالهيئة أن قال إن الصيغة الأولية للقانون أُعدت لأن التشريعات السورية الحالية لا تجرّم بعض الانتهاكات الجسيمة. تحويل هذه الملاحظة إلى قانون يحتاج صياغة دقيقة تمنع الإفلات من العقاب وتحافظ على ضمانات المحاكمة العادلة. استخدام المحاسبة بصورة فضفاضة سيخلق نزاعات جديدة، أما حصرها في المسؤولية الفردية والأدلة والإجراءات القضائية فيمنح الضحايا حقهم ويقلل خطر تحويل الملف إلى عقاب جماعي أو تصفية سياسية.
تبقى التشريعات المرتبطة بالحياة السياسية أوسع الأولويات وأقلها تحديداً. لم تذكر الجلسة أسماء قوانين بعينها، ولذلك لا يمكن الجزم بما سيُطرح أولاً. وقد يشمل هذا العنوان مراجعة قواعد تأسيس الأحزاب وتمويلها، وتنظيم الانتخابات المقبلة، وقوانين الإعلام والعمل الأهلي والحريات العامة. المطلوب في هذه الملفات هو تحديد الحقوق والقيود بلغة واضحة، ووضع رقابة قضائية على القرارات الإدارية، لأن الحياة السياسية لا تُنظم بتراخيص قابلة للسحب من دون معايير أو بإجراءات تختلف من جهة إلى أخرى.
اقرأ أيضاً: ماذا ينقص تجربة المجتمع المدني السورية اليوم؟ دروس من بولندا وتونس
من الحوار إلى القانون
توجد تجارب بدأت قبل انعقاد المجلس ويمكن أن تقدم صورة عن المسار الممكن. وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل نظمت خلال نيسان 2026 ورشة لتطوير قانون المنظمات غير الحكومية، بهدف استبدال قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم 93 لعام 1958، وأعلنت أن المخرجات ستُحال إلى لجنة صياغة لإعداد مسودة أولية. كما أطلقت الهيئة الوطنية للمفقودين مشاورات لإعداد قانون وطني، وقالت في 16 تموز إن نحو 500 جهة من عائلات المفقودين وروابط الضحايا والمنظمات سجلت للمشاركة، على أن تُحلل المقترحات وتُدمج قبل إحالة المشروع إلى مجلس الشعب.
هذه التجارب تضع معياراً يمكن تطبيقه على الأولويات الأربع. تبدأ العملية بنشر ورقة تحدد المشكلة والنصوص المطلوب تعديلها، ثم إعداد مسودة يمكن للمتضررين والخبراء الاطلاع عليها، وشرح ما أُخذ من الملاحظات وما استُبعد وأسباب ذلك. بعدها تأتي مناقشات اللجان والجلسة العامة، ويتبع الإقرار إصدار تعليمات تنفيذية وتمويل الجهات المكلفة بالتطبيق. غياب واحدة من هذه المراحل قد ينتج قانوناً جيد الصياغة على الورق لكنه محدود الأثر في المحاكم والإدارات المحلية.
كما يتوقف وزن مشاركة المجتمع المدني على تنوع المشاركين. ملفات الملكية تحتاج حضور العائدين والنازحين وأسر المفقودين وأصحاب العقارات في المناطق المتضررة. العدالة الانتقالية تحتاج مشاركة الضحايا والمحامين والقضاة والجهات التي تحفظ الأدلة. أما قوانين الحياة السياسية فتحتاج حواراً يتجاوز المنظمات العاملة في دمشق إلى المحافظات والنقابات والجامعات والمجموعات التي بقيت خارج المؤسسات خلال سنوات الحرب. اختيار المشاركين من دائرة ضيقة سيعطي معلومات ناقصة، حتى لو كان النقاش منظماً.
تحتاج الرقابة المجتمعية إلى الاستمرار بعد صدور القوانين. حماية الملكية تُقاس بسرعة البت في الاعتراضات وقدرة الغائبين على تثبيت حقوقهم، والعدالة الانتقالية تُقاس بوصول الضحايا إلى المعلومات والتعويض والقضاء، بينما تُختبر قوانين الحياة السياسية في قدرة المواطنين على التنظيم والمشاركة من دون إجراءات تعسفية. نشر مؤشرات التنفيذ والشكاوى والأحكام القضائية سيتيح للمجلس تعديل النصوص التي تظهر ثغراتها أثناء التطبيق.
فتحت جلسة 25 تموز قناة بين المؤسسة التشريعية ومنظمات المجتمع المدني في مرحلة مبكرة من عمل المجلس. النتيجة المطلوبة الآن هي تحويل المحاور الأربعة إلى جدول تشريعي منشور، وتحديد الجهات التي ستعد المسودات ومواعيد مناقشتها، ثم إتاحة النصوص للرأي العام قبل التصويت. استمرار الحوار من دون هذه الخطوات سيبقي الأولويات في مستوى التوصيات، بينما تحتاج المرحلة إلى قوانين واضحة وإجراءات يمكن للناس استخدامها ومراقبتها.
اقرأ أيضاً: تشكيل لجنة لدراسة النظام الضريبي في سوريا ومراجعة التشريعات النافذة









