سياسة

المال خرج قبل الأسد.. كيف يمكن لسوريا ملاحقة الثروة التي هُرّبت من البلاد؟

الكاتب: أحمد علي

في تموز 2026 أعاد ناشطون ومحامون سوريون إلى الواجهة ادعاءً بأن بشار الأسد ربما ترك أكثر من 40 مليون جنيه إسترليني في حساب لدى مصرف بريطاني قبل عودته من لندن إلى دمشق عام 1994. والبعض يتحدث عن أموال جرى تهريبها إلى الخارج قبل السقوط بأيام. فيما يخص الحادثة المذكورة بدايةً، لا المصرف ولا الخزانة البريطانية أكدا وجود الحساب، والوثائق القضائية التي استند إليها المطالبون لا تثبت وحدها أن المال موجود اليوم أو أنه ناتج من جريمة. لكن توقيت الحركة المزعومة، قبل أن يصبح الأسد رئيساً، يكشف لب المشكلة. فالثروة لا تنتظر سقوط النظام كي تهرب، بل تتحرك مبكراً عبر أقارب وشركات ووسطاء وعقارات وحسابات لا تحمل اسم صاحب النفوذ مباشرة.

لهذا لا يكفي أن تطلب دمشق من العواصم الأجنبية إعادة أموال مجمدة. عليها أولاً أن تحدد ما الذي تبحث عنه، ومن يملكه قانونياً، وكيف اتصل بمورد عام أو رشوة أو ابتزاز أو جريمة غسل أموال. ثم تحتاج إلى قضية قابلة للاختبار أمام قاض أجنبي، لا إلى سردية سياسية صحيحة في معناها العام لكنها ضعيفة في سلسلة الإثبات. استرداد الثروة المنهوبة عملية تجمع التحقيق المالي والقضاء والتعاون الدولي وإدارة الأصل بعد مصادرته، وقد تستغرق سنوات.. لذلك فإن السؤال العملي هو كيف تبني سوريا هذا المسار قبل أن تتبدد الأدلة أو تتغير ملكية الأصول مرة أخرى.

حساب محتمل يكشف شبكة لا رقماً

ورد الادعاء عن الحساب ضمن متابعة لوثائق قضائية بريطانية مرتبطة بمحاولة دائنين تنفيذ حكم سابق على أصول سورية. قالت التغطية إن محققين اعتقدوا بوجود حساب تتجاوز قيمته 40 مليون جنيه، وربما ارتفعت قيمته مع العوائد، بينما نفى المصرف العثور على حساب باسم الأسد. هذه الفجوة لا تحسم القضية لمصلحة أي طرف. فقد يكون الأصل غير موجود، أو أُغلق، أو حُمل باسم شركة أو شخص آخر، أو لا تكون له صلة بمال عام. لذلك يجب أن يبدأ الملف بطلبات قانونية محددة لحفظ السجلات والكشف عنها ضمن ضمانات القضاء.

الأهم أن الحساب، إن ثبت، سيكون نقطة دخول إلى علاقات أوسع. التحويلات المقابلة، والمستفيدون، والشركات التي دفعت أو تسلمت، ومكاتب المحاماة وإدارة الثروات، وسجلات العقارات والائتمانات، كلها قد تكشف ملكية فعلية لا تظهر في الاسم الأول. التحقيق الناجح يرسم خريطة تدفقات زمنية ويقارنها بالدخل المشروع والمناصب والعقود العامة. أما مطاردة رقم صحفي منفرد فتجعل السلطات رهينة أصل واحد، بينما تكون الثروة الحقيقية موزعة بين ولايات قضائية وأدوات قانونية متعددة.

التجميد ليس مصادرة ولا إعادة

تسمح العقوبات للدولة المضيفة بمنع صاحب الأصل من التصرف فيه، لكنها لا تنقل الملكية إلى سوريا. يظل المال مجمداً إلى أن يرفع الإدراج أو يصدر حكم بالمصادرة أو تتوافر آلية قانونية أخرى. وهذه الفروق تفسر لماذا يمكن أن تبقى أصول سنوات طويلة في المصارف والعقارات من دون أن تصل إلى الخزينة أو الضحايا. كما أن رفع العقوبات الاقتصادية عن البلد لا يعني فك التجميد عن الأشخاص المرتبطين بالنظام السابق. الاتحاد الأوروبي مدّد في أيار 2026 التدابير المستهدفة حتى حزيران 2027، وسويسرا فرضت تجميداً إضافياً لحماية أصول المحيط السابق من التسرب.

الأرقام المتداولة عن الأصول السورية في بريطانيا توضح مشكلة التعريف. قدّر تقرير حقوقي في حزيران 2025 أصولاً مجمدة بنحو 163 مليون جنيه، بينما أوردت تغطية لاحقة رقماً أعلى بكثير نقلاً عن بيانات العقوبات. لا يجوز جمع هذه الأرقام مع أصول الدولة أو عدها كلها أموال فساد. فقد تشمل ودائع وملكيات لأشخاص مختلفين، وقد تتغير القوائم والتقييمات وسعر العقار. ما تحتاجه دمشق هو جرد حالة لكل أصل يبيّن المالك الظاهر والمستفيد الحقيقي والأساس القانوني للتجميد وإمكان الانتقال إلى المصادرة.

إثبات الأصل غير المشروع هو العقدة

لكي تصادر محكمة أجنبية عقاراً أو حساباً، تحتاج عادة إلى صلة بين الأصل وجريمة محددة. هنا تظهر قيمة وثائق الوزارات والمصارف والعقود والرسوم الجمركية وقرارات منح الاحتكار ومحاضر التحقيق. إذا ثبت مثلاً أن شركة واجهة تلقت دفعات مقابل عقد عام مضخم ثم اشترت عقاراً في أوروبا، يصبح المسار المالي قابلاً للتتبع. أما الاكتفاء بأن مالك الأصل قريب لمسؤول سابق فلا يكفي دائماً. وكل سنة تأخير تزيد خطر تلف السجلات أو وفاة الشهود أو انتقال الأصل إلى مشترٍ يدعي حسن النية.

يمكن لبعض الدول استخدام المصادرة المدنية أو أوامر الثروة غير المفسرة أو مصادرة القيمة المكافئة حين يتعذر ربط ورقة نقد بعينها بالجريمة، لكن الشروط تختلف بشدة. لهذا تحتاج سوريا إلى ملفات مصممة وفق قانون الدولة المطلوب منها التعاون، لا ملفاً واحداً يرسل إلى الجميع. مبادرة استرداد الأصول المسروقة التابعة للبنك الدولي والأمم المتحدة تقدم نماذج للتنسيق والمساعدة، إلا أن نجاحها يفترض وجود جهة سورية مخولة، وأدلة محفوظة، وطلبات مساعدة قانونية لا تحمل أخطاء إجرائية تمنح الدفاع طريقاً سهلاً لإسقاطها.

عائلة الأسد ليست حدود الخريطة

تجربة رفعت الأسد في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا تظهر أن العقارات والشركات العابرة للحدود قد تكشف ثروة أكبر من الحسابات المصرفية المباشرة. كما أظهرت التحقيقات دور مستشارين ومديري أصول في حفظ الملكيات بعيداً من الواجهة السياسية. لكن اقتصاد النفوذ السوري لم يكن عائلياً فقط. شبكات المقاولين والواجهات التجارية ومحتكري السلع والوقود ومهربي المخدرات والمسؤولين المحليين كوّنت أرباحاً قد تكون خرجت إلى دول الجوار أو مراكز مالية أقل شفافية.

لذلك يجب أن تكون الأولوية للشبكة لا للقب. قاعدة بيانات موحدة تجمع أسماء الأشخاص والشركات والعناوين وأرقام التسجيل والهواتف والحسابات والعقارات تساعد على اكتشاف الروابط التي تضيع بين ملفات الوزارات. وأمر تجميد الحسابات المحلية المرتبطة بالنظام السابق مطلع 2025 كان خطوة أولية لحفظ ما بقي داخل البلاد، لكنه يحتاج إلى تدقيق قضائي يمنع العقاب الجماعي ويحمي حقوق الغير. كل تجميد بلا قضية قابلة للحسم يتحول مع الوقت إلى نزاع تعويض ويضعف صدقية الحملة في الخارج.

أربع وظائف لوحدة استرداد مستقلة

تحتاج دمشق إلى وحدة متخصصة لا حملة موسمية. وظيفتها الأولى جمع البلاغات وحماية الأدلة، والثانية بناء التحقيق المالي بالتعاون مع النيابة ومكافحة غسل الأموال، والثالثة إدارة طلبات المساعدة القانونية والاتصال بنظرائها في الخارج، والرابعة إدارة الأصول المحجوزة حتى لا تفقد قيمتها. يجب أن تضم محققين ومحاسبين جنائيين ومحامين وخبراء بيانات، وأن يكون لها قانون يحدد صلاحياتها وواجب النشر وتضارب المصالح، مع رقابة قضائية وبرلمانية ومجتمعية.

الأولوية ليست فتح مئات القضايا الضعيفة. الأفضل اختيار عدد محدود من الملفات ذات قيمة عالية وأدلة واضحة وولاية قضائية متعاونة، ثم تحويلها إلى سوابق ناجحة. يمكن أن تشمل البداية عقاراً معروف السجل أو شركة واجهة أو تحويلاً موثقاً، مع طلبات عاجلة لمنع التصرف. النجاح المبكر يبني ثقة العواصم ويجذب المبلغين، بينما الفشل الناتج من استعجال سياسي قد يرسخ حجة أن المطالبات انتقامية. وينبغي نشر معايير اختيار القضايا كي لا يصبح الاسترداد أداة لتصفية خصوم جدد.

من يتلقى المال بعد عودته

حتى بعد المصادرة يبقى سؤال الملكية العامة والعدالة. بعض الأموال قد تكون مسروقة من الخزينة فتعود إلى الموازنة، وبعضها يرتبط بضحايا تعذيب أو اختفاء أو مصادرة أملاك فيستدعي مسار تعويض. وقد تشترط الدولة المعيدة صندوقاً مستقلاً أو مشروعاً محدداً إذا كانت تخشى الفساد أو سوء الإدارة. لا ينبغي أن تفسر دمشق هذا الشرط انتقاصاً من السيادة، بل فرصة لبناء نموذج يضمن أن المال المستعاد لا يدخل دورة نهب جديدة.

يمكن إنشاء صندوق سوري لاسترداد الأصول بتشكيل مختلط يضم الدولة والقضاء والضحايا والخبراء المستقلين، ينشر كل مبلغ وتاريخ استلامه ومصدره وأوجه إنفاقه وتدقيقه. ويجب الفصل بين كلفة التحقيق وحصة التعويض ومشروعات إعادة الإعمار، مع منع مكافآت الوسطاء النسبية التي تشجع على تسويات غامضة. المشاركة المبكرة للناجين مهمة لأن رد المال إلى حكومة ما بعد الأسد لا يعالج تلقائياً الضرر الفردي، ولأن الثقة في وجهة العائد جزء من إقناع المحاكم الأجنبية بالموافقة على الإعادة.

خريطة طريق تقاس بالملفات لا بالمليارات

خلال الأشهر الأولى يمكن لسوريا أن تطلب حفظ السجلات في الدول الرئيسية، وتجمع سجلاً للمستفيدين الحقيقيين، وتراجع إقرارات الذمة والعقود الكبرى، وتنضم إلى قنوات التعاون الفني. يلي ذلك إعداد ملفات أولية مرتبة حسب قوة الدليل وإمكان التجميد، ثم تفاوض ثنائي على شروط الإعادة. في الوقت نفسه يجب تعديل قوانين غسل الأموال والمصادرة بما يضمن المحاكمة العادلة ويعترف بالأحكام الأجنبية ضمن ضوابط واضحة.

مقياس النجاح ليس إعلان تقدير ضخم للثروة المهربة، لأن الرقم قد لا يمكن إثباته أو تحصيله. المؤشرات الأصدق هي عدد الأصول التي حُدد مالكها الحقيقي، وعدد أوامر الحفظ والتجميد، وقيمة المصادرات النهائية، والزمن بين الطلب والقرار، وحصة الأموال التي وصلت فعلاً إلى تعويض أو خدمة عامة. بهذا تنتقل القضية من خطاب أخلاقي واسع إلى إدارة قضائية يمكن محاسبتها. المال خرج مبكراً، ولذلك لن يعود بقرار واحد أو من بلد واحد.

يمكن لسوريا ملاحقة الثروة المهربة، لكن الطريق يبدأ من الاعتراف بأن الاشتباه ليس حكماً وأن التجميد ليس استرداداً. الادعاء عن حساب لندن مهم لأنه يفتح باب السجلات والشبكات، لا لأنه يثبت وحده وجود عشرات الملايين. المطلوب وحدة مستقلة، وملفات قليلة قوية، وتعاون قضائي مصمم لكل دولة، وآلية شفافة لاستقبال العائد وتعويض الضحايا.

إذا نجحت دمشق في بناء هذه البنية فستستعيد أكثر من المال. ستعيد تأسيس حق الدولة في معرفة من استفاد من السلطة وكيف خرجت القيمة من الاقتصاد. أما مطاردة أرقام كبيرة بلا أدلة أو إدارة شفافة فتعطي حاملي الأصول وقتاً جديداً وتحوّل العدالة المالية إلى عنوان آخر لا يصل إلى السوريين.

اقرأ أيضاً: موقع فرنسي: نهج خاص تتبعه الحكومة السورية لاستعادة أموال الأسد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى