سياسة

المادة 30 تسقط: ماذا تكشف المناقشات عن توازنات مجلس الشعب السوري؟

الكاتب: أحمد علي

حصلت المادة 30 من مشروع النظام الداخلي لمجلس الشعب السوري على 85 صوتاً خلال جلسة الثلاثاء 28 تموز 2026، ولم تبلغ الأغلبية اللازمة لإقرارها. تتعلق المادة، وفق المعلومات المنشورة، بتسمية لجان المجلس وتحديد مهامها. وهي تختلف عن المادة 30 من الإعلان الدستوري التي تحدد صلاحيات المجلس العامة. وقع التعثر عند جزء سيحدد لاحقاً أين تُدرس القوانين، وكيف تتوزع ملفات الرقابة، ومن يملك التأثير في العمل البرلماني قبل وصوله إلى الجلسة العامة.

جاء التصويت بعد يومين من بدء مناقشة مسودة تضم نحو 180 مادة، أعدتها لجنة من 17 عضواً خلال اجتماعات امتدت أربعة أيام. وكان المجلس قد أقر 16 مادة في الجلسات السابقة، ثم توقف عند مادة لم تحظ بالقدر نفسه من التوافق. النتيجة تقدم إشارة إلى وجود خلاف داخل المجلس، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة هذا الخلاف، لأن محضر الجلسة المنشور لم يتضمن عدد الحاضرين عند التصويت، ولا أصوات الرفض والامتناع، ولا أسماء الأعضاء ومواقفهم.

تزداد أهمية الواقعة لأن النظام الداخلي سيحدد الممارسة اليومية للمجلس طوال المرحلة الانتقالية. الإعلان الدستوري أعطى مجلس الشعب سلطة التشريع وإقرار الموازنة والمعاهدات وعقد جلسات استماع للوزراء، لكنه ترك كثيراً من التفاصيل الإجرائية للنظام الذي يضعه الأعضاء بأنفسهم. لذلك تقاس دلالة سقوط المادة 30 بما سيأتي بعدها، وبالصيغة المعدلة التي ستُعرض، وبالطريقة التي سيوزع بها المجلس السلطة بين رئاسته وأعضائه ولجانه.

النظام الداخلي وصناعة اللجان

يُلزم الإعلان الدستوري مجلس الشعب بإعداد نظامه الداخلي خلال شهر من جلسته الأولى التي انعقدت في 12 تموز. هذا الأجل يضع المجلس أمام ضغط زمني واضح، لأن النظام يتجاوز وظيفة الوثيقة التنظيمية المحدودة، وسيضبط مواعيد الجلسات، ووضع جدول الأعمال، وتقديم مقترحات القوانين، وآليات التصويت، وعمل اللجان، ووسائل الاستماع إلى الوزراء، وإجراءات الحصانة البرلمانية.

أنهت لجنة الصياغة المسودة خلال أسبوع من العمل، وعقدت اجتماعاتها المكثفة على مدى أربعة أيام. قال أمين سر المجلس مؤيد حبيب إن التصويت يجري على كل مادة منفردة قبل التصويت على المشروع كاملاً، بينما ذكر عضو المجلس عدنان الخطيب أن المسودة تتضمن ما بين 20 و23 لجنة متخصصة تبحث القوانين والتشريعات بحسب الاختصاص. هذا العدد يعني أن جزءاً كبيراً من العمل الفعلي سيجري داخل اللجان، حيث تُفحص النصوص وتُعد التقارير وتُجمع الملاحظات قبل أن يواجه المشروع تصويت الهيئة العامة.

لهذا لم تكن المادة 30 منفصلة عن سؤال توزيع النفوذ داخل المجلس. السياسي رضوان زيادة قال، في قراءة للمسودة الأولية، إن بعض بنودها تمنح رئاسة المجلس دوراً رئيسياً في تشكيل اللجان بدلاً من انتخابها من الأعضاء، كما رأى أن صلاحيات الرئيس في الدعوة إلى الجلسات ووضع جدول الأعمال واسعة. في المقابل، أكد عضو المجلس بشر الحاوي أن النص المتداول مسودة قابلة للتعديل، وأن كل مادة يمكن حذفها أو تغييرها وفق التصويت.

المعلومات المتاحة لا تنشر النص الكامل للمادة التي تعثرت، ولا التعديل المقترح عليها أثناء الجلسة. لذلك لا يمكن الجزم بأن الخلاف دار حصراً حول حق الرئيس في تسمية اللجان. قد يكون الاعتراض متعلقاً بعدد اللجان أو أسمائها أو حدود اختصاصاتها أو طريقة اختيار أعضائها. لكن اقتران المادة بنقاش معلن حول مركزية الرئاسة يجعل طريقة تشكيل اللجان مؤشراً أساسياً عند قراءة الصيغة المقبلة.

تصويت بلا خريطة كتل

يتألف مجلس الشعب من 210 أعضاء، اختير ثلثاهم عبر هيئات ناخبة، بينما عيّن رئيس الجمهورية 70 عضواً لاستكمال الثلث الأخير. حضر الجلسة الافتتاحية 206 أعضاء، مع بقاء ثلاثة مقاعد عن السويداء شاغرة وغياب مقعد عن إدلب بعد وفاة العضو الذي كان يشغله. هذه التركيبة أثارت منذ بداية العملية أسئلة حول حجم تأثير السلطة التنفيذية، ولا سيما أن الحكومة لا تحتاج إلى نيل ثقة المجلس بموجب الإطار الدستوري الانتقالي.

سقوط مادة حصلت على 85 صوتاً يضعف افتراض أن المسودة ستمر تلقائياً بصيغتها التي أعدتها اللجنة أو تفضلها هيئة الرئاسة. وجود الثلث المعين لا يساوي بالضرورة وجود كتلة تصويت موحدة، كما أن الأعضاء الذين اختارتهم الهيئات الناخبة لا يشكلون كتلة سياسية واحدة. ولا تعرض التغطيات المنشورة حتى الآن وجود كتل برلمانية منظمة، وأشار منتقدون للمسودة إلى غياب نصوص تنظم تشكيلها، ما يجعل التحالفات داخل القاعة أقرب إلى التوافق المؤقت حول كل مادة.

مع ذلك، لا يقدم رقم 85 دليلاً كافياً على ولادة معارضة داخل المجلس. قد يكون بعض الأعضاء قد امتنع عن التصويت، وقد يكون الحضور أقل من الجلسة الافتتاحية، وقد يكون الاعتراض فنياً ومحدوداً بهذه المادة. غياب التصويت الاسمي يحجب أيضاً الفروق بين الأعضاء المنتخبين والمعينين، ويمنع معرفة إن كان الخلاف جغرافياً أو مهنياً أو مرتبطاً بمجموعات متقاربة في رؤيتها لدور المجلس.

تظهر المعلومة المتاحة وجود قدرة على تعطيل مادة لا تجمع الأغلبية، وهذا تطور إجرائي يستحق المتابعة في مجلس تشكل ضمن مسار انتقالي شديد المركزية. أما الحكم على استقلالية المؤسسة فيحتاج نمطاً متكرراً من التصويت، وقدرة فعلية للأعضاء على تعديل المقترحات، ونشر محاضر توضح المداخلات والنتائج. واقعة واحدة تكشف وجود تفاوت في الآراء، ولا ترسم بعد خريطة ثابتة لموازين القوى.

الرقابة بعد إعادة الصياغة

تتحدد قوة مجلس الشعب في المرحلة الحالية بأدوات محدودة نسبياً. يملك المجلس اقتراح القوانين وإقرارها وتعديل التشريعات السابقة، ويقر الموازنة والمعاهدات والعفو العام، كما يستطيع عقد جلسات استماع للوزراء. لا ينص الإعلان الدستوري على تصويت يمنح الحكومة الثقة أو يسحبها منها، ولذلك تصبح اللجان وجدول الأعمال وحق الأعضاء في طلب المعلومات من أهم الوسائل المتاحة لمتابعة السلطة التنفيذية.

إذا تشكلت اللجان بقرار يتركز لدى رئاسة المجلس، فسيكون للرئاسة تأثير مباشر في تحديد الأعضاء الذين يدرسون الموازنة والعدالة الانتقالية والإدارة المحلية والاقتصاد والخدمات. أما انتخاب اللجان أو توزيع مقاعدها وفق معايير معلنة فيمنح الأعضاء دوراً أوسع، ويقلل احتمال احتكار ملف معين من مجموعة واحدة. لا توجد صيغة واحدة مفروضة في البرلمانات، لكن المعيار العملي هو قدرة اللجنة على العمل باستقلال، واستدعاء المعلومات، وإعداد تقرير يستطيع المجلس مناقشته بجدية.

علنية الجلسات تدخل في الاختبار نفسه. نُقلت الجلسة الافتتاحية، بينما لم تُبث المناقشات التالية مباشرة، وبرر عضو المجلس بشر الحاوي ذلك بالطابع القانوني والفني للمداولات. رأى رضوان زيادة أن البث يجب أن يكون قاعدة لأنه يعرّف السوريين بطريقة صنع القرار ويساعد على بناء الثقة. يصبح هذا المطلب أكثر أهمية عندما تفشل مادة في التصويت، لأن معرفة مبررات الاعتراض أهم من معرفة الحصيلة وحدها.

المجلس يعمل أيضاً تحت ضغط المهلة الدستورية. مناقشة نحو 180 مادة قد تستغرق أسبوعين بحسب تقدير عضو المجلس بشر الحاوي، في حين يجب إنجاز النظام خلال شهر من الجلسة الأولى. وتسريع الجلسات قد يساعد على احترام الموعد، لكنه يرفع خطر تمرير نصوص لم تُختبر آثارها. ويمكن للمجلس معالجة ذلك بنشر المسودة والتعديلات ومحاضر التصويت، حتى يشارك الخبراء والمجتمع المدني في مراجعة مواد ستحدد علاقة المواطن بمؤسسة التشريع خلال ثلاثين شهراً قابلة للتجديد.

ستكون الصيغة الجديدة للمادة 30 أول اختبار مباشر لما أنتجه التصويت. ينبغي أن توضح عدد اللجان واختصاصاتها، ومن يقترح أعضاءها، وكيف يُنتخب رؤساؤها، وهل يستطيع العضو الانضمام إلى أكثر من لجنة، وما الضمانات التي تمنع تضارب الاختصاصات أو تعطيل التقارير. كما سيكشف التصويت الثاني إن كان المجلس يتجه إلى تسوية واسعة أم إلى انقسام يستمر في المواد المرتبطة بصلاحيات الرئاسة والرقابة وحق المبادرة.

تكشف مناقشات النظام الداخلي أن توازنات مجلس الشعب لم تستقر في صورة كتلة حاكمة في مقابل كتلة معارضة. الموجود حالياً تفاوض داخلي حول قواعد العمل، يشارك فيه أعضاء بخلفيات مختلفة ومن دون اصطفافات معلنة. سقوط المادة 30 مهم لأنه أوقف نصاً لم يجمع الأغلبية، لكنه سيبقى واقعة محدودة إذا أعيدت الصياغة بعيداً عن النقاش العام أو مرّ النص التالي من دون نشر تفاصيله. الدلالة الأوضح ستظهر عندما يقرر المجلس كيف يشكل لجانه، ومن يضع جدول أعماله، وكيف يتيح للسوريين معرفة مواقف ممثليه.

اقرأ أيضاً: مجلس الشعب ينعقد.. الحركة العامة تتوقف في دمشق!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى