أعمال واستثمار

المتة هاجرت إلى سوريا.. من “جوزة المتة” على الطاولة إلى سوق بملايين الدولارات

بقلم: ريم ريّا

يبدو مشروب “المتة” لمن هم من خارج سوريا، مجرد مشروب يرافق جلسات العائلة والأصدقاء، لكن خلف “جوزة أو قرعة” المتة والمصاصة المعدنية يختفي سوق استهلاكي نشأ منذ عقود طويلة، وربط الاقتصاد السوري بشكل مباشر بمنتج يأتي من على بعد آلاف الكيلومترات.

تستهلك سوريا بشكل سنوي 2500 طن من المتة، وهي ثاني أكبر مستورد لها في العالم بعد دول أمريكا الجنوبية، في حين في عامي 2018 و2019 استحوذت كل من سوريا ولبنان سوياً على نسبة 75% من استيراد المتة، بنسبة تجاوزت نصف صادرات الأرجنتين العالمية من المتة.

الكمية كبيرة بالنسبة لمشروب واحد… نعم. لكن هناك قصة أهم يطرحها السؤال التالي: لماذا تستورد سوريا المتة أصلاً، وهل يمكن زراعتها محلياً؟ في هذا المقال سنخوض الرحلة مع المتة بدءاً من موطنها الأصلي مروراً يسوقها الاستهلاكي واقتصادها القائم في سوريا وصولاً إلى الظروف المناخية التي تنمو فيها.

المتة نبتة أميركية دخلت سوريا من بوابة الهجرة!

“يربا ماتي” في موطنها الأصلي، و”المتة” بعد الهجرة. نبات موطنها الأصلي في مناطق الباراغواي والأرجنتين والبرازيل والأوروغواي، وعرفته شعوب “الغواراني” قبل أن يدخل السوق الدولية ويتحول إلى نبات له وظيفة اجتماعية ثقافية.

وصوله إلى سوريا كان ثمرة للهجرة لا لخطة تجارية. ففي أواخر القرن التاسع عشر دفعت أحداث عام 1860 الدامية آلاف السوريين واللبنانيين إلى الهجرة نحو أميركا الجنوبية، وهناك كان اللقاء مع المتة، إذ تعرف المهاجرون عليها، وحملها العائدون منهم معهم إلى بلادهم.

ومع اتساع عودة أبناء الجالية السورية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى سوريا، عادت معهم المتة، ولكن سبق وأن وجدت طريقها إلى البيوت الريفية في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وتحولت بعدها إلى سلعة سريعة الانتشار. فكانت المتة صنيعة الهجرة، من حيث لم يخطط أحد لذلك، وتصنف من أغرب سلاسل التجارة بين سوريا وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضاً: من ألمانيا إلى دمشق: سحب المتة يثير جدلاً صحياً واسعاً.. ما القصة؟

من ورقة خضراء إلى صناعة محلية

لم تعد المتة مجرد مشروب مستورد يصل إلى المستهلك بشكل مباشر. إذ قادت شركة “كبور” في منطقة يبرود في ريف دمشق، المسار التجاري والصناعي لهذا المشروب. فهي أول من استورد المتة من الأرجنتين وأسست لها معملًا وقامت بتجهيزها وتعبئتها محلياً. وفق ما هو متداول عن هذا القطاع، قارب متوسط الاستيراد السنوي في مراحل سابقة 30 ألف طن، فيما تجاوزت القيمة المضافة المحلية 80% نتيجة الخلط والتعبئة والتنظيف والتغليف والتوزيع.

أما عالمياً، فتتراوح تقديرات سوق المتة بين 1.7 و3 مليارات دولار، مع استمرار نمو الطلب على المشروبات الطبيعية. وتبقى الأرجنتين في الطليعة، المنتج والمصدر الأكبر عالمياً، إذ بلغت قيمة صادراتها من المتة في عام 2025 نحو 116 مليون دولار. في المقابل، تحتل سوريا موقع مهم للغاية، بعد أن استحوذت في بعض السنوات على أكثر من 60% من صادرات الأرجنتين من المتة، لتتحول “كاسة المتة” السورية إلى أهم منافذ المنتج الأرجنتيني خارج أميركا الجنوبية.

هل يمكن أن يحمل منتج المتة عبارة “صنع في سوريا”؟

لا تكمن أهمية “المتة” هنا في حجم استهلاكها، بل في إمكانية خفض فاتورة استيرادها. يتطلب نبات المتة مناخ دافئ رطب، وهطول أمطار منتظم، وبيئة مشابهة لتلك الموجودة في المناطق شبه الاستوائية في أمريكا الجنوبية حيث ينمو بشكل طبيعي. هذه الظروف تجعل زراعته التجارية على نطاق واسع في سوريا صعب إلى حد ما، تحديداً في ظل الجفاف وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة.

مع ذلك، لا يعني هذا استحالة التجربة. قد تكون المناطق الأكثر رطوبة في سوريا، وخاصة بعض المناطق الساحلية، الأنسب لإجراء تجارب زراعية محدودة، شريطة دراسة التربة ومستويات الرطوبة واحتياجات المياه ومدى تحمل النبات للظروف المناخية المحلية. إذا تكللت التجارب بالنجاح، فلن يقتصر الأمر على زراعة محصول جديد فحسب، بل سيتعداه إلى إمكانية إنشاء سلسلة إنتاج تبدأ من الشتلات وتنتهي بالتجفيف والتعبئة والتسويق. وهذا من شأنه أن يضيف قيمة، ويوفر فرص عمل، ويقلل الاعتماد على الواردات.

اقتصاد كامل وملايين الدولارات مختزل في “جوزة” المتة

قصة المتة في سوريا أغرب من مشروب دخل بيوت السوريين واستقر فيها وبات جزءاً من نمط حياتهم. فمنتج أميركي هاجر إلى سوريا ثم تحول إلى عادة استهلاكية، وبعدها إلى تجارة وصناعة محلية وسوق متنوعة، حتى ارتبط بعشرات العلامات التجارية التي تنافس فيما بينها ووراءها قطاع من المستوردين والموزعين وأصحاب المحال والدكاكين.

والمفارقة الأعجب أن المواطن السوري الجالس “يقرقع” المتة لا يرى كل هذه السلسلة خلفها، فحتى يصل المواطن السوري إلى متعته بجلسات المتة، هناك مزارع أرجنتيني وشحنات تعبر المحيطات وتتحدى المناخ، وموانئ وتجار ومعامل وموظفون للتعبئة وشاحنات للتوزيع.

ببساطة، هناك اقتصاد كامل يصب فوقه الماء الساخن مع قليل من السكر في “جوزة المتة”.. وعلى قول المثل “المقسوم ما بيروح لغير صاحبه“، فالسوري يبدو أنه أخذ المثل الشعبي بحرفيته، “جلس مكانه والمتة قطعت المحيطات والحدود حتى وصلت إليه”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى